في غزة.. فنانون يحوّلون الشنط المدرسية الزرقاء إلى لوحات فنية لإسعاد الأطفال

بعد ثلاث سنوات من الانقطاع عن التعليم، بسبب حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة، جاءت عودة الدراسة إلى القطاع المحاصر، كرسالة أمل وصمود، حتى وإن كانت في ظل ظروف استثنائية، تحولت فيها الخيام إلى مدارس مؤقتة، وسط الدمار وأطلال المدارس.
وحسب وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، تستند خطة الوزارة في غزة إلى التوسع في التعليم المباشر المعتمد على حضور الطالب والمُعلم، من خلال توفير نحو 700 نقطة تعليمية موزعة في مختلف المناطق، إلى جانب 25 مدرسة مؤقتة من المتوقع تسلّمها قريبًا.
فرحة منقوصة بسبب "الشنط الزرقاء"
في غزة، انتظر الأطفال عودة الدراسة بما تشمله من طقوس كشراء الزي والمستلزمات المدرسية، ومع الحالة الاقتصادية الصعبة التي تعيشها الكثير من الأسر في القطاع جراء الحرب، وزّعت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) وعدد من المؤسسات الشريكة، حقائب مدرسية موحدة الشكل واللون على الطلبة في مختلف محافظات غزة.
رغم فرحة الأطفال بالشنط الجديدة، إلا أن لونها الأزرق -الذي يرمز إلى المنظمة الأممية- وخلوها من أي رسومات أو ألوان، عدا شعار المنظمة، جدّد في أذهان الطلاب قسوة النزوح ومرارة الحرب.

فنانو غزة يُدخلون الفرحة على قلوب الأطفال
مبادرات فردية من الفنانين في قطاع غزة، انطلقت للرسم على شنط المدرسة، لرسم الفرحة على وجوه الأطفال، من بينهم الفنانة "حلا مُهاب"، التي وصفت كيف أن الأطفال هم أساس هذه المبادرات: "الطفل لديه كرامة ويعرف أن ما يحصل عليه من المنظمات المختلفة هي مساعدات وليست شنطًا خاصة به.. لذلك هم من طلبوا مني الرسم على شنطهم".
تضيف حلا في حديثها مع "النهار": "إحدى قريباتي أخبرتني أنها تكره الشنطة، وتساءلت: ليش ما يكون لونها زهري؟ أنا بنت وما بحب اللون الأزرق، بدي ترسمي لي عليها حتى تُعبر عني"، ملاحظات بريئة ربما لم تعلم المنظمات الدولية أثرها في نفس الطفل عندما قررت توزيع هذه الشنط مع بداية العام الدراسي.
طلبات مختلفة تلقتها "حلا" من الأطفال "كل طفل كان له طلب يُعبر عنه، فيه اللي طلب أرسم له عصفورين أو أن أكتب اسمه على الشنطة"، وتذكرت وهي ترسم للأطفال، كيف كانت في طفولتها تقضي وقتًا طويلًا في شراء شنطة تحظى برضاها وتُلبي شروطها من حيث الشكل والحجم والراحة، على عكس الأطفال الذين يعانون الآن ليس فقط من شكل الشنطة الزرقاء، ولكن من خامتها الرديئة أيضًا: "الشنطة من القماش وبتوجّع ظهرهم كتير".
امتلأ صوت "حلا" بالسعادة وهي تصف كيف تغيرت نفسية الأطفال للأفضل: "حاليًا صاروا يروحوا على المدرسة علشان كل اللي بالصف يشوفوا الشنطة اللي معاهم وحسوا بالتميز"، حتى أصبح زملاؤهم يبدون رغبتهم في الرسم على شنطهم ويسألون عن الفنان الذي يقف وراء هذه الرسومات الجميلة.

تحديات كبيرة يواجهها الرسامون في قطاع غزة، بين ندرة الألوان وجودة المعروض وغلاء الأسعار، توضح "حلا" كيف تتمسك بموهبتها وسط كل هذه الظروف: "في بداية الحرب ما كان فيه رسم لكن في الآونة الأخيرة عادت المعارض والمسابقات مرة أخرى وتعاون الفنانون للتعبير عن الهوية الفلسطينية من خلال الفن".
زيادة الطلب على الألوان في غزة، اصطحب معه زيادة في أسعارها: "أسعار الألوان والفُرش صارت خيالية، الفراشي اللي كنت أشتريها بعشرة شيكل أصبحت بأربعين"، ورغم أن "حلا" تُرحب بطلبات الأهالي للرسم على شنط أولادهم، إلا أنها تطلب منهم توفير الألوان: "الألوان مش متوفرة وعشان أرسم سبونج بوب أو سبايدر مان خلصت عليهم علبة أكريليك كاملة".
الوضع لم يختلف كثيرًا مع الفنانة "علا نمرة"، التي أوضحت لـ"النهار" أن الفتيات اشتكين لها من شكل الشنط: "لقيت إنه البنات بيشكوا من شكل الشنطة ومش عاجباهم، ونفسهم تكون ملونة وفيها رسومات، قلتلهم اعطوني إياها وبرسملكم عليها".
رصدت "علا" فرحة الفتيات بالشنط بعد تغير شكلها: "حسيتهم بعدها متحمسين جدا يروحوا بيها على المدرسة وفرحانين بيها جدا"، مؤكدة أن كل هذا الجهد الفني يتم وسط عدم توفر الألوان، مع شكوى من رداءة الألوان المتوفرة في الأسواق وغلاء أسعارها، لكن تظل هذه المبادرات دليلًا إضافيًا على حب أهل غزة للحياة ومحاولاتهم في رسم الأمل والفرحة رغم كل الدمار الذي يعيشه القطاع.

