تثبيت أسعار البنزين والسولار يفتح ملف الدعم.. هل تتحمل الموازنة أعباء إضافية؟

أعاد قرار لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية تثبيت أسعار البنزين والسولار دون تغيير، فتح ملف تكلفة توفير الوقود في السوق المحلية، ومدى قدرة الموازنة العامة للدولة على استيعاب أي أعباء مالية إضافية قد تنتج عن تقلبات أسعار النفط العالمية، خاصة في ظل خفض مخصصات دعم المواد البترولية خلال العام المالي الحالي 2026/2027.
وتبرز التساؤلات بشأن التكلفة الفعلية لقرار التثبيت، والفارق بين أسعار بيع المنتجات البترولية للمستهلكين وتكلفة توفيرها، سواء من الإنتاج المحلي أو الاستيراد، ومدى انعكاس هذه الفروق على حسابات الهيئة المصرية العامة للبترول والخزانة العامة للدولة.
خفض مخصصات دعم المواد البترولية بنحو 59 مليار جنيه
تكشف بيانات البيان المالي لمشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026/2027، التي نقلتها وكالة أنباء الشرق الأوسط، عن تخصيص نحو 15.840 مليار جنيه لدعم المواد البترولية، مقابل 75.033 مليار جنيه في موازنة 2025/2026، بانخفاض يبلغ 59.193 مليار جنيه، بنسبة 78.9%.
ويمثل هذا البند ما تتحمله الخزانة العامة نتيجة بيع بعض المنتجات البترولية بأسعار تقل عن تكلفة توفيرها في السوق المحلية، سواء من الإنتاج المحلي أو الواردات، إلى جانب دعم أسطوانات البوتاجاز والمازوت الموجه للمخابز.
كما تضمن البيان تخصيص نحو 25 مليار جنيه لما تتحمله الخزانة العامة من ضرائب على المنتجات البترولية، وهو بند تختلف طبيعته عن مخصصات الدعم المباشر.
ولا يعني انخفاض المخصصات أن الدولة حققت وفرًا فعليًا بالقيمة نفسها، إذ يتطلب تحديد الأعباء النهائية مراجعة الإنفاق الفعلي والتسويات المالية، وليس الاكتفاء بالمبالغ المقدرة عند إعداد الموازنة.
أسعار النفط العالمية تضيف تحديًا جديدًا
تزداد أهمية هذه الأرقام في ضوء تطورات سوق النفط العالمية؛ إذ أظهر الموقع الرسمي لوزارة البترول والثروة المعدنية تسجيل خام برنت نحو 104.53 دولار للبرميل في 15 أكتوبر 2026.
وفي المقابل، أشار تقرير صندوق النقد الدولي الصادر خلال العام الجاري إلى أن موازنة مصر للعام المالي 2026/2027 بُنيت على افتراض لسعر النفط يبلغ نحو 75 دولارًا للبرميل، مع تخصيص احتياطيات لمواجهة الصدمات المحتملة، بما فيها ارتفاع أسعار الطاقة عن المستويات المقدرة.
ورغم الفارق بين السعرين، فإن المقارنة لا تكفي وحدها لتحديد حجم الأعباء على الموازنة، نظرًا لاختلاف سعر النفط في يوم واحد عن متوسط الأسعار خلال فترات التعاقد والاستيراد، فضلًا عن تأثير سعر الصرف وتكاليف النقل والتكرير وحجم الإنتاج المحلي.
ويطرح ذلك تساؤلًا بشأن مدى كفاية الاحتياطيات المدرجة بالموازنة لمواجهة أي ارتفاع مستمر في تكلفة توفير الوقود، وما إذا كانت التطورات الأخيرة تستدعي مراجعة تقديرات الإنفاق على الدعم.
هل تخفف زيادة الإنتاج المحلي فاتورة الاستيراد؟
في المقابل، تراهن وزارة البترول على زيادة الإنتاج المحلي ورفع كفاءة معامل التكرير لتقليل الاعتماد على الواردات وتخفيف فاتورة توفير المنتجات البترولية.
وكانت الهيئة المصرية العامة للبترول قد أعلنت، خلال اجتماع مجلس إدارتها في سبتمبر الماضي لاعتماد نتائج أعمال العام المالي 2025/2026، ارتفاع كميات الخام المكررة إلى نحو 28 مليون طن، مقابل 25.3 مليون طن خلال العام المالي السابق.
كما أشارت الهيئة إلى زيادة إنتاج السولار اعتبارًا من مارس 2026، والوصول إلى الطاقة القصوى لإنتاج البنزين.
وتفتح هذه النتائج بابًا آخر للتقييم الاقتصادي، يتعلق بحجم الوفر الفعلي الذي حققته زيادة الإنتاج المحلي، ومدى مساهمته في تخفيف الضغط على فاتورة استيراد المنتجات البترولية، خاصة مع استمرار تقلبات الأسواق العالمية.
أين تظهر تكلفة تثبيت الأسعار؟
بحسب قرار لجنة التسعير التلقائي الصادر الخميس 15 أكتوبر، جاءت خطوة التثبيت بعد مراجعة التغيرات في سعر صرف العملات الأجنبية وأسعار خام برنت خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر 2026، مقارنة بالربع السابق، مع مراعاة التطورات المحلية والعالمية والإجراءات السعرية السابقة.
غير أن بيان اللجنة لم يتضمن تقديرًا معلنًا لتكلفة توفير لتر البنزين أو السولار، أو الأثر المالي المتوقع لاستمرار الأسعار الحالية على بنود الدعم.
وتكتسب هذه البيانات أهمية في تحديد ما إذا كانت تكلفة التثبيت تقع ضمن المخصصات المعتمدة بالفعل، أم قد تتطلب استخدام الاحتياطيات المالية أو إجراء تسويات بين الخزانة العامة وهيئة البترول.
كما يبقى الإنفاق الفعلي على دعم المواد البترولية خلال العام المالي السابق والربع الأول من العام المالي الحالي أحد المؤشرات الأساسية لتقييم مدى توافق المخصصات مع التكلفة الحقيقية لتوفير الوقود.
استقرار الأسعار وفاتورة الدولة
ورغم أن تثبيت أسعار البنزين والسولار يحافظ على مستوى أسعار الوقود للمستهلكين في الوقت الحالي، فإن استمرار هذا الاستقرار يرتبط بعدة عوامل، أبرزها تطور أسعار النفط عالميًا، وتحركات سعر الصرف، وكميات الوقود المستوردة، وقدرة معامل التكرير المحلية على تلبية احتياجات السوق.
ويبقى السؤال الأساسي بعد قرار لجنة التسعير: هل تسمح مخصصات دعم المواد البترولية والاحتياطيات المتاحة باستيعاب أي فروق جديدة في التكلفة، أم ستحتاج الجهات المعنية إلى إجراءات مالية إضافية خلال الفترة المقبلة؟
وتتوقف الإجابة على إعلان بيانات تفصيلية عن تكلفة توفير المنتجات البترولية، وقيمة الواردات الفعلية، وحجم الدعم المنصرف، بما يتيح تقييم الأثر المالي الحقيقي لقرار التثبيت على الموازنة العامة للدولة.

