النهار
جريدة النهار المصرية

فن

من إطلالات الريد كاربت لدعم الصناعة.. «النهار» ترصد الوجه الآخر للدورة 9 من مهرجان الجونة السينمائي

مهرجان الجونة السينمائي الدورة 9
أحمد فرحات -

مع انطلاق كل دورة من مهرجان الجونة السينمائي، يتجدد السؤال المعتاد هل نحن أمام مهرجان سينمائي حقيقي؟ أم مهرجان السجادة الحمراء تستعرض عليها النجمات إطلالاتهن، ويتحول فيها الفنانون إلى مادة دسمة للتعليقات والصور، بينما يقضون بضعة أيام في مدينة ساحلية جميلة؟ فبالنسبة للبعض، تختصر الحكاية كلها في فستان لافت، أو بدلة أنيقة، أو صورة تتصدر مواقع التواصل الاجتماعي، وكأن السينما نفسها تفصيل جانبي في مناسبة عنوانها الأبرز هو النجومية والأضواء.

لكن، إذا كانت السجادة الحمراء هي الجزء الأكثر ظهورًا في المشهد، فهل يعني ذلك أنها المشهد كله؟ وهل يمكن اختزال مهرجان سينمائي في الصور التي تصل إلى الجمهور، وتجاهل ما يحدث خلف الكواليس من مشروعات تطور، ومواهب تبحث عن فرصتها الأولى، وأفلام تحتاج إلى التمويل، وصناع يحاولون الوصول إلى منتجين وموزعين؟

في دورته التاسعة، التي تُقام خلال الفترة من 15 إلى 23 أكتوبر 2026، يقدم مهرجان الجونة أرقامًا ومبادرات تفتح الباب أمام قراءة مختلفة لدوره؛ إذ استقبلت منصة «سيني جونة» وحدها أكثر من 310 مشروعات سينمائية ضمن برامجها، واختارت 118 موهبة شابة من بين أكثر من ألف طلب مشاركة، إلى جانب إطلاق برنامج «سيني جونة مسلسلات» لتطوير مشروعات درامية عربية، وتنظيم ملتقى مهني يضم نحو 35 فعالية تناقش قضايا صناعة السينما ومستقبلها.

ومن هنا، تصبح قراءة الدورة 9 من مهرجان الجونة السينمائي أبعد من تقييم الإطلالات ومتابعة أخبار النجوم؛ فالقضية ليست إنكار أهمية الحضور الجماهيري أو السجادة الحمراء، بل معرفة ما إذا كانت إطلالات الفنانين على الريد كاربت التي نراها أمام الكاميرات يوازيها عمل حقيقي خلفها، وهذا تحديدًا ما يستحق أن نناقشه عند الحديث عن مهرجان الجونة في دورته الـ9.

بوستر مهرجان الجونة الدورة 9

مهرجان الجونة الدورة 9.. كيف يقضي على صورة مهرجان إطلالات الفنانين؟

المهرجان الذي انطلق عام 2017 تحت شعار «سينما من أجل الإنسانية»، لم يقتصر هدفه على تقديم عروض سينمائية تجمع بين الأفلام العربية والعالمية، بل سعى منذ بدايته إلى بناء مساحة مهنية وثقافية تربط صناع السينما في مصر والعالم العربي بنظرائهم الدوليين، ومع وصوله إلى دورته التاسعة، تتجلى هذه الرؤية في توسع مبادراته وبرامجه المهنية، التي تشمل دعم الإنتاج، وتطوير السيناريوهات، وتأهيل المواهب الجديدة، وفتح مسارات جديدة للتعاون بين السينما والتلفزيون.

وتكتسب هذه الجهود أهمية خاصة في ظل التحديات التي تواجه صناعة الأفلام، بدءً من صعوبة الحصول على التمويل، مرورًا بمراحل التطوير والإنتاج، وصولًا إلى التوزيع والوصول إلى الجمهور، وهنا، يحاول مهرجان الجونة أن يتجاوز دوره بوصفه حدثًا سينمائيًا سنويًا، ليصبح جزءًا من منظومة دعم الصناعة، لا مجرد مساحة للاحتفاء بنتائجها النهائية.
سيني جونة

«سيني جونة».. من منصة للمشروعات إلى منظومة لدعم الصناعة

تأتي منصة «سيني جونة» في مقدمة المبادرات التي تعكس هذا التوجه، بعدما تطورت على مدار السنوات من مساحة لدعم المشروعات السينمائية إلى منظومة تضم برامج إنتاج وتطوير، وملتقى مهنيًا، وسوقًا سينمائية، وبرامج لاكتشاف المواهب الناشئة، وفي الدورة التاسعة، يواصل برنامج «سيني جونة لدعم إنتاج الأفلام» توسعه، بعدما تلقى أكثر من 310 مشروعات ضمن فئتي المشروعات قيد التطوير والأفلام في مرحلة ما بعد الإنتاج، ويعكس هذا الرقم حجم الاهتمام الذي تحظى به المنصة لدى صناع الأفلام، كما يوضح أهمية وجود مساحات متخصصة تساعد المشروعات على تجاوز العقبات التي تفصل الفكرة عن التنفيذ.

ولا تتوقف أهمية البرنامج عند استقبال المشروعات، بل تمتد إلى توفير فرص للدعم والتطوير والإرشاد، بما يساعد أصحاب الأفكار على تعزيز جاهزية أعمالهم، والتواصل مع الجهات القادرة على المساهمة في إنتاجها، فالمشروع السينمائي لا يحتاج إلى التمويل وحده، وإنما يحتاج أيضًا إلى شبكة من العلاقات المهنية، ورؤية إنتاجية واضحة، وفرص للتواصل مع المنتجين والخبراء وشركاء التوزيع.

وفي هذا الإطار، يشهد البرنامج هذا العام إطلاق مبادرتين جديدتين للتمويل، هما «أصوات مصرية» و«Safe Harbour MENA»، وتستهدف المبادرة الأولى توفير فرص للتطوير والإرشاد للمشروعات المقدمة من صناع أفلام مصريين، بينما تركز الثانية على دعم صناع الأفلام من منطقة الشرق الأوسط الذين تعرضوا للتهجير القسري أو يواجهون مخاطر تهدد سلامتهم.

وتحمل المبادرتان دلالة تتجاوز توفير الدعم المالي؛ إذ تعكسان اهتمامًا بتوسيع فرص الإنتاج أمام أصوات قد تواجه صعوبات إضافية في التعبير عن تجاربها أو استكمال مشروعاتها، كما تؤكدان أن دعم السينما لا ينفصل عن توفير بيئة تسمح بتنوع الحكايات، وتمنح أصحاب التجارب المختلفة فرصة للوصول إلى الجمهور.

سيني جونة مسلسلات

«سيني جونة مسلسلات».. استجابة لتحولات سوق المحتوى

من أبرز خطوات الدورة التاسعة إطلاق برنامج «سيني جونة مسلسلات»، الذي يقدم ورش عمل وبرامج لتطوير مسلسلات تلفزيونية قيد التنفيذ، بمشاركة ستة مشروعات مختارة من العالم العربي في نسخته التجريبية، وتأتي هذه الخطوة في توقيت يشهد تداخلًا متزايدًا بين صناعتي السينما والتلفزيون، مع توسع المنصات الرقمية وتغير أنماط مشاهدة الجمهور، وارتفاع أهمية المسلسلات باعتبارها مساحة رئيسية لسرد القصص وتقديم تجارب إبداعية متنوعة.

ومن هنا، يمثل البرنامج محاولة لتوسيع نطاق الدعم الذي يقدمه المهرجان، بحيث لا يظل محصورًا في الأفلام السينمائية، وإنما يمتد إلى وسيط آخر بات يحتل مكانة مؤثرة في صناعة المحتوى العربي، كما يتيح للمشروعات المشاركة فرصة الاستفادة من ورش التطوير والتوجيه المهني، بما يساعد على بناء أعمال أكثر جاهزية للدخول في مراحل الإنتاج.

118 موهبة من 14 جنسية.. الاستثمار في الجيل الجديد

إذا كان تمويل المشروعات يمثل أحد أركان دعم الصناعة، فإن الاستثمار في العنصر البشري يمثل ركنًا لا يقل أهمية، ومن هذا المنطلق، يواصل مهرجان الجونة تطوير برنامج «سيني جونة للمواهب الناشئة»، الذي تلقى في دورته الحالية أكثر من ألف طلب للمشاركة، جرى اختيار 118 مشاركًا منها، يمثلون 14 جنسية مختلفة، وتتيح هذه التجربة للمواهب المختارة فرصًا للتواصل المباشر مع قيادات صناعة السينما، والاستفادة من التدريب، والمشاركة في النقاشات المهنية، وبناء علاقات يمكن أن تساعدهم في خطواتهم التالية داخل المجال.

وتكمن أهمية هذه البرامج في أن دخول صناعة السينما لا يعتمد على الموهبة وحدها، بل يحتاج إلى معرفة عملية بآليات العمل، وفهم لطبيعة السوق، والقدرة على بناء علاقات مهنية، والتعامل مع متطلبات الإنتاج والتوزيع، ولذلك، فإن إتاحة الفرصة أمام المبدعين الشباب للتعلم والتواصل مع أصحاب الخبرة يمكن أن تمثل خطوة مهمة في بناء مسارات مهنية أكثر استدامة.

كما أن تنوع المشاركين من حيث الجنسيات والخلفيات يفتح المجال أمام تبادل الخبرات والرؤى، ويمنح المواهب فرصة للتعرف على تجارب مختلفة في العمل السينمائي، وبذلك، لا يقتصر دور البرنامج على تدريب المشاركين خلال أيام المهرجان، بل يستهدف أيضًا المساهمة في بناء مجتمع مهني قادر على دعم الأجيال الجديدة.

تكريم منى زكي في مهرجان الجونة

35 فعالية لمناقشة مستقبل السينما

يمتد اهتمام المهرجان بالصناعة إلى ملتقى «سيني جونة»، الذي يضم هذا العام نحو 35 فعالية تناقش مجموعة متنوعة من القضايا المرتبطة بواقع السينما ومستقبلها، وتتناول أجندة الملتقى موضوعات من بينها: من يمتلك الحق في سرد القصة؟، والعلاقة بين النوع الاجتماعي وشباك التذاكر، وتأثير الذكاء الاصطناعي على السينما، وفرص تصدير الكوميديا، وهي موضوعات تكشف عن محاولة لربط النقاشات الفنية بالتحديات الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية التي تواجه العاملين في المجال.

ويشارك في هذه الفعاليات عدد من الأسماء البارزة في الصناعة، من بينهم المخرجة البريطانية جوانا هوغ، التي تقدم جلسة حوارية بعنوان «كيف تصبح الحياة سينما»، إلى جانب النجمة منى زكي، التي يكرمها المهرجان بجائزة الإنجاز الإبداعي تقديرًا لمسيرتها الفنية الممتدة لأكثر من عقدين.

وهنا، يتحول وجود النجوم وصناع الأفلام إلى فرصة لتبادل المعرفة والخبرات، بدلًا من اقتصاره على الحضور الاحتفالي، فالمهرجان يمنح الجمهور فرصة لمشاهدة الأعمال، بينما يتيح للمتخصصين مساحة لمناقشة كيفية صناعتها، والتحديات التي تواجهها، والفرص المتاحة لتطويرها.

سوق «سيني جونة».. بناء جسور بين المشروعات وشركاء الإنتاج

يعزز سوق «سيني جونة» هذا الاتجاه من خلال أنشطة تستهدف تسهيل التواصل بين أصحاب المشروعات والشركاء المحتملين، وتنظيم لقاءات مع المنتجين، وتقديم جلسات متخصصة حول الجوانب التقنية لصناعة الأفلام، إلى جانب مناقشة استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تطوير الصناعة.

وتبرز أهمية هذه الأنشطة في قدرتها على تحويل اللقاءات المهنية إلى فرص للتعاون، إذ يحتاج صناع الأفلام إلى أكثر من عرض مشروعاتهم أمام الجمهور؛ فهم بحاجة إلى الوصول إلى منتجين وشركات ومؤسسات يمكنها المساهمة في التمويل أو التنفيذ أو التوزيع.

كما أن وجود سوق مهنية داخل المهرجان يعزز فرص بناء علاقات بين العاملين في المنطقة ونظرائهم الدوليين، بما قد يفتح الباب أمام شراكات إنتاجية جديدة، ويتيح للمشروعات العربية التعرف على متطلبات أسواق مختلفة.

ومع تزايد التحديات التي تواجه إنتاج الأفلام المستقلة، يصبح وجود هذه المساحات أكثر أهمية، خصوصًا للمخرجين الشباب الذين لا يمتلكون بالضرورة شبكة علاقات واسعة أو خبرة كافية في الوصول إلى مصادر التمويل والتوزيع.

لجنة تحكيم سيتي جونة

أفلام متنوعة ولجان تحكيم بخبرات دولية

لا تنفصل هذه المبادرات المهنية عن البرنامج السينمائي للدورة التاسعة، الذي يضم أكثر من 80 فيلمًا من مختلف أنحاء العالم، موزعة على مسابقات الأفلام الروائية الطويلة والوثائقية والقصيرة، مع اهتمام خاص بتقديم تجارب عربية متنوعة.

ويمنح هذا التنوع الجمهور فرصة لاكتشاف أصوات سينمائية مختلفة، بينما يتيح لصناع الأفلام الاحتكاك بتجارب وأساليب متعددة في الكتابة والإخراج والمعالجة البصرية، كما يعزز اختيار لجان تحكيم تضم مخرجين ومنتجين وممثلين ونقادًا ومبرمجي مهرجانات من دول مختلفة من قيمة التبادل الفني داخل المهرجان.

وتشمل الجوائز المصاحبة للدورة جائزة الاتحاد الدولي لنقاد السينما «فيبريسي»، وجائزة شبكة ترويج السينما الآسيوية «نتباك»، إلى جانب جائزة «نجمة الجونة الخضراء» المخصصة للأفلام التي تتناول القضايا البيئية، ويعكس هذا التنوع اهتمامًا بمسارات فنية وموضوعية مختلفة، ويمنح الأعمال المشاركة فرصًا للتقييم من زوايا متعددة.

كما يحافظ المهرجان على ارتباطه بالقضايا الإنسانية والاجتماعية، انطلاقًا من شعاره «سينما من أجل الإنسانية»، الذي يربط الفن بقدرته على التعبير عن تجارب البشر، وإتاحة مساحة للأصوات التي قد لا تجد طريقها بسهولة إلى منصات العرض.

شهادة سميح ساويرس تؤكد بأن الجونة الدورة 9 ليس للإطلالات فقط

لا يمكن إنكار أهمية السجادة الحمراء في منح المهرجان حضوره الجماهيري والإعلامي، لكنها لا تمثل وحدها معيارًا لنجاح تجربة سينمائية بهذا الحجم، فالقيمة الحقيقية لأي مهرجان تتضح أيضًا في قدرته على دعم الأفلام قبل اكتمالها، وفتح أبواب الصناعة أمام المواهب الجديدة، وتوفير فرص للتعاون، وإتاحة النقاش حول التحديات التي تواجه السينمائيين.

وكان المهندس سميح ساويرس، مؤسس الجونة ورئيس مجلس إدارة المهرجان، قد أكد أن الفكرة الأساسية وراء المهرجان تتمثل في منح أصحاب القصص فرصة لرواية حكاياتهم بأنفسهم، خصوصًا صناع الأفلام من مصر والعالم العربي وأفريقيا، مع إتاحة الفرصة أمام السينما العالمية للوصول إلى الجمهور المصري، كما شدد على أهمية توفير فرص للأفلام التي قد تواجه صعوبة في الحصول على التمويل أو التوزيع أو الوصول إلى الجمهور.

وفي هذا السياق، تعكس برامج الدورة التاسعة من مهرجان الجونة توجهًا نحو توسيع أثر المهرجان، من خلال زيادة فرص التمويل والتطوير، وإطلاق مبادرات جديدة لدعم صناع الأفلام، وتوسيع نطاق التدريب، والاقتراب من تحولات سوق المحتوى عبر برنامج المسلسلات، إلى جانب تطوير السوق المهنية والملتقى الحواري.