النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

باحث فلسطيني: 90% من المواطنين جددوا سجلاتهم الانتخابية والطبقة السياسية تخشى اختبار الصندوق

أوضح العويوي، في تصريحات لـ
عبدالرحمن كمال -

رأى الأكاديمي الفلسطيني والباحث السياسي د. أسعد العويوي، أن حالة الشك المحيطة بالانتخابات الفلسطينية تكشف فجوة متزايدة بين رغبة المواطنين في المشاركة السياسية وقدرة الطبقة السياسية على احترام استحقاقات التغيير، معتبرًا أن الإقبال على تجديد السجلات الانتخابية، الذي اقترب وفق الأرقام المتداولة من 90%، يضع القوى السياسية أمام اختبار حقيقي بشأن استعدادها لتجديد الشرعية وقبول نتائج صناديق الاقتراع.

وأوضح العويوي، في تصريحات لـ"النهار"، أن المشكلة في الانتخابات الفلسطينية لا تتعلق بقدرة المواطن على المشاركة، بقدر ما ترتبط بمدى استعداد القوى السياسية لقبول نتائجها وما قد تفرضه من تغييرات في موازين القوى ومواقع النفوذ. ولفت إلى أن الشكوك التي رافقت الحديث عن الانتخابات منذ الساعات الأولى لإصدار مراسيم إجرائها أثارت تساؤلات بشأن جدية المسار الانتخابي، وكأن احتمال التأجيل كان حاضرًا قبل طرحه رسميًا.

فجوة بين الشارع والقيادة

وأشار العويوي إلى أن التحركات السياسية والإعلامية المصاحبة للانتخابات لم تنجح في تبديد مخاوف المواطنين، رغم مشاركة الفصائل الفلسطينية، باختلاف مواقعها ومواقفها، في مشهد أوحى بأن الاستحقاق يمثل مسارًا وطنيًا متفقًا عليه. لكنه اعتبر أن استمرار الشكوك بشأن إجرائها في موعدها كشف اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي ومزاج الشارع الفلسطيني.

وأضاف أن تكرار احتمال التأجيل يجعل الأزمة أكبر من مجرد خلاف على موعد انتخابي، إذ يطرح تساؤلات بشأن موقع الانتخابات في حسابات القوى السياسية، وما إذا كانت لا تزال أداة لتجديد الشرعية وإعادة بناء النظام السياسي، أم تحولت إلى استحقاق تخشاه أطراف ترى في التغيير تهديدًا لمواقعها ونفوذها.

وفي المقابل، اعتبر العويوي أن إقبال المواطنين على تجديد سجلاتهم الانتخابية، وفق الأرقام المتداولة التي قاربت 90%، يعكس استمرار تمسك قطاعات واسعة من الفلسطينيين بحقهم في المشاركة السياسية، رغم تراجع الثقة بالقوى السياسية والشكوك بشأن قدرتها على الوفاء بوعودها. ورأى أن هذه المفارقة تستحق التوقف أمامها، في ظل ما يواجهه الفلسطينيون من تداعيات الاحتلال والأزمات الاقتصادية وأزمة الثقة بالمؤسسات.

اختبار الإرادة السياسية

وأكد العويوي أن المواطن الفلسطيني أنجز ما يقع ضمن مسؤوليته من خلال تجديد سجله الانتخابي وإظهار استعداده للمشاركة، فيما باتت القوى السياسية مطالبة بالإجابة عن سؤال جوهري: لماذا تتقدم رغبة الجمهور في الانتخابات على مستوى الثقة بالطبقة السياسية، بينما تظل الشكوك قائمة بشأن قدرة النظام على إنجاز الاستحقاق؟

وشدد على أن الأزمة لا يمكن معالجتها عبر تبادل الاتهامات بين السلطة والفصائل، أو اختزال المسؤولية في طرف واحد من دون أدلة واضحة. ودعا إلى تحديد الجهة التي تملك قرار إجراء الانتخابات، والكشف عن الأطراف التي قد تعطل مسارها، وتوضيح العقبات القانونية والسياسية الفعلية التي تحول دون تنفيذ الاستحقاق، بدل الاكتفاء بالبيانات والتطمينات التي لا تكفي، بحسب تقديره، لاستعادة ثقة الشارع.

وحذر العويوي من أن تأجيل الانتخابات، إذا جاء مخالفًا للتوقعات التي صنعتها المراسيم والإعلانات السابقة، قد يعزز الاعتقاد بأن الاستحقاقات الانتخابية تُطرح عندما تخدم الحسابات السياسية، وتُرحّل عندما تقترب من إحداث تغيير حقيقي. واعتبر أن الخسارة في هذه الحالة لن تقتصر على ضياع موعد انتخابي، بل ستمتد إلى تراجع ثقة المواطنين بجدوى المشاركة وقدرة المؤسسات على التعبير عن إرادتهم.

الشرعية تتطلب ضمانات

وأوضح العويوي أن تجديد الشرعية لا يتحقق بمجرد الدعوة إلى الانتخابات أو تحديث السجلات الانتخابية، بل يتطلب إرادة سياسية تحترم حق المواطنين في الاختيار، وضمانات واضحة لنزاهة العملية الانتخابية، واستعدادًا حقيقيًا لقبول نتائجها مهما كانت موازين القوى التي ستفرزها.

ودعا إلى إعلان موقف وطني واضح يحدد مصير الانتخابات، ويشرح للرأي العام أسباب أي تعطيل محتمل، ويضع جدولًا زمنيًا قابلًا للتنفيذ، إلى جانب ضمانات تمنع إبقاء الاستحقاق رهينة التوافقات المتغيرة والحسابات الفئوية. وشدد على أن المطلوب ليس حملة إعلامية جديدة لتبرير التأجيل، ولا جولة أخرى من تبادل المسؤوليات، بل خطوات عملية تنهي حالة الغموض المحيطة بمستقبل العملية الانتخابية.

وأكد أن فلسطين لا تحتاج إلى انتخابات شكلية تعيد إنتاج الأزمة ذاتها، بل إلى استحقاق يفتح الطريق أمام تجديد الشرعية والقيادة وإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته. ولفت إلى أن تحقيق ذلك يتطلب إدراك القوى السياسية أن الشرعية ليست ملكًا دائمًا، وأن المواقع العامة ليست امتيازات محصنة من المحاسبة أو التغيير.

الصندوق أمام الجميع

وخلص العويوي إلى أن استعداد المواطنين للمشاركة يضع الطبقة السياسية أمام مسؤولية الانتقال من الخطاب إلى الفعل، محذرًا من استمرار اتساع الفجوة بين شعب يريد اختيار مستقبله وقوى سياسية لم تحسم بعد قدرتها على إنجاز الاستحقاق واحترام نتائجه.

واعتبر أن الانتخابات يمكن أن تشكل مدخلًا حقيقيًا للإصلاح وتجديد الحياة السياسية، شريطة توافر الإرادة والضمانات اللازمة، وإلا فإن استمرار التأجيل والغموض سيعمق أزمة الثقة ويضعف الاعتقاد بإمكانية التغيير عبر المؤسسات.

واختتم العويوي طرحه بالتأكيد على أن السؤال المطروح لم يعد ما إذا كان الفلسطينيون يريدون الانتخابات، بل ما إذا كانت الطبقة السياسية تمتلك الإرادة لاحترام حقهم فيها، وتحويل الاستعداد الشعبي للمشاركة إلى مسار فعلي لتجديد الشرعية وإعادة بناء النظام السياسي.