الرئيس الصومالي لم يخن مصر.. من يحاول ضرب تحالفهما؟

هل تحولت تصريحات الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بشأن حصول إثيوبيا على منفذ بحري إلى أزمة جديدة بين القاهرة ومقديشو؟ وهل تحاول بعض القراءات السياسية والإعلامية تصوير أي تفاهم صومالي إثيوبي باعتباره ضربة للتحالف المصري الصومالي؟ أم أن القضية أكثر تعقيدًا من مجرد خيانة أو تغيير في التحالفات؟
الباحثة في الشؤون الأفريقية شيرين هلال أكدت في منشور لها أنها ترى أن الإجابة تكمن في فهم التفاصيل، مؤكدة أن تصريحات الرئيس الصومالي لا تعني بالضرورة وجود خلاف مع مصر، وأن القاهرة من حيث المبدأ لا تعارض حصول إثيوبيا على منفذ بحري، وإنما تتمسك بأن يتم ذلك بما يحفظ سيادة الصومال ووحدة أراضيه.
وتعود جذور الأزمة إلى يناير 2024، عندما وقعت إثيوبيا مذكرة تفاهم مع إقليم أرض الصومال غير المعترف به دوليًا، تضمنت ترتيبات للحصول على منفذ على البحر الأحمر.
ورفضت الحكومة الصومالية الاتفاق باعتباره مساسًا بسيادتها ووحدة أراضيها، لتدخل المنطقة بعدها في أزمة دبلوماسية حادة بين مقديشو وأديس أبابا.
لكن الوساطة التركية فتحت مسارًا مختلفًا، انتهى في ديسمبر 2024 إلى إعلان أنقرة، الذي أكد حق إثيوبيا في الحصول على وصول آمن ومستدام إلى البحر، على أن يتم ذلك من خلال ترتيبات تجارية بين الصومال وإثيوبيا وتحت السيادة الكاملة للصومال.
وهو ما يعني أن مبدأ وصول إثيوبيا إلى البحر لم يعد هو نقطة الخلاف الوحيدة، وإنما كيفية تنفيذ هذا الوصول ومن يملك السيادة على الأرض والموانئ.
وتؤكد هلال أن هذا التفصيل مهم لفهم الموقف المصري، لأن القاهرة ترتبط بمقديشو بعلاقات أمنية واستراتيجية متنامية، ولا سيما في ظل حساسية منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، بينما يمثل الحفاظ على وحدة الأراضي الصومالية مبدأً أساسيًا في الموقف المصري.
وهنا يظهر السؤال الأهم: هل مجرد موافقة مقديشو على بحث ترتيبات تمنح إثيوبيا منفذًا تجاريًا تعني أنها تخلت عن مصر؟
الواقع أن المعادلة أكثر تعقيدًا. فالصومال يحاول في الوقت نفسه حماية أراضيه وسيادته، والحصول على دعم إقليمي ودولي، ومنع تحويل أراضيه إلى ساحة مواجهة مفتوحة مع إثيوبيا.
أما مصر، فتتعامل مع القرن الأفريقي باعتباره جزءًا من منظومة أمن البحر الأحمر والأمن الإقليمي، مع استمرار الخلافات الاستراتيجية مع إثيوبيا حول مياه النيل وسد النهضة.
ومن هنا تأتي خطورة بعض القراءات التي تختزل المشهد في فكرة أن الصومال خان مصر؛ لأن هذه الصياغة تتجاهل أن مقديشو نفسها هي الطرف الذي رفض الاتفاق الإثيوبي مع أرض الصومال، ثم قبل لاحقًا بحث ترتيبات وصول إثيوبيا إلى البحر ولكن تحت السيادة الصومالية.
كما أن تركيا لا تزال لاعبًا رئيسيًا في هذا الملف، بعدما نجحت في جمع مقديشو وأديس أبابا على مسار تفاوضي، بينما تظل قضية الموانئ والممرات البحرية جزءًا من صراع أوسع على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وفي المقابل، فإن التصعيد بين إثيوبيا وإريتريا يضيف طبقة جديدة إلى المشهد، خصوصًا مع حساسية ساحل البحر الأحمر وميناء عصب الإريتري.
لكن لا توجد حتى الآن معاهدة دفاع مشترك معلنة تلزم مصر بالتدخل عسكريًا إذا اندلع صراع مباشر بين إثيوبيا وإريتريا، ولذلك فإن الحديث عن تدخل مصري عسكري مباشر يجب أن يظل في إطار السيناريوهات وليس الحقائق المؤكدة.
وبالتالي، فإن المعركة الحقيقية ليست حول ما إذا كان الصومال اختار إثيوبيا بدلًا من مصر، وإنما حول من يملك مفاتيح البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وكيف يمكن لإثيوبيا الوصول إلى البحر من دون أن يتحول ذلك إلى انتقاص من سيادة الصومال أو تهديد لتوازنات المنطقة.
وفي ظل هذه الحسابات، تبدو القاهرة ومقديشو أمام مصلحة مشتركة في الحفاظ على الشراكة، بينما يبقى أي خلاف حول ترتيبات الموانئ أو الوصول البحري ملفًا يمكن التفاوض حوله، وليس بالضرورة مؤشرًا على انهيار التحالف المصري الصومالي.

