النهار
جريدة النهار المصرية

المحافظات

من خلف خط الطيران.. «ثابت» يروي لـ«النهار» حكايات الاستنزاف وأكتوبر

 محمد كامل محمد ثابت أحد أبطال حرب أكتوبر مع محررة النهار
حوار: شروق الخياط -

المقدم الفني محمد كامل ثابت: كنا نجهز الطائرة في 14 دقيقة لتعود إلى القتال

«اسم مصر كان أكبر حافز لنا».. والصحفيون عاشوا معنا على الجبهة «وكأنهم مقاتلون»

شاركت في تجهيز «إليوشن 28» خلال معركة شدوان.. وخبير أمريكي عرض عليّ العمل في الخارج فرفضت

37 عامًا بين الميج والسوخوي والطائرات الأمريكية.. وفي آخر يوم بالخدمة بكيت داخل كابينة الطائرة

بين عودة الطائرة من مهمتها واستعدادها للإقلاع من جديد، كانت هناك معركة أخرى تجري على الأرض، أطقم فنية تستقبل الطائرات، تفحص أجهزتها وتضبط اتصالاتها وتشارك في تجهيزها، بينما تبقى الأنظار معلقة بالطائرات التي لا تزال في السماء

كان محمد كامل محمد ثابت واحدًا من هؤلاء، عرفه زملاؤه باسم «ثابت»، وبدأ رحلته مع القوات الجوية في السنوات التالية لهزيمة يونيو 1967، وعاصر حرب الاستنزاف، قبل أن يكون في قاعدة بني سويف الجوية خلال حرب أكتوبر 1973

وقت الحرب كان مساعد أول فني، تخصص لاسلكي ورادار، قبل أن تمتد خدمته في القوات المسلحة إلى 37 عامًا، ويصل إلى رتبة مقدم فني، ويتعامل خلال رحلته مع أجيال مختلفة من الطائرات الروسية والأمريكية

في حواره مع «النهار»، يروي «ثابت» الحرب من خلف خط الطيران، مستعيدًا ما فعلته هزيمة 1967 في جيله، وتجربته خلال حرب الاستنزاف، ومشاركته في تجهيز إحدى طائرات «إليوشن 28» خلال معركة شدوان، ثم الساعات التي عاشها في قاعدة بني سويف خلال حرب أكتوبر، حين كان الفنيون ينتظرون عودة الطائرات ليبدأ سباق جديد مع الوقت لإعادتها إلى الخدمة

ويستعيد كذلك حضور الصحفيين على الجبهة، وأصعب المشاهد التي بقيت في ذاكرته، ورحلته اللاحقة بين الطائرات الروسية والأمريكية، وصولًا إلى آخر يوم في خدمته، عندما جلس داخل كابينة طائرة يبكي قبل أن يودع عالمًا قضى فيه 37 عامًا

في البداية.. كيف بدأت رحلتك داخل القوات المسلحة؟

تخرجت في مركز تدريب مهني عام 1968، وتخصصت في الاتصالات والملاحة الجوية وصيانة وتجهيز الطائرات، وبدأت خدمتي في قاعدة المنصورة، وعاصرت حرب الاستنزاف، ثم واصلت خدمتي في القوات المسلحة لمدة 37 عامًا حتى وصلت إلى رتبة مقدم فني

ماذا صنعت فيكم هزيمة يونيو 1967؟

جعلتنا نعمل على أنفسنا أكثر، وندرس ونستعد لأي حرب قادمة، كنا نتابع الأوامر والتعليمات باستمرار، ونتعامل مع الترددات والشفرات الخاصة بالطائرات، وكان هناك إحساس بأن علينا أن نتعلم ونستعد لما هو قادم

وكيف عشت مرحلة إعادة بناء القوات الجوية بعد الهزيمة؟

بدأت مرحلة جديدة من التدريب ورفع الكفاءة، ووصلت طائرات سوفيتية، من بينها «ميج 21» و«ميج 17»، وبالنسبة لنا كفنيين، كان دخول أي طراز جديد يعني أن علينا دراسته ومعرفة أجهزته وكيفية التعامل معه وأعطاله

ثم جاءت حرب الاستنزاف.. ماذا تغير بالنسبة لكم؟

أصبحنا أمام عمليات واشتباكات مستمرة، القوات الجوية تنفذ مهامها، ونحن علينا الحفاظ على جاهزية الطائرات وتجهيزها في أسرع وقت ممكن، وهذه السنوات منحتنا خبرة كبيرة، وكان التدريب والعمل مستمرين

وشاركت خلال تلك الفترة في تجهيز طائرة شاركت في معركة شدوان؟

نعم، كنت وقتها مساعد أول فني، وشاركت في تجهيز طائرة «إليوشن 28» شاركت في العمليات المرتبطة بمعركة شدوان، وكانت مسؤوليتنا أن تصبح الطائرة جاهزة لتنفيذ مهمتها، وكل فرد في الطاقم كان يعرف دوره

وسط سنوات الاستنزاف والاستعداد للحرب.. ما الذي كان يحفزكم على الاستمرار؟

اسم مصر كان أكبر حافز لنا، بعد ما حدث في 1967 كان لدينا إصرار على أن نقوم بدورنا، وكان قادة القوات الجوية والقوات المسلحة يتحدثون معنا باستمرار ويحفزوننا على العمل

وكان للصحفيين أيضًا حضور مهم، كانوا يأتون إلى الجبهة ويعيشون معنا الظروف نفسها وكأنهم مقاتلون، ويتحدثون معنا ويرفعون معنوياتنا، وأتذكر منهم الصحفي أحمد سعيد، وكان من الأسماء المعروفة وقتها، إلى جانب صحفيين آخرين كانوا يأتون إلينا، وكان لوجودهم وسطنا أثر كبير

أين كنت يوم 6 أكتوبر 1973؟

كنت في قاعدة بني سويف الجوية، جهزنا الطائرات وكأننا أمام يوم تدريب عادي، ثم صدرت الأوامر وأقلع الطيارون في الساعة الثانية، وعندها عرفنا أننا دخلنا الحرب بالفعل

ماذا حدث داخل القاعدة بعد إقلاع الطائرات؟

بدأ الانتظار، كل طائرة خرجت كانت لها مهمة، ونحن ننتظر عودتها، وعندما تعود تبدأ عملية الفحص والتجهيز من جديد وفقًا لحالتها والمهمة التالية، وبعض الطائرات كانت مزودة بكاميرات تسجل استهداف الهدف، وبعد العودة كان الطيار يشرح ما نفذه

قلت إنكم كنتم قادرين على تجهيز الطائرة في 14 دقيقة.. كيف؟

بالتدريب والعمل الجماعي، الـ14 دقيقة لم تكن إنجاز شخص واحد، وإنما الفريق كله، كل فرد يعرف مهمته، وبمجرد وصول الطائرة يبدأ الجميع العمل في تخصصه حتى تصبح جاهزة للخروج مرة أخرى

وما مهمتك أنت تحديدًا؟

كنت مساعد أول فني، تخصص لاسلكي ورادار، وكان من أهم ما أتعامل معه أجهزة الاتصال والترددات المحددة بالتنسيق مع العمليات، وأي مشكلة في الاتصال يمكن أن تؤثر على تواصل الطيار، ولذلك كان العمل يحتاج إلى تركيز ودقة

وكم فردًا كان يعمل على تجهيز الطائرة؟

كان الطاقم يتكون من 7 أفراد من تخصصات مختلفة، منها اللاسلكي والرادار والكهرباء والعدادات وتجهيزات المقعد والمظلة والمعدات الفنية، وكل فرد له اختصاص، ولا تصبح الطائرة جاهزة إلا بعد انتهاء الجميع من عملهم

كيف كانت لحظات انتظار عودة الطائرات؟

كانت صعبة، كنا نتابع خروج الطائرات وننتظر عودتها، وخلال الحرب شاهدنا طائرات نفد وقودها واضطر طياروها إلى القفز بالمظلات، وعندما تكون مسؤولًا عن تجهيز طائرة ثم تراها تقلع، يظل جزء منك ينتظر عودتها

وكيف كنتم تعملون أثناء القصف؟

كنا نستمر وفقًا للأوامر والظروف، ونجهز الطائرات لتعود إلى تنفيذ مهامها بمجرد أن يصبح ذلك ممكنًا، ولم يكن هناك وقت طويل للتفكير في الخوف، وكان المطلوب أن يؤدي كل فرد مهمته

ما أصعب مشهد بقي في ذاكرتك من تلك السنوات؟

كان لي صديق وزميل من دفعتي اسمه يسري، وكان برتبة رقيب أول، واستشهد أثناء قصف أحد المطارات، وكانت صدمة كبيرة بالنسبة إليّ لأنه كان صديقي وزميلي، وما زلت أتذكره حتى اليوم

بعد الحرب استمرت رحلتك مع الطائرات.. ما أبرز الطرازات التي تعاملت معها؟

تعاملت مع «ميج 17» و«سوخوي 20» و«إليوشن 28» و«تي يو 16»، ثم انتقلت في مراحل لاحقة إلى طائرات أمريكية، منها «فانتوم» و«F-16» و«A-4»، وكل طراز له أنظمته وطريقة مختلفة في التعامل معه، ولذلك كان علينا أن نتعلم باستمرار

وهل هناك عطل بعينه لا يزال حاضرًا في ذاكرتك؟

أتذكر عطلًا في طائرة «سوخوي 20»، كان الاتصال ببرج المراقبة يعمل بصورة طبيعية عندما تطير الطائرة في خط مستقيم، لكن عندما ينفذ الطيار مناورة يمينًا أو يسارًا ينقطع الاتصال

استمر البحث عن السبب أيامًا، وجرت محاولات لتغيير الجهاز وبعض المكونات، لكن المشكلة ظلت موجودة، وفي النهاية طلب مني القائد فحصها، وبدأت أراجع الدائرة بأجهزة القياس حتى اكتشفت وجود قطع في أحد الأسلاك المرتبطة بمنظومة الاتصال

وماذا حدث بعد اكتشافه؟

أصلحت السلك، واختُبرت الطائرة ولم يظهر العطل مرة أخرى، وكانت من أسعد اللحظات في حياتي المهنية، وبعدها، عندما يظهر عطل يصعب اكتشاف سببه، كانوا يستعينون بي للمشاركة في فحصه، وأحيانًا يكون الوصول إلى سبب العطل أصعب من إصلاحه

تعاملت مع خبراء روس وأمريكيين.. ماذا تعلمت منهم؟

تعلمت من الاثنين، الروس كانت لديهم خبرة في الأجهزة الإلكترونية وصبر في العمل، ثم تعاملت مع خبراء أمريكيين واكتسبت منهم خبرات مختلفة في أنظمة الطائرات الأمريكية، وكنت حريصًا على التعلم من كل شخص أعمل معه

وهل عرض عليك أحد هؤلاء الخبراء العمل خارج مصر؟

نعم، كان هناك خبير أمريكي اسمه «هانري» يشارك في تدريبنا، وعرض عليّ العمل في الخارج كخبير، لكنني رفضت، وقلت له إن بلدي أولى بي، كما أن أبنائي كانوا في مراحل تعليمية مختلفة وكنت أريد البقاء إلى جوارهم

وشاركت لاحقًا في أعمال مرتبطة بتعديل بعض أنظمة الطائرات؟

عملت مع أنظمة وأجهزة مرتبطة بشركتي «تليداين» الأمريكية و«ماركوني» البريطانية، خاصة في أجهزة الملاحة والارتفاع والاتصالات، وشاركت في أعمال مرتبطة بتعديلات على بعض أنظمة الاتصال، وكانت مرحلة مختلفة في حياتي المهنية، لأننا كنا نتعامل مع تقنيات ومدارس جديدة

بعد 37 عامًا بين الطائرات.. ماذا علمتك الحرب؟

علمتني أن العلم والكفاءة والصبر أساس العمل، وأن الفني لا يمكن أن يتوقف عن التعلم، فالأجهزة تتطور والطائرات تتغير، ومن يعمل عليها يجب أن يظل قادرًا على التعلم والفحص والوصول إلى العطل وتجهيز الطائرة بدقة وفي أقل وقت

وهل ما زلت تشتاق إلى العودة؟

كثيرًا، أحيانًا أشعر أنني أريد العودة مرة أخرى، وإن لم أستطع القتال فأريد أن أنقل ما تعلمته إلى الأجيال الجديدة، فقد قضيت جزءًا كبيرًا من حياتي بين أجهزة الاتصال والملاحة والطائرات، ومن الصعب أن تنفصل عنها

كيف كان آخر يوم لك في الخدمة؟

جلست داخل كابينة الطائرة أبكي وأنظر إلى أجهزتها، وشعرت كأنني أفارق أحد أبنائي، فبعد 37 عامًا لم تكن الطائرات بالنسبة إليّ مجرد معدات أعمل عليها، وإنما جزءًا من حياتي

وماذا بقي من كل هذه السنوات في بيتك وأبنائك؟

علمتهم حب الله ثم الوطن، وأن يكون لديهم ضمير في كل شيء يفعلونه، وهذه أهم قيمة خرجت بها من كل ما عشته