النهار
جريدة النهار المصرية

فن

«ذكائي محدود».. القصة الكاملة لاعتذار عمرو دياب نت عبد الحليم حافظ ورموز الفن لإنقاذ مشواره الفني

جلسة صلح عمرو دياب مع حلمي بكر والعمروسي
أحمد فرحات -

بين الهجوم الإعلامي والخلافات مع رموز الموسيقى المصرية و«شبيحة» عبدالحليم حافظ، عاش عمرو دياب واحدة من أصعب فترات مسيرته الفنية في نهاية التسعينيات، بعدما تحولت تصريحاته إلى أزمة واسعة تجاوزت حدود الصحافة، لكن سرعان ما بدأت محاولات المصالحة لاحتواء الموقف، فكيف انتهت الأزمة؟

محسن جابر يتدخل.. كيف نجا عمرو دياب من فخ «شبيحة» عبدالحليم حافظ؟

كانت الأزمة التي انفجرت عقب تصريحات عمرو دياب كفيلة بتهديد علاقته بعدد كبير من رموز الوسط الفني، بعدما تحولت كلماته إلى مادة يومية للصحافة، وامتدت تداعياتها إلى خلافات واتهامات متبادلة، وأمام تصاعد الهجوم، بدأ الهضبة التحرك لاحتواء الموقف، فنفى، عبر بيان أصدره محاميه سمير صبري، ما نُسب إليه من إساءات إلى رواد الموسيقى والغناء المصري.

وأكد البيان أن عمرو دياب لم يهاجم لجنة الاستماع بالإذاعة والتليفزيون، وأنه يقدر دورها في الحفاظ على مستوى الأغنية المصرية، مشددًا على احترامه لأعضائها، وتقديره للرموز الفنية التي تعلم منها ولا يزال يستفيد من تجاربها، كما نفى البيان التصريحات التي نُسبت إليه بشأن الإساءة إلى كبار الموسيقيين والمطربين.

بيان اعتذار عمرو دياب

في محاولة لتفسير موقفه، قال دياب في تصريحات لاحقة إنه ربما أخطأ في التعبير عن رأيه، لكنه شعر بأن هناك من يتعامل مع جيله باعتباره جيلًا لا يمتلك القدرة على تحقيق إنجازات حقيقية في عالم الغناء، وأشار إلى أن المقارنات المتكررة بينه وبين عبد الحليم حافظ كانت تثير غضبه، موضحًا أنه ظل يسمع منذ بداية مشواره أنه لن يصل إلى مكانة العندليب، وهو ما اعتبره نوعًا من الإحباط المستمر، وشبّهه بتكرار إخبار الابن بأنه لن ينجح مهما حاول.

لكن احتواء الأزمة لم يكن ممكنًا بالبيانات وحدها، وهنا تدخل المنتج محسن جابر، الذي تربطه علاقات بعدد من أطراف الخلاف، محاولًا إعادة المياه إلى مجاريها، وإقناع دياب بضرورة إنهاء المواجهة قبل أن تتسع تداعياتها.

زيارة منزل حلمي بكر.. بداية طريق المصالحة

بحسب رواية محسن جابر في تصريحات صحفية لاحقة، نصح عمرو دياب بتهدئة الأوضاع، وبدأ التواصل مع الأطراف الغاضبة، وفي مقدمتهم الموسيقار حلمي بكر ومجدي العمروسي ووجدي الحكيم ومحمد حمزة، لإقناعهم بقبول الاعتذار وإنهاء الخلاف.

وروى جابر أنه اصطحب دياب إلى منزل حلمي بكر، لكنه طلب منه الانتظار داخل السيارة بينما يصعد للتحدث إلى الموسيقار، وعندما علم بكر بوجود دياب، أصر على أن يدخل بدلًا من الانتظار في الخارج، وقال له، بحسب رواية جابر، إنه يعتبره بمثابة ابنه رغم الخلافات التي وقعت بينهما.

وبعد دخوله المنزل، اعتذر عمرو دياب لحلمي بكر، موضحًا أنه كان يمر بضغوط نفسية وعصبية، وأن احتكاكه بالصحافة وما تعرض له من انتقادات أسهما في انفعاله وإطلاق تلك التصريحات، وانتهى اللقاء، وفق رواية محسن جابر، بالموافقة على المصالحة.

ولم تتوقف المساعي عند هذا اللقاء، إذ استمرت الاتصالات والمفاوضات لنحو ثلاثة أشهر، في محاولة للتوصل إلى تسوية مع بقية الأطراف، وصولًا إلى اتفاق على عقد مؤتمر صحفي يعلن انتهاء الأزمة.

اعتذار علني وشروط لإنهاء الخلاف

بحسب ما رواه محسن جابر، شهدت مرحلة التسوية اجتماعات بين الأطراف المعنية، من بينها اجتماع في مكتب مجدي العمروسي، جرى خلاله الاتفاق على شكل المصالحة النهائية، بعد التوصل إلى تفاهم بشأن القضايا والخلافات القائمة.

وطلب حلمي بكر أن يعتذر عمرو دياب علنًا خلال مؤتمر صحفي يُعقد في نقابة المهن الموسيقية، وأن يتضمن الاعتذار تصريحات منشورة في الصحف، إلى جانب نشر عبارة منسوبة إلى دياب في مجلة «الكواكب» تقول: «أنا موهوب 100% لكن ذكائي محدود»، في إشارة إلى الجدل الذي أثارته تصريحاته السابقة.

ووفق رواية جابر، وافق دياب على الشروط، وعُقدت جلسة للمصالحة ظهر خلالها إلى جانب حلمي بكر ومجدي العمروسي ووجدي الحكيم، والتقطت لهم صور وهم يتبادلون العناق، وأمامهم قالب حلوى كُتبت عليه عبارة: «يلا نحب بعض الصورة تطلع حلوة».

وروى جابر أيضًا أن دياب اتصل بمجدي العمروسي بعد مغادرته مكتبه ليشكره على حسن استقباله، ثم أخبره بأنه شعر بتأثر شديد عقب انتهاء اللقاء، وأنه اعتبر محبة أساتذته وزملائه له مكسبًا يفوق قيمة أي جائزة فنية، وهكذا، انتهت المواجهة التي شغلت الوسط الفني والصحفي لأسابيع طويلة، بعدما قبلت الأطراف المعنية المصالحة، وأُغلق الملف الذي كاد يحول خلافًا في الرأي إلى قطيعة طويلة بين عمرو دياب وعدد من أبرز الأسماء في صناعة الموسيقى المصرية.

من الاعتذار إلى تغيير طريقة التعامل مع الإعلام

لم تكن المصالحة مجرد نهاية لخلاف عابر، بل مثّلت، وفق قراءات لاحقة لمسيرة عمرو دياب، محطة مهمة في علاقته بالصحافة والإعلام، فقد وجد نفسه مضطرًا إلى الاعتذار علنًا بعد موجة من التصريحات الحادة التي وضعته في مواجهة عدد كبير من النقاد والفنانين.

وكانت تلك التجربة كاشفة لحجم المخاطر التي قد تترتب على الانفعال في التعامل مع الأسئلة الصحفية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالمقارنة مع رموز فنية تحظى بمكانة راسخة لدى الجمهور، كما أظهرت أن النجاح الجماهيري لا يمنع تصاعد الانتقادات، وأن طريقة إدارة الخلاف قد تتحول أحيانًا إلى قضية أكبر من الخلاف نفسه.

ومنذ ذلك الحين، بدا أن دياب أكثر حرصًا على تجنب المواجهات العلنية التي قد تفتح جبهات جديدة ضده، وإن كان من الصعب الجزم بأن تغير أسلوبه الإعلامي يعود إلى هذه الأزمة وحدها. لكن الاعتذار والمصالحة ظلا من أبرز محطات تلك المرحلة، لما حملاه من تناقض بين صورة النجم الواثق الذي واجه منتقديه بقسوة، والفنان الذي اضطر في النهاية إلى تقديم اعتذار علني لإنهاء المواجهة.

عام 2002.. الجدل يعود من جديد

على الرغم من انتهاء الأزمة، عاد ملف تصريحات عمرو دياب بشأن عبد الحليم حافظ إلى الواجهة خلال ندوة صحفية عقدها في مؤسسة «روز اليوسف» عام 2002، وخلال اللقاء، جدد دياب دفاعه عن حقه في إبداء رأيه في التجارب الفنية، مؤكدًا أنه لا يرى أحدًا فوق مستوى النقد، لكنه تساءل عن سبب التعامل مع تجربة عبد الحليم باعتبارها استثناءً لا يجوز الاقتراب منه.

وتساءل عن أسباب تكرار مقارنته بالعندليب، بدلًا من مناقشة تجارب مطربين وملحنين آخرين، مثل محمد فوزي ومنير مراد ومحمد عبد الوهاب، كما عبّر عن ضيقه من اضطراره المستمر، طوال سنوات مشواره، إلى إثبات أنه مطرب ناجح، رغم ما حققه من مبيعات وجوائز وانتشار عربي.

وقال دياب، وفق ما نُقل عن الندوة، إنه لا يستطيع تقبل أن يظل مطالبًا بإثبات نجاحه بعد حصوله على أسطوانات بلاتينية وجوائز «ميوزيك أوورد»، وتحقيقه مبيعات مرتفعة في العالم العربي، ثم استخدم تعبيرًا حادًا في حديثه عن مكانة عبد الحليم حافظ، قبل أن يتوقف عن الكلام ويظهر عليه الانفعال.

وبعد لحظات، استأنف حديثه معبرًا عن شعوره بالملل من الانتقادات والإهانات التي تعرض لها، معتبرًا أن إبداء رأيه مرة واحدة كان كافيًا لفتح موجة واسعة من الهجوم عليه، وأعادت تلك التصريحات طرح الأسئلة نفسها التي صاحبت أزمة أواخر التسعينيات: أين تنتهي حرية الفنان في نقد التجارب السابقة، وأين تبدأ مسؤولية احترام الرموز الفنية؟ وهل كان غضب دياب نابعًا من شعوره بأنه يخضع لمقارنات غير منصفة، أم أن طريقته في التعبير عن هذا الغضب أسهمت في تعقيد موقفه؟

وبين أزمة انتهت باعتذار علني، وتصريحات عادت إلى الواجهة بعد سنوات، بقيت تلك المرحلة علامة بارزة في مسيرة الهضبة؛ ليس فقط بسبب الخلاف مع كبار الموسيقى والغناء، وإنما لأنها كشفت مدى تعقيد العلاقة بين النجومية والنقد، وبين حق الفنان في الدفاع عن تجربته وحساسية المقارنة مع أسماء صنعت تاريخ الأغنية المصرية.