النهار
جريدة النهار المصرية

المحافظات

عيون الجيش في قلب المعركة.. قائد سرية استطلاع يروي لـ«النهار» حكاية العبور والثغرة

قنا - عبد الرحمن القرشي -

كمال عبد الفتاح: كنا نتقدم لرصد مواقع الإسرائيليين.. وعشنا أيامًا «معزولين عن العالم»

«عشنا فترة طويلة معزولين عن العالم».. بهذه الكلمات يستعيد كمال عبد الفتاح أحمد عبد الكريم، أحد أبناء محافظة قنا وأبطال حرب أكتوبر، واحدة من أصعب الفترات التي عاشها خلال خدمته في قوات الاستطلاع، حين وجد نفسه ورفاقه بعيدين عن بقية القوات، وسط صعوبة في وصول المياه والطعام خلال تطورات ثغرة الدفرسوار

بعد 53 عامًا، لا تزال تفاصيل الحرب حاضرة في ذاكرة الرجل، من عبور قناة السويس ومهام مراقبة القوات الإسرائيلية، إلى الأيام التي قضاها بعيدًا عن وحدته، ومشهد الجنود الإسرائيليين عقب وقف إطلاق النار

تخرج عبد الفتاح في كلية الزراعة بجامعة أسيوط، وعمل لمدة عام بديوان عام محافظة قنا، قبل التحاقه بالقوات المسلحة، ثم اجتاز دورة ضباط الاحتياط ضمن الدفعة «72 ب»، وخدم ضابط احتياط برتبة نقيب في سلاح الاستطلاع، وتولى، بحسب روايته، قيادة سرية استطلاع ضمن القوات التابعة للجيش الثالث الميداني

وقبل اندلاع الحرب بنحو 8 أشهر، غادر وحدته ضمن عدد من القوات التي جرى تسريحها، قبل أن يعود مع اقتراب ساعة الصفر ويتسلم مهمته من جديد، ومع اندلاع الحرب في السادس من أكتوبر 1973، كان ضمن القوات التي عبرت قناة السويس وشاركت في العمليات شرق القناة

ويروي عبد الفتاح لـ«النهار» أن مهمته تمثلت في الاقتراب من مواقع القوات الإسرائيلية ومراقبة تحركاتها ورصد مواقعها، ثم نقل المعلومات إلى القوات المصرية، وهي طبيعة عمل كانت تفرض على رجال الاستطلاع التقدم بعيدًا عن مواقع وحداتهم والعمل في ظروف ميدانية شديدة الصعوبة

ومن بين أكثر الفترات قسوة في ذاكرته، ما عاشه خلال تطورات ثغرة الدفرسوار، إذ يقول إن مجموعته وجدت نفسها بعيدة عن بقية القوات، في ظل صعوبة وصول الإمدادات

ويقول: «عشنا فترة طويلة معزولين عن العالم»، موضحًا أن الحصول على المياه والطعام أصبح من أبرز التحديات التي واجهتهم مع تعقّد خطوط الإمداد خلال تلك المرحلة

ويتذكر أن أفراد مجموعته قضوا نحو 20 يومًا بعيدًا عن بقية قواتهم خلال العمليات، لكن مهمتهم لم تتوقف، إذ واصلوا مراقبة الوحدات الإسرائيلية ورصد تحركاتها وإبلاغ القوات المصرية بالمعلومات التي يحصلون عليها

ومن بين المشاهد التي لم تغادر ذاكرته، يتذكر عبد الفتاح اللحظات التي أعقبت وقف إطلاق النار، قائلًا إنه شاهد جنودًا إسرائيليين وقد ظهرت عليهم علامات الفرح بتوقف القتال، وهو مشهد ظل حاضرًا في ذاكرته طوال السنوات الماضية

كما يستعيد وصول إحدى الصحف المصرية إليهم خلال تلك الفترة، حاملة أخبار تطورات الموقف العسكري وأوضاع القوات الإسرائيلية، قبل أن يتوقف وصولها، في وقت كانت فيه الأخبار القادمة من خارج مواقعهم إحدى الوسائل القليلة لمعرفة ما يجري بعيدًا عن نطاق مهمتهم

وفي السماء، بقي مشهد آخر حاضرًا، إذ يتذكر عبد الفتاح طائرات «ميج 17» المصرية وهي تنفذ طلعاتها القتالية، ضمن سلسلة من الصور التي لم تمحها السنوات من ذاكرته

وبعد أكثر من نصف قرن، لا يتذكر عبد الفتاح الحرب باعتبارها تحركات عسكرية ومعارك فقط، وإنما يستعيد معها رفاق السلاح الذين عاش بينهم تلك الأيام، ومن رحل منهم، مترحمًا على أرواح شهداء القوات المسلحة الذين سقطوا خلال الحرب

أما كل ما بقي من أيام العبور والاستطلاع والعزلة والقتال، فيختصره بطل أكتوبر في كلمات قليلة: «انتهت الحرب وانتصرنا»