«استدعونا قبل الحرب بـ5 أيام.. وفي 6 أكتوبر انتهت سنوات الانتظار»
«جيبنا عساف ياجوري صاحي».. سلام دياب يروي لـ«النهار» حكاية كتيبته في حرب أكتوبر

بطل بني سويف: «كنت ضمن الكتيبة التي شاركت في أسر قائد اللواء 190 مدرع الإسرائيلي»
«من النكسة إلى العبور.. 9 سنوات في الخدمة وتدريبات شاقة استعدادًا للحرب»
«ميخائيل واجه 3 جنود إسرائيليين بعلبة تونة فظنوها قنبلة»
خمسة أيام فقط فصلت بين استدعاء سلام محمد دياب أبو زيد للعودة إلى وحدته واندلاع حرب أكتوبر، كان قد سُرح قبلها بعام بعد سنوات طويلة في القوات المسلحة، لكنه عاد في الأول من أكتوبر 1973، دون أن يعرف أن الحرب التي انتظرها جيله لسنوات أصبحت على بعد أيام
بعد 53 عامًا، يجلس سلام في منزله بمدينة بني سويف وقد بلغ الثمانين من عمره، بينما تعود ذاكرته إلى الجبهة، إلى سنوات ما بعد النكسة والتدريبات التي سبقت الحرب، ورفاقه الذين عاش معهم أيام القتال، وواقعة أسر العقيد الإسرائيلي عساف ياجوري التي يقول إنه كان ضمن الكتيبة التي شاركت فيها

«جيبنا عساف ياجوري صاحي»، بهذه الكلمات يستعيد سلام لـ«النهار» واحدة من أبرز ذكرياته عن الحرب
بدأت رحلة سلام مع القوات المسلحة في 10 يوليو 1965، عندما التحق بمدرسة ضباط صف المعلمين في إنشاص، قبل أن يتخرج برتبة عريف ويُوزع معلمًا بمدرسة الكتبة العسكريين في معسكر فايد بالإسماعيلية
وفي عام 1967، انتقل، بحسب روايته، إلى الفرقة الرابعة المدرعة، قبل أن تتحرك وحدته خلال حرب يونيو
يقول سلام: «تحركنا من صدر الحيطان حتى وصلنا الكونتلة، وفور وصولنا هناك حدثت النكسة، وعدنا مرة ثانية إلى منطقة الانتشار»
لم تنته حكايته مع الجبهة بالهزيمة، وإنما بدأت بعدها سنوات أخرى من إعادة التنظيم والتدريب والاستعداد
ويستعيد سلام تلك المرحلة قائلًا: «بدأ الجيش يتسلح من جديد، وخضنا تدريبات شاقة وعنيفة على أيدي الخبراء الروس»

ويقول إنه عمل لاحقًا ضمن استطلاع الجيش الثالث الميداني، وحصل خلال سنوات خدمته على عدد من الدورات والتدريبات العسكرية، من بينها تدريبات في التربية الرياضية والمظلات والصاعقة
وظل سلام في الخدمة حتى عام 1972، عندما سُرح مع عدد من زملائه، قبل أن يأتي استدعاء جديد في الأول من أكتوبر 1973
عاد إلى وحدته قبل الحرب بخمسة أيام، وبدأ انتظار الأوامر
ويروي سلام أن وحدته تلقت تعليمات بالاستعداد وعدم التحرك إلا بعد صدور الأوامر، حتى جاء السادس من أكتوبر
ويقول: «هذا اليوم لا أنساه، كان يوم الغفران عند اليهود»
ومن المشاهد التي بقيت في ذاكرته ظهور الطائرات المصرية في السماء مع بداية العمليات، ويتوقف سلام كذلك عند الطيار عاطف السادات، شقيق الرئيس الراحل أنور السادات، الذي استشهد خلال العمليات الجوية في السادس من أكتوبر
ومن بين وقائع الحرب التي يتوقف أمامها سلام طويلًا أسر العقيد الإسرائيلي عساف ياجوري، قائد اللواء 190 مدرع
ويقول إنه كان ضمن الكتيبة التي شاركت في المعركة التي انتهت بأسر ياجوري، مستعيدًا الواقعة بعبارته: «جيبنا عساف ياجوري صاحي»
ووقع ياجوري في الأسر يوم 8 أكتوبر 1973، خلال المعارك التي أعقبت محاولة القوات الإسرائيلية شن هجوم مضاد على القوات المصرية شرق قناة السويس
ولا تتوقف ذاكرة سلام عند المعارك، فهناك مواقف صغيرة عاشها الجنود وسط القتال وبقيت معه حتى اليوم
ومن بينها واقعة زميل له يدعى «ميخائيل» من محافظة المنيا، كان يتناول علبة تونة بعد أن أنهكه التعب، قبل أن يفاجأ، بحسب رواية سلام، بثلاثة جنود إسرائيليين
ويروي أن ميخائيل أمسك بعلبة التونة ووجهها نحوهم بطريقة جعلتهم يعتقدون أنها قنبلة يدوية، ليتمكن هو ورفاقه من السيطرة على الموقف
وبعد انتهاء الخطر، تحولت الواقعة إلى واحدة من المواقف التي ظلوا يستعيدونها بالضحك
ويتذكر سلام مشهدًا آخر لطائرة مصرية أصيبت خلال القتال واضطر قائدها إلى القفز بالمظلة، ويروي أن الطيار هبط بالقرب من أحد الجنود قبل أن يتبين أنه شقيقه
لا يذكر سلام اسم الطيار أو شقيقه، لذلك تبقى الواقعة جزءًا من شهادته الشخصية عن الحرب، لكنها واحدة من الصور التي ظلت عالقة في ذاكرته بعد مرور أكثر من نصف قرن
ويستعيد سلام كذلك الأيام التالية للعبور وما شهدته الجبهة من تطورات حتى وقف إطلاق النار، ثم المباحثات العسكرية عند الكيلو 101
وفي عام 1974، انتهت رحلته العسكرية بالتسريح، بعد نحو 9 سنوات بدأت بتجنيده في 1965، ومرت بحرب يونيو وسنوات إعادة بناء القوات المسلحة، وصولًا إلى استدعائه قبل حرب أكتوبر بأيام ومشاركته في القتال
عاد سلام بعدها إلى حياته المدنية، وعمل بمديرية الزراعة حتى وصل إلى درجة مدير عام
وبعد أكثر من نصف قرن، لا يبدأ سلام حديثه عن الحرب بأسماء الأسلحة أو خرائط العمليات، وإنما يعود إلى رفاقه وما عاشه معهم، من سنوات التدريب والانتظار إلى أيام القتال، وتبقى بين كل تلك المشاهد عبارة يرددها وهو يستعيد واحدة من أكثر لحظات أكتوبر حضورًا في ذاكرته: «جيبنا عساف ياجوري صاحي»

