في عيد ميلاده (1).. «النهار» تكشف بالصور القصة الكاملة لرحلة عمرو دياب في الملاهي الليلية والأفراح

تصدر الفنان عمرو دياب مواقع التواصل الاجتماعي ومحركات البحث، بعدما تزامنت مناسبتان رسميتان لاستقبال الرئيس عبدالفتاح السيسي في ماليزيا وكوريا الجنوبية مع استخدام أغنياته الشهيرة، في مشاهد لاقت تفاعلًا واسعًا، وكان من أبرز هذه المشاهد، نشر رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم صورًا عبر حسابه الرسمي على موقع «فيسبوك»، توثق استقبال الرئيس السيسي خلال زيارته إلى العاصمة كوالالمبور، ضمن جولته الآسيوية، على أنغام أغنيتي «حبيبي يا نور العين، وتملي معاك».
كما رافقت أغنية «بابا»، المعروفة أيضًا باسم «رمش خطاف»، مراسم استقبال الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ للرئيس عبدالفتاح السيسي في العاصمة سيئول، لتؤكد هذه المشاهد الحضور العالمي لأغنيات عمرو دياب، وقدرة الموسيقى على تجاوز الحدود الجغرافية والحواجز الثقافية، باعتبارها لغة عالمية قادرة على توحيد المشاعر والتواصل بين الشعوب على اختلاف ثقافاتها.
من رحم المعاناة يولد النجاح، ومن قلب التحديات تُصنع الحكايات
ويتزامن تصدر عمرو دياب للمشهد مع احتفاله بعيد ميلاده غدًا الأحد 11 أكتوبر، في مصادفة تسلط الضوء مجددًا على مسيرة الهضبة الفنية الممتدة لأكثر من أربعة عقود، قدم خلالها عشرات الأغنيات والألبومات التي حققت نجاحًا واسعًا في مصر والعالم العربي، ونجح في الوصول إلى جماهير من مختلف أنحاء العالم، ليحجز لنفسه مكانة استثنائية على الساحة الغنائية، ويصنع تجربة فنية متفردة حافظت على حضورها وتأثيرها عبر أجيال متعاقبة.
فبالعودة لعام 1984، بدأ عمرو يعيد حساباته الفنية، ويبحث عن هوية مختلفة تميزه عن باقي مطربي جيله، بعدما أدرك أن الوصول إلى الجمهور لا يعتمد على الصوت والأغاني فقط، وإنما يرتبط أيضًا بالصورة التي يقدم بها نفسه، فقرر الابتعاد عن الإطلالات التقليدية التي اعتاد المطربون الظهور بها البدلة والكرافات، والاقتراب من روح الشباب من خلال ملابسه وطريقة ظهوره، وهو ما تجلى في كليب أغنية «غني من قلبك»، الذي يعد ثاني أعماله المصورة، وظهر خلاله بإطلالة مستوحاة من موضة البانك الأمريكية، مرتديًا ملابس شبابية مختلفة، وسط مشاهد تضمنت الموتوسيكلات، في محاولة لتقديم صورة غير مألوفة للمطرب المصري وقتها.
وشهدت تلك المرحلة دعمًا أكبر من الموسيقار هاني شنودة، الذي قرب عمرو دياب من الشاعر صلاح جاهين والشاعر عبدالرحيم منصور، اللذين أبديا إعجابهما بأفكاره الجديدة وشجعاه على الاستمرار في تقديم نفسه بصورة مختلفة، دون الانسياق وراء القوالب التقليدية السائدة، وأسهمت هذه التجربة في ترسيخ اهتمام عمرو بصورته وإطلالاته، ليصبح التجديد في المظهر والموضة أحد أبرز ملامح شخصيته الفنية على مدار مشواره.
وبالتوازي مع نجاح الكليب، بدأ عمرو دياب التحضير لألبومه «غني من قلبك»، بالتعاون مع الموزعين فتحي سلامة وطارق مدكور ومحمد هلال، بعد فترة من العمل والبروفات المكثفة، وضم الألبوم 9 أغنيات، تنوعت بين الألوان الغنائية المختلفة والاستلهام من التراث المصري والبورسعيدي، وهي: «أشوف عنيكي»، و«غني من قلبك»، و«يا سمرا»، و«يا ليلة»، و«إيش حال الشجرة»، و«عصافير الحب»، و«يا خيلي»، و«مصرية»، إلى جانب «بتغني لمين»، التي قدمها في فيديو كليب، لتصبح ثالث أغنية مصورة في مشواره الفني.
ورغم تعدد تجاربه ومحاولاته لتثبيت أقدامه على الساحة الغنائية، لم تكن نجاحاته في تلك المرحلة قد وصلت بعد إلى المستوى الذي حققه لاحقًا، في ظل منافسة قوية من نجوم بارزين، من بينهم هاني شاكر ومحمد منير وعلي الحجار ومدحت صالح، بالتزامن مع ظهور موجات موسيقية جديدة ارتبطت باسم حميد الشاعري، وبين هذه الأسماء، واصل عمرو دياب البحث عن صوته الخاص وصورته المختلفة، في مرحلة تأسيسية مهدت لتحولات كبيرة في مسيرته الفنية خلال السنوات التالية.
حكاية عمرو دياب مع عالم الأفراح والملاهي الليلية
مع بداية عام 1985، وبعد النجاح الذي حققه عمرو دياب بألبوميه الأولين، بدأ مرحلة جديدة من مشواره الفني، فكوّن فرقته الموسيقية من زملائه بالمعهد، وبدأ البحث عن فرص للعمل والغناء في الملاهي الليلية بشارع الهرم، التي كانت وقتها واحدة من أبرز ساحات المنافسة بين المطربين، ويروي محسن جعفر، صاحب أحد الملاهي الليلية بشارع الهرم، في لقاء صحفي قديم، أن أول لقاء جمعه بعمرو دياب كان عندما حضر بصحبة مجموعة من الشباب الأكاديميين، الذين كانوا يحلمون بالعمل في تلك الأماكن لتأمين نفقاتهم والاعتماد على أنفسهم، موضحا أن النجاح في شارع الهرم كان يتطلب تقديم عدد كبير من الفقرات يوميًا، قد يصل إلى 7 أو 10 حفلات، وأن المطرب الجديد كان عليه الانتظار حتى ينتهي المطربون السابقون من فقراتهم قبل أن يصعد إلى المسرح.
ويكشف عمرو دياب أن شارع الهرم كان يضم وقتها أسماء غنائية كبيرة، من بينها محمد منير، وعلي الحجار، ومحمد الحلو، ووديع الصافي، ونجاح سلام، وأحمد عدوية، وحسن الأسمر، إلى جانب لوسي وشريفة فاضل ومحمد قنديل، ورغم صعوبة المنافسة، قرر خوض التجربة، مقابل أجر رمزي كان يمثل له مصدر دخل مهمًا، خاصة أنه كان مغتربًا ويتحمل نفقات معيشته، إلى جانب مسؤولياته تجاه أعضاء فرقته الموسيقية.
الفشل والإصرار
جاء الاختبار الأول لعمرو دياب وفرقته في موقف لم يكن سهلًا؛ فبعد انتهاء فقرات المطربين السابقين، لم يتبق في المكان سوى رجل واحد من الجمهور، ظل جالسًا بينما يستعد عمرو للصعود إلى المسرح. ورغم خلو المكان تقريبًا، أصر عمرو وأعضاء فرقته على تقديم فقرتهم كاملة، حتى لو كان المستمع الوحيد هو ذلك الرجل الذي كان يجلس وظهره إلى المسرح.


لم تكن تلك البداية استثنائية في حجم الجمهور أو الأجر، لكنها كانت واحدة من المحطات التي اختبرت إصرار عمرو دياب على الاستمرار، ومع الوقت، بدأت الفرص تتزايد، وراح اسمه يتردد في عدد أكبر من الأماكن، ليقدم حفلات في ملاهٍ ليلية وفنادق شهيرة، من بينها «باريز يانا»، وفندقا شيراتون القاهرة وماريوت، إلى جانب نادي الجزيرة وغيرها من الأماكن التي ساعدته على اكتساب الخبرة والانتشار.
ولم تتوقف محاولاته عند الملاهي الليلية، بل امتدت إلى إحياء الأفراح والمناسبات الخاصة وكان منها حفل زفاف جمال مبارك نجل رئيس الجمهورية الأسبق محمد حسني مبارك، وهي المرحلة التي كشف عنها إمام عمر، مدير عام الموسيقى والغناء بالإذاعة، في لقاء صحفي نادر، موضحًا أن علاقته بعمرو دياب بدأت في أوائل الثمانينيات، عندما حضر الموسيقار هاني شنودة إلى مكتبه بصحبة عمرو، الذي كان يعمل وقتها في شارع الهرم مع فرقة موسيقية بسيطة.
وقال إمام عمر إنه ساعد عمرو دياب وفتح أمامه بعض الأبواب ليتمكن من إثبات نفسه، مشيرًا إلى أن أول أجر حصل عليه كان 150 جنيهًا، مقابل الغناء في حفل زفاف أحد أصدقائه، وأنه كان يظهر وقتها بالقميص والبنطلون والتيشيرت، ورغم بساطة الإمكانيات، لفت عمرو انتباهه بذكائه وقدرته على قراءة المواقف، وهي صفات رأى أنها تفوق ما يتمتع به بعض المطربين الأكبر منه خبرة.
وقد منحت هذه المرحلة عمرو دياب خبرة عملية مهمة؛ فالغناء أمام جماهير مختلفة الأذواق علّمه كيفية التواصل مع الجمهور واختبار قدرته على التأثير فيه، كما ساعده العمل في أماكن متعددة على فهم طبيعة السوق الموسيقية، والتمييز بين الأغنيات التي تلقى قبولًا حقيقيًا وتلك التي لا تحقق الاستجابة المطلوبة، فالملاهي الليلية والأفراح لم تكن بالنسبة له مجرد مصدر للدخل، بل كانت بمثابة اختبار يومي لموهبته، وفرصة لفهم الجمهور وصناعة النجاح على أرض الواقع، قبل أن ينتقل تدريجيًا إلى مراحل أكبر في مشواره الفني، ويصبح بعد ذلك واحدا من أهم المطربين على الساحة الفنية

