مدير معهد بحوث البساتين سابقا لـ”النهار”: زراعة النخيل في الشوارع دون برنامج وقائي وعلاجي ”كارثة”

مدير معهد بحوث البساتين سابقا يحذر من زراعة الأشجار المثمرة في الشوارع: قد تتحول لبؤر إصابة بذبابة الفاكهة
لا تتوقف تداعيات اقتلاع الأشجار من الشوارع عند فقدان المساحات الخضراء والظل، بل تمتد إلى تأثيرات بيئية ومناخية قد تنعكس على حياة المواطنين، ومع طرح بدائل لتعويض الأشجار المقتلعة، مثل زراعة النخيل أو الأشجار المثمرة، تبرز تساؤلات حول مدى قدرة هذه البدائل على تعويض الأشجار التي اختفت، والمخاطر التي قد تترتب على اختيار أنواع لا تتناسب مع طبيعة الشوارع والظروف البيئية في مصر.
الدكتور محمد محمود مدير معهد بحوث البساتين سابقا التابع لمركز البحوث الزراعية، أكد أن اقتلاع الشجر "كارثة بكل المقاييس" لأسباب كثيرة أهمها تقليل التأثيرات الضارة الناتجة عن التغير المناخي، وتساهم في انخفاض درجات الحرارة، مشيرًا إلى أن المنازل المتواجدة في مناطق محرومة من التشجير، تستهلك طاقة أكبر لأن استهلاكهم لأجهزة التكييف تكون أعلى من المنازل في المناطق جيدة التشجير.
وحول ما تردد عن قطع الشجر لبيعها ثم تحويلها إلى فحم، وبالتالي الاستفادة منها اقتصاديا، قال "محمود" في تصريحات خاصة لـ"النهار": "في هذه الحالة يمكن قطع الشجرة من ارتفاع 40 سم والاستفادة من جسم الشجرة، وخلال عام واحد يمكن للجذور والمتبقي من الشجرة استعادة قرابة 60 % من حجمها قبل القطع"، وهو ما يُسمى كما أوضح "محمود" بالإحلال والتجديد.
وعن زراعة النخيل بدلًا من الشجر الذي قُطع، حذر "محمود" بشدة من هذه الخطوة "من أكثر المشاكل التي تواجه زراعة النخل، هي الإصابة بسوسة النخيل، وإذا لم يوضع برنامج وقائي وعلاجي مُحكم سنجد أنفسنا كارثة".
الكارثة التي يحذر منها "محمود"، تتلخص في أن عدم السيطرة على سوسة النخيل، يمكنه تهديد كل زراعات النخيل في مصر، حيث يمكن لسوسة النخيل بالانتقال لمسافة من 10 كيلومترات إلى 12 كيلومترا في اليوم.
أما فيما يتعلق باقتراحات زراعة الأشجار المثمرة في الشوارع، لتعويض الأشجار المقتلعة، وصف "محمود" هذا الأمر بأنه "موضة وكارثة بكل المقاييس"، مضيفا: "عوادم السيارات التي تحتوي على معادن ثقيلة مثل الزرنيخ والرصاص تترسب على أوراق الشجر والثمار وتُسبب أمراضًا خطيرة على الكبد والكلى وفيما بُعد يمكن أن تُسبب السرطان"، مشيرا إلى أن بعض الدول المطيرة التي لا تحتاج إلى عمليات ري مباشرة، مثل تركيا وبلجيكا وبعض دول القارة الأفريقية، تزرع أشجارا مثمرة في الشوارع، لكن مصر تفتقر إلى هذا الأمر.
خطر آخر حذر منه "محمود" فيما يتعلق باقتراح زرع الشجر المثمر في الشوارع: "هذه الأشجار يمكن أن تكون مصدر لذبابة الفاكهة ويمكن أن تتحول إلى بؤر وبائية تنتقل إلى المزارع وبالتالي فهذا النوع من الأشجار يحتاج إلى معاملة زراعية واحتياجات سمادية"، إضافة إلى معاملات تقليم، وهناك أنواع تحتاج إلى تلقيح، وهو ما يحتاج إلى فريق مختص يقوم بهذه العملية.
"اختزان الكربون" عامل أفضلية إضافي لصالح زرع الأشجار الخشبية في الشوارع أكثر من الأشجار المثمرة "الأشجار الخشبية مثل الكازورينا والبونسيانا تمتص من 10 إلى 100 ضعف غاز ثاني أكسيد الكربون مقارنة بأشجار الفاكهة كما أن القيمة الاقتصادية لأخشاب أشجار الفاكهة ليست عالية ولا يوفر الظل الذي توفره الأشجار الخشبية الأخرى".
يستكمل "محمود" فكرته حول خطورة زراعة الأشجار المثمرة في الشوارع، موضحًا أن خلال العمل بمشروع "مكافحة ذبابة الفاكهة"، والذي اعتمد على عمل مصائد بدلًا من رش الأدوية، كانت الحدائق الخاصة في المنازل، والتي يقوم أصحابها بزراعتها بأشجار الفاكهة، من أكثر التحديات التي واجهت المشروع: "دول كانوا يعتبروا بؤرة لإعادة الإصابة بذبابة الفاكهة".
يرى "محمود" أن لا حل سريع لمشكلة اقتلاع الأشجار الخشبية من الشوارع "عشان الشجرة تبدأ تكوّن هيكل محتاجة من أربع إلى خمس سنوات وتحتاج إلى عشر سنوات حتى تُغطي فروعها وأوراقها الأرض وتمنحنا الظل المطلوب"، مشيرا إلى أن الشجر المقتلع وصل عمره إلى ثلاثين وأربعين عامًا.

الخبير البيئي الدكتور صبحي رمضان أستاذ جغرافية البيئة بكلية الآداب جامعة المنوفية، استعان بكتاب "الربيع الصامت" لراشيل كارسون، للتحذير من أن تدمير الغطاء النباتي الأصلي تحت ذريعة التطوير يؤدي إلى اختلال مناخي وفقدان للتنوع البيولوجي لا يمكن تداركه.
مضيفًا عبر منشور له على "فيسبوك": "بعد موجات القطع الجائر للأشجار المعمرة والظليلة مثل الفيكس والجاكرندا، جاءت الاختيارات البديلة بسيئة ومجحفة بيئياً، عبر زراعة أنواع غير مخصصة لتلطيف الجو أو توفير الظل (كالنخيل أو أشجار الزينة القزمة) والتي لا تتناسب مع طبيعة التغير المناخي والارتفاع الشديد في درجات الحرارة داخل المدن المصرية، مما يكرس مظاهر الاعتداء غير المسؤول على البيئة".
وحول غرس النخيل في الشوارع أكد أن "نخل الزينة يترك المشاة والأسفلت معرضين لأشعة الشمس المباشرة، ويقدم مظلة ظل لا تتعدى 10-15 % مقارنة بالشجر، مع ارتفاع تكلفة شتلاته وصيانته التي قد تتجاوز 3 إلى 5 أضعاف تكلفة زراعة الأشجار الخشبية المحلية".

