تقارب روسي أمريكي تفرضه أزمة الطاقة
صفقة ترامب وبوتين..مصالح الطاقة تتقدم على حسابات حرب أوكرانيا

وثائق أمريكية وأممية تكشف اعتماد إسرائيل على نفط سيناء خلال الاحتلال.. جمال شقرة لـ«النهار»: استعادة الحقول كانت استعادة للسيادة على الأرض ومواردها
لم تقتصر نتائج استعادة مصر لحقول البترول في سيناء بعد حرب أكتوبر على عودة آبار ومنشآت إنتاج إلى السيادة المصرية، بل أنهت أيضًا استغلال إسرائيل لمورد طبيعي مصري اعتمدت عليه في تلبية جانب رئيسي من احتياجاتها النفطية خلال سنوات الاحتلال، وفقًا لوثائق أمريكية وأممية تعود إلى سبعينيات القرن الماضي.
وتكشف وثيقة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «CIA»، صدرت عام 1975، أن إيران وفرت نحو 30% فقط من احتياجات إسرائيل النفطية المحلية خلال عام 1974، بينما جاءت بقية الاحتياجات من الحقول المصرية التي استولت عليها إسرائيل في سيناء.
وتوضح هذه الوثائق أن استعادة الحقول لم تكن مجرد استرداد لمنشآت إنتاج، وإنما ارتبطت باستعادة السيطرة المصرية على الموارد الطبيعية، وإنهاء وضع استُخدمت فيه ثروة مصرية لتلبية احتياجات دولة الاحتلال.
الاحتلال لم يكن للأرض وحدها
بعد احتلال سيناء في يونيو 1967، استغلت إسرائيل الموارد الموجودة في شبه الجزيرة، وفي مقدمتها البترول، الذي تحول إلى أحد مصادر الطاقة المهمة للاقتصاد الإسرائيلي خلال تلك الفترة.
ويقول الدكتور جمال شقرة، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، في تصريحات خاصة لـ«النهار»، إن ملف البترول لم يكن منفصلًا عن استعادة السيادة المصرية على سيناء، بل كان جزءًا من قضية الأرض ومواردها.
ويوضح شقرة أن المفاوض المصري تمسك بأن «سيناء أرض مصرية ومواردها موارد مصرية»، ومن ثم لم يكن مقبولًا تثبيت أي حقوق إسرائيلية في تلك الموارد.
ويرى أن استعادة حقول مثل أبو رديس والعَلَمة لم تكن مجرد عودة لمنشآت إنتاج، وإنما إنهاء وضع كانت فيه ثروة مصرية تُستخدم لتلبية احتياجات إسرائيل النفطية خلال الاحتلال.
35.7 مليون برميل في عام واحد
تكشف وثائق الأمم المتحدة حجم استغلال نفط سيناء خلال سنوات الاحتلال. ففي محضر رسمي لاجتماع اللجنة الثانية للجمعية العامة للأمم المتحدة في أكتوبر 1973، ورد تقدير بأن إسرائيل استخرجت خلال عام 1972 وحده نحو 35.7 مليون برميل من خام سيناء، قُدرت قيمتها آنذاك بنحو 82.5 مليون دولار.
ويعادل هذا الرقم، حسابيًا، متوسط إنتاج يقترب من 98 ألف برميل يوميًا.
لكن هذا الرقم ورد في صورة تقدير ضمن مداخلة رسمية مسجلة لدى الأمم المتحدة، وليس نتيجة مراجعة مستقلة أجرتها المنظمة، وهو ما يستدعي التمييز بين البيانات الواردة في المحاضر الرسمية والتقديرات التي خضعت لعمليات تحقق مستقلة.
235.5 مليون برميل خلال الاحتلال
وفي تقرير أممي صدر عام 1977، ظهرت تقديرات مصرية أوسع بشأن الخسائر الناتجة عن استغلال الموارد الطبيعية خلال الاحتلال.
وبحسب هذه التقديرات، بلغ إجمالي الخام المستخرج من آبار سيناء نحو 235.5 مليون برميل، فيما لم تقتصر الخسائر التي أشارت إليها مصر على قيمة النفط المستخرج، بل امتدت إلى التأثير المحتمل لمعدلات الإنتاج على الاحتياطيات القابلة للاستخراج والعمر الإنتاجي للحقول.
وتكشف هذه التقديرات عن بُعد اقتصادي يتجاوز قيمة المبيعات النفطية خلال سنوات الاحتلال، إذ يتعلق أيضًا بالموارد التي خرجت من السيطرة المصرية، وما قد يترتب على استغلالها من آثار في مستقبل الإنتاج والاحتياطيات.
عندما أصبح البترول هدفًا عسكريًا
لم تقتصر أهمية نفط سيناء على الحسابات الاقتصادية، بل ظهرت أيضًا خلال حرب أكتوبر، عندما تحولت بعض منشآته إلى أهداف عسكرية.
ويروي القبطان عمر عز الدين، أحد أبطال القوات الخاصة البحرية، أنه كُلّف في 8 أكتوبر 1973، ضمن مجموعة من القوات البحرية، بتنفيذ عملية استهدفت منشآت بترولية في منطقتي بلاعيم وأبو رديس، كانت إسرائيل تستخدمها في استخراج النفط، موضحًا أن الهدف كان حرمانها من مصدر مهم للبترول.
وتتفق هذه الشهادة مع البيان العسكري المصري رقم 18 الصادر في 8 أكتوبر 1973، الذي أعلن أن القيادة أصدرت أوامر بحرمان إسرائيل من الاستفادة ببترول سيناء، وأن القوات المصرية أغارت على مناطق آبار البترول في بلاعيم وأشعلت النيران فيها، كما دمرت حفارًا كان يُستخدم في أعمال البحث والتنقيب.
وتوضح هذه الوقائع أن منشآت البترول لم تكن مجرد أصول اقتصادية، بل ارتبطت أيضًا بالحسابات العسكرية خلال الحرب، في ظل سعي مصر إلى الحد من استفادة إسرائيل من موارد سيناء.
«CIA»: الحقول المصرية وفرت معظم احتياجات إسرائيل النفطية
وفي مايو 1975، قدمت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية صورة عن حجم اعتماد إسرائيل على حقول سيناء خلال العام السابق.
وذكرت الوكالة أن إيران كانت المورد الخارجي الوحيد لإسرائيل آنذاك، وأنها وفرت نحو 40 ألف برميل يوميًا خلال عام 1974، بما يعادل قرابة 30% من احتياجات إسرائيل النفطية المحلية، بينما جاءت بقية الاحتياجات من الحقول المصرية التي استولت عليها إسرائيل في سيناء.
وبحسب ما ورد في الوثيقة، لم يكن نفط سيناء مجرد مورد تكميلي، بل كان عنصرًا رئيسيًا في تلبية احتياجات إسرائيل من البترول خلال تلك المرحلة.
البترول على طاولة التفاوض
ويقول الدكتور جمال شقرة لـ«النهار» إن الموارد البترولية ظلت جزءًا من مفاوضات ما بعد الحرب، وإن الموقف المصري تمسك بعودة الأرض وما عليها وما تحتها إلى السيادة المصرية.
وتؤكد الوثائق الأمريكية حضور حقول النفط في المفاوضات؛ إذ ظهر الانسحاب من حقول أبو رديس، إلى جانب الممرات الاستراتيجية، ضمن المطالب المصرية خلال محادثات عام 1975.
وبذلك لم يكن الانسحاب الإسرائيلي من الحقول مجرد تطور اقتصادي مصاحب للانسحاب من سيناء، بل مثّل تغييرًا مباشرًا في خريطة مصادر الطاقة التي اعتمدت عليها إسرائيل خلال سنوات الاحتلال.
17 نوفمبر.. عودة الحقول إلى السيادة المصرية
في 17 نوفمبر 1975، استعادت مصر حقول بترول سيناء إلى سيادتها، وهو التاريخ الذي أصبح لاحقًا عيد البترول المصري.
ويؤكد شقرة أن استعادة الحقول أعادت إلى مصر حقها في إدارة مواردها الطبيعية وتحديد كيفية استغلالها والاستفادة من عوائدها، باعتبارها جزءًا من السيادة على الأرض.
ومع عودة الحقول، استعادت مصر السيطرة على إنتاج البترول وبيعه وإدارة احتياطياته، في حين فقدت إسرائيل موردًا اعتبرته الوثائق الأمريكية مصدرًا رئيسيًا لاحتياجاتها النفطية خلال تلك المرحلة.
وتبرز هذه الوقائع أحد الأبعاد الاقتصادية لاستعادة سيناء بعد حرب أكتوبر؛ فاسترداد البترول لم يكن مجرد عودة لآبار ومنشآت إنتاج، بل استعادة لمورد استراتيجي ارتبط بأمن الطاقة الإسرائيلي خلال سنوات الاحتلال، وأصبح جزءًا من ملف استعادة مصر سيادتها على الأرض وثرواتها الطبيعية.

