أبطال حرب أكتوبر يفتحون صندوق الذكريات.. ماذا بقي في الذاكرة بعد 53 عاما؟

53 عاما مرت على حرب أكتوبر، لكن بعض تفاصيلها لم تغب عن ذاكرة من عاشوا أيامها، فبين أصوات القصف، ولحظات العبور، والمواقف التي عاشها الجنود خلف خطوط العدو، بقيت مشاهد بعينها حاضرة في ذاكرة أبطال الحرب حتى اليوم.
وفي ذكرى انتصارات أكتوبر، لا نعود إلى الحرب من خلال أرقامها ومعاركها فقط، وإنما نقترب من أصحاب الذكريات أنفسهم، لنسألهم: ما اللحظة التي ما زالت عالقة في أذهانكم؟ وما المشهد الذي كلما تذكرتموه عادت بكم الذاكرة إلى أيام الحرب؟
نصر سالم: مشهد لا ينسى للعدو
ومن بين المشاهد التي لا تزال عالقة في ذاكرة اللواء نصر سالم، واقعة شهدها بنفسه خلال وجوده خلف خطوط العدو يوم 8 أكتوبر 1973، عندما رصد حالة من الفزع والارتباك بين جنود إسرائيليين عقب الخسائر التي تعرض لها لواء مدرع، إذ أطلقوا النار تجاه طائرتين ظنا منهما أنهما مصريتان، قبل أن يتضح أنهما طائرتا «سكاي هوك» إسرائيليتان.
وكان سالم وقتها ضمن مجموعة استطلاع تعمل في عمق الأراضي التي يسيطر عليها العدو، وكانت مهمته رصد تحركات القوات ومواقعها وإبلاغ القيادة بالمعلومات أولا بأول.
ولم تكن تلك الواقعة وحدها التي بقيت في ذاكرته، فقد امتدت مهمته خلف خطوط العدو لنحو 180 يوما، عاش خلالها ظروفا شديدة الصعوبة، بينها نقص المياه والسير لمسافات طويلة في الصحراء، بينما ظل هو وأفراد مجموعته مطالبين بمراقبة العدو وتسجيل تحركاته وإرسال المعلومات إلى القيادة.
يحيى دسوقي: 18 ليلة لا تنسى
ومن بين الذكريات التي لا تزال حاضرة في ذاكرة أبطال أكتوبر، يستعيد يحيى دسوقي يوسف حسين، أحد أبناء مركز إدفو بمحافظة أسوان وأحد أبطال حرب أكتوبر، تفاصيل 18 ليلة عاشها خلال خدمته بالقوات المسلحة، بعدما تجند في ديسمبر عام 1970، والتحق بسلاح الدفاع الجوي.
وقال يحيى دسوقي، وكان وقتها برتبة رقيب في سلاح الدفاع الجوي، إن من أبرز المهام التي شارك فيها مهمة نسف الثغرة في منطقة فايد، وكان ضمن مجموعة مكونة من 5 أفراد، موضحا أن دوره كان التقدم أمام زملائه كدليل للتأكد من خلو المكان من القوات الإسرائيلية.
وأضاف أنه إذا وجد القوات الإسرائيلية منتشرة في المنطقة، لم يكن يعطي الإشارة للقوة المصرية بالدخول حتى لا تنكشف المهمة، أما إذا وجد الأجواء هادئة، فكان يعطي لهم الإشارة بالتقدم، موضحا أن أفراد المجموعة كانوا يتحركون ليلا وبأقصى درجات الحذر، ولم يكونوا يسيرون بشكل طبيعي، وإنما كانوا يتحركون زحفا حتى لا يلفتوا انتباه القوات الإسرائيلية.
وتابع يحيى دسوقي أنه خلال إحدى المرات، وجد دبابة إسرائيلية، فدخل بين جنزيرها وظل مختبئا في مكانه، منتظرا حتى رحيل جميع القوات الإسرائيلية الموجودة في المنطقة، وبعد التأكد من مغادرتهم، أعطى الإشارة للجنود المصريين بالدخول وبدء تنفيذ المهمة.
وأوضح أن المهمة كانت تشمل الاستيلاء على الدبابات والذخيرة الموجودة في المنطقة، مشيرا إلى أن من بين الذخائر التي كانوا يستولون عليها ذخيرة بنادق آلية، ثم كان الجنود المصريون يغادرون بالمعدات والذخيرة بعد تنفيذ المهمة.
وأشار إلى أن الـ18 ليلة كانت متتالية، وشهدت إحدى الليالي تعرضه لإطلاق نار من القوات الإسرائيلية، لكنه لم يصب، موضحا أن ظلام الليل حال دون تمكن القوات من تحديد مكانه بدقة، فنجا من النيران واستكمل مهمته.
وأكد أن واقعة اختبائه بين جنزير الدبابة وانتظاره حتى مغادرة القوات الإسرائيلية قبل إعطاء إشارة التقدم، كانت من أبرز المواقف التي لا تزال عالقة في ذاكرته، إلى جانب ليلة تعرضه لإطلاق النار دون أن يتمكن العدو من إصابته.
وأضاف يحيى دسوقي أنه حصل على نوط الجمهورية العسكري من الطبقة الثانية، تقديرا لما قام به من أعمال خلال فترة خدمته، تنفيذا لموجب القرار الجمهوري رقم 225 لسنة 1974، مشيرا إلى أنه تسلم شهادة النوط عام 1998، وكانت موقعة من الرئيس الراحل محمد حسني مبارك.

شقيقان.. ذكريات العبور تجمعهما
ومن بين الحكايات الإنسانية التي بقيت حاضرة في ذاكرة أبطال حرب أكتوبر، قصة الشقيقين محمد علي أبو يوسف، الشهير بـ«محمود»، وشقيقه عبد المنعم أبو يوسف، اللذين جمعتهما سنوات الخدمة العسكرية والحرب، وإن كان كل منهما يؤدي مهمته في موقع مختلف، بينما ظل كل واحد منهما يحمل بداخله سؤالا عن مصير شقيقه وسط أجواء القتال.
محمد علي أبو يوسف، من مواليد عام 1946، التحق بالقوات المسلحة عام 1966، ليشهد حرب 1967، ثم حرب الاستنزاف، وصولا إلى حرب أكتوبر 1973، التي تعرض خلالها للإصابة، قبل أن ينهي خدمته العسكرية عام 1974 ويحصل على شهادة قدوة حسنة.
ويستعيد محمد ذكرياته مع حرب 1967، موضحا أنه كان وقتها في منطقة الحسنة بسيناء، وظل هناك 4 أيام، قبل أن يعود إلى الضفة الغربية للقناة، وكان يخدم في سلاح المشاة، وتسليحه «آر بي جي»، وكانت مهمته التعامل مع الدبابات والدشم.
ومع انطلاق حرب أكتوبر، كان محمد ضمن القوات التي عبرت إلى الضفة الشرقية للقناة في نحو الساعة الثانية والربع، حاملا مهمته في التعامل مع الدبابات والدشم باستخدام الـ«آر بي جي»، في واحدة من أصعب اللحظات التي عاشها خلال سنوات خدمته العسكرية.
ولم تكن مشاركته في القتال وليدة حرب أكتوبر فقط، فقد شارك أيضا في حرب الاستنزاف ضمن فرق خفيفة، وكانت مهمتها التعامل الفوري مع أي إنزال للقوات المعادية والاشتباك معها.
لكن الحرب حملت له أيضا جانبا أكثر قسوة، بعدما أصيب يوم 15 أكتوبر، أي في اليوم العاشر من المعركة، بشظايا في الظهر، مع تكسير عظام وكسر في الأضلاع، لينقل إلى مستشفى القصاصين العسكري لتلقي العلاج.
ورغم إصابته، أصر محمد على العودة إلى وحدته بعد تلقي العلاج واستكمال مهمته، مؤكدا أن ما قدمه هو وزملاؤه كان واجبا تجاه الوطن، وأن تفاصيل تلك الأيام لا تزال حاضرة في ذاكرته رغم مرور أكثر من نصف قرن.

شقيقه عبر معه.. واللقاء جاء بعد 12 يوما
أما شقيقه عبد المنعم أبو يوسف، فقد التحق بالقوات المسلحة عام 1971، وخدم ضمن إحدى بطاريات الدفاع الجوي، مستفيدا من خلفيته الدراسية في الثانوية الكهربائية وعمله كفني كهرباء.
ورغم أن محمد وعبد المنعم شاركا في الحرب في الوقت نفسه، فإن أجواء القتال واختلاف مواقع القوات حالا دون معرفة كل منهما بالمكان الذي يوجد فيه شقيقه على وجه الدقة، لكنهما كانا يعلمان أن كليهما يعبر ويؤدي واجبه في الحرب.
ويحكي محمد أن شقيقه عبد المنعم عبر معه في اليوم نفسه، إلا أنه لم يكن يعرف مكانه بالتحديد وسط تحركات القوات وظروف المعركة، وظل كل منهما بعيدا عن الآخر لعدة أيام، دون أن يعرف أحدهما مكان شقيقه على وجه الدقة.
وبعد بحث استمر لعدة أيام، تمكن عبد المنعم من الوصول إلى شقيقه في اليوم الثاني عشر من المعركة، لتكون لحظة اللقاء مختلفة عن أي لقاء عادي، بعدما عاش كل منهما أياما وهو لا يعرف أين يوجد الآخر وما إذا كان بخير.
ويستعيد عبد المنعم تلك اللحظة باعتبارها لحظة فارقة، بعدما اطمأن أخيرا على شقيقه الذي غابت أخباره عنه لأيام، والتقى به وسط أجواء الحرب، وتعانقا للحظات، قبل أن يعود كل منهما إلى مهمته ويكمل طريقه في المعركة.
لم يكن اللقاء طويلا، ولم تسمح ظروف الحرب للشقيقين بالبقاء معا، لكنه كان كافيا ليحمل لكل منهما خبرا طال انتظاره أن شقيقه لا يزال بخير.






