مسئول بـ”الجهاد الإسلامي” لـ”النهار”: حوار القاهرة يتجاوز المصالحة بين فتح وحماس إلى إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني

قال مسؤول العلاقات الفلسطينية في حركة الجهاد الإسلامي في لبنان، أبو سامر موسى، إن القاهرة تعود إلى واجهة المشهد الفلسطيني عبر تحرك سياسي مكثف يستهدف إطلاق حوار وطني شامل بين مختلف القوى والفصائل، معتبرًا أن التحرك الحالي يتجاوز جولات المصالحة التقليدية، ويمتد إلى ملفات تتعلق بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني ومؤسساته وآليات تمثيل الشعب الفلسطيني.
وأوضح موسى، في تصريحات خاصة لـ«النهار»، أن الاتصالات التي تستضيفها القاهرة تأتي في توقيت حساس، بالتزامن مع استحقاقات سياسية وانتخابية تتصل بمستقبل المؤسسات الفلسطينية، إلى جانب ملفات شائكة تشمل منظمة التحرير والمجلس الوطني والانتخابات ومستقبل إدارة قطاع غزة والعلاقة بين الضفة الغربية والقطاع.
وأشار إلى أن اختزال التحرك المصري في محاولة لإنهاء الانقسام بين حركتي فتح وحماس فقط «يختزل طبيعة الملفات المطروحة»، مؤكدًا أن القضية الأوسع، من وجهة نظره، تتمثل في إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة، بما يضمن تمثيل مختلف القوى والتيارات وينهي حالة الانقسام السياسي والمؤسساتي.
القاهرة تجمع الفصائل
ولفت موسى إلى أن المشاورات في القاهرة انتقلت من الاتصالات إلى خطوات عملية، مع عقد لقاءات جمعت حركات فتح وحماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية، في إطار التحضير لحوار وطني شامل برعاية مصرية، والاتفاق على استكمال المشاورات خلال الأسبوع المقبل، بهدف تحديد موعد الحوار الموسع وترتيباته.
وأشار إلى تصريحات أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب، التي وصف خلالها اللقاءات بأنها جرت في أجواء إيجابية، مع إقراره في الوقت نفسه بعدم حسم الخلافات وعدم التوصل حتى الآن إلى استراتيجية وطنية موحدة.
واعتبر موسى أن استمرار الحديث عن غياب استراتيجية وطنية موحدة يعكس، في تقديره، أن المشاورات الحالية تتجه إلى مناقشة قضايا تتجاوز مجرد استطلاع مواقف الفصائل.
وأكد أن نجاح المسار الذي ترعاه القاهرة سيظل مرتبطًا بقدرته على تجاوز التفاهمات الثنائية وفتح المجال أمام مشاركة مختلف القوى الفلسطينية، موضحًا أن إنهاء الانقسام، وفق رؤيته، لا ينبغي أن يتحول إلى اتفاق بين طرفين على إعادة توزيع النفوذ أو إدارة الانقسام بصيغة جديدة.
الانتخابات ليست البداية
وقال موسى إن الانتخابات التشريعية المقررة في 28 نوفمبر المقبل ستكون من أبرز الملفات المطروحة أمام الحوار، خاصة مع تزايد الحديث عن احتمال تأجيلها وطرح الأمر على مؤسسات منظمة التحرير، في ظل الظروف السياسية والميدانية وعدم اكتمال شروط إجرائها في مختلف الساحات الفلسطينية.
لكنه حذر من اختزال الحوار الوطني في الانتخابات التشريعية، معتبرًا أن السؤال الأوسع يرتبط بالمجلس الوطني ومنظمة التحرير باعتبارهما الإطار الذي يفترض أن يمثل الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، وليس سكان الضفة الغربية وقطاع غزة وحدهما.
وشدد على أن الانتخابات، من وجهة نظره، ينبغي ألا تتحول إلى غاية منفصلة أو وسيلة لإعادة إنتاج الواقع السياسي القائم، وإنما تكون جزءًا من عملية أوسع لإعادة بناء الشرعية والمؤسسات الفلسطينية على أساس الشراكة والتمثيل الديمقراطي، بما يضمن مشاركة مختلف المكونات السياسية.
منظمة التحرير في قلب الأزمة
واعتبر موسى أن إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية ليست ملفًا يمكن تأجيله إلى ما بعد الانتخابات، وإنما تقع في صلب الأزمة السياسية الفلسطينية، لأن أي صيغة جديدة للنظام السياسي، بحسب رؤيته، يجب أن تجيب عن سؤال تمثيل الفلسطينيين في الوطن والشتات.
وأكد أن المطلوب ليس إلغاء منظمة التحرير أو تجاوزها، وإنما إعادة بنائها وتفعيل مؤسساتها وتوسيع قاعدة المشاركة فيها، بحيث تصبح إطارًا جامعًا للقوى والتيارات والشخصيات الوطنية، بعيدًا عن الإقصاء والاستئثار.
وأضاف أن انتخاب مجلس وطني يمثل الفلسطينيين في الوطن والشتات، إلى جانب إعادة تفعيل مؤسسات منظمة التحرير، يمثلان جزءًا أساسيًا من أي عملية لإعادة بناء النظام السياسي، معتبرًا أن الشراكة الوطنية يجب أن تحل محل منطق المحاصصة وتقاسم النفوذ.
غزة ووحدة النظام السياسي
وأشار موسى إلى أن مستقبل قطاع غزة سيكون حاضرًا بقوة في حوار القاهرة، في ظل تعقيدات تتعلق بإدارة القطاع وإعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيلي والسلاح والعلاقة مع السلطة الفلسطينية، مؤكدًا أن غزة، وفق رؤيته، لا يمكن التعامل معها باعتبارها ملفًا أمنيًا منفصلًا عن القضية الفلسطينية.
وشدد على ضرورة أن تكون أي ترتيبات تخص القطاع جزءًا من رؤية فلسطينية شاملة، وألا تتحول إلى مدخل لتكريس الفصل السياسي والجغرافي بين غزة والضفة الغربية، مع الحفاظ على وحدة القضية الفلسطينية والحقوق الوطنية.
ورأى أن طرح مسألة «سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح شرعي واحد» في سياق الحديث عن الحوار المقبل يعكس حساسية ملف إدارة غزة وشكل النظام السياسي والأمني، مؤكدًا أن معالجة هذه الملفات تحتاج إلى حوار وطني متدرج، لا إلى فرض معادلات مسبقة قبل التوافق الفلسطيني عليها.
مصر تسهّل ولا تقرر
وأكد مسؤول العلاقات الفلسطينية في حركة الجهاد الإسلامي في لبنان أن الدور المصري يكتسب أهمية خاصة في المرحلة الحالية، بحكم علاقات القاهرة بمختلف الأطراف الفلسطينية ودورها في رعاية مسارات الحوار والمصالحة، معتبرًا أن مصر قادرة على توفير المناخ السياسي وجمع الأطراف وتقريب وجهات النظر.
وشدد في الوقت نفسه على ضرورة أن يظل الدور المصري داعمًا وميسرًا للتوافق، فيما تبقى المرجعية والقرار النهائيان فلسطينيين، باعتبار أن القوى الفلسطينية هي صاحبة المصلحة المباشرة والمعنية بإنتاج التفاهمات التي تحدد مستقبل نظامها السياسي.
ورأى موسى أن المطلوب من الحوار الذي تستضيفه القاهرة ألا ينتهي إلى تفاهمات جديدة لتقاسم السلطة، وإنما إلى اتفاق وطني على قواعد بناء النظام السياسي نفسه، بما يشمل إنهاء الانقسام على قاعدة الشراكة، ورفض الإقصاء والاستئثار، وإعادة بناء منظمة التحرير، وانتخاب مجلس وطني يمثل الفلسطينيين في الوطن والشتات.
فرصة لإعادة بناء البيت الفلسطيني
وقال موسى إن اجتماع فتح وحماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية في القاهرة والاتفاق على استكمال المشاورات يمثلان تطورًا مهمًا، لكنه لا يعني انتهاء الخلافات أو الاقتراب من اتفاق نهائي، في ظل استمرار قضايا جوهرية تحتاج إلى نقاش، من بينها الاستراتيجية الوطنية والانتخابات ومنظمة التحرير والمجلس الوطني وإدارة غزة وشكل النظام السياسي المقبل.
ودعا القوى الفلسطينية إلى الدخول في الحوار بعيدًا عن عقلية البحث عن الحصص والمواقع، والتركيز على إعادة بناء «البيت الوطني الفلسطيني»، محذرًا من تكرار تجارب سابقة انتهت، بحسب تقييمه، إلى تفاهمات مؤقتة عالجت مظاهر الانقسام دون جذوره.
وخلص مسؤول العلاقات الفلسطينية في حركة الجهاد الإسلامي في لبنان إلى أن نجاح حوار القاهرة لا ينبغي أن يقاس بعدد البيانات الصادرة عنه أو بمجرد جمع الفصائل حول طاولة واحدة، وإنما بقدرته، وفق رؤيته، على فتح الطريق أمام شراكة وطنية حقيقية، ومنظمة تحرير جامعة، ومجلس وطني يمثل الفلسطينيين، ونظام سياسي يضع حدًا للإقصاء والاستئثار والانقسام.

