من بيان الحرب إلى مانشيت العبور.. 24 ساعة غيرت تفاصيل الحياة في مصر

صباح السبت 6 أكتوبر 1973، وصلت الصحف إلى قرائها بعناوين تتحدث عن التوتر على جبهات القتال، ولم يكن على صفحاتها ما يكشف أن ساعات قليلة تفصل المنطقة عن اندلاع الحرب
كانت الصفحة الأولى من «الأهرام» تحمل عنوانًا رئيسيًا: «التوتر يشمل كل جبهات القتال ويشتد في جبهة قناة السويس»، وتتناول تطورات الموقف على خطوط المواجهة والحشود الإسرائيلية والجبهة السورية
عند الثانية ظهرًا بدأت العمليات العسكرية، وبعد نحو ربع الساعة بدأ البرنامج العام في الإذاعة المصرية بث المارشات العسكرية، ثم خرج صوت المذيع حلمي البلك بالبيان العسكري الأول
لم يعلن البيان الأول عبور القوات المصرية قناة السويس، وإنما تحدث عن مهاجمة قوات إسرائيلية لمواقع مصرية في منطقتي الزعفرانة والسخنة بخليج السويس، وأن القوات المصرية تتصدى لها
ثم توالت البيانات العسكرية، وبدأت تفاصيل العمليات تظهر تباعًا عبر الإذاعة، قبل أن تعلن القيادة العامة للقوات المسلحة نجاح القوات المصرية في عبور قناة السويس على طول المواجهة واقتحام مواقع القوات الإسرائيلية على الضفة الشرقية
وفي الساعات نفسها، وصل الموسيقار بليغ حمدي إلى مبنى الإذاعة والتليفزيون، بينما كان الشاعر عبد الرحيم منصور قد كتب كلمات «بسم الله» و«وأنا على الربابة بغني»
وتشير الروايات المنشورة عن تلك الساعات إلى تسجيل «بسم الله» داخل ماسبيرو في ظل ظروف الحرب والقيود المفروضة على الدخول إلى المبنى، ومع عدم توافر الكورال المعتاد، شارك عدد من الموجودين في أداء الأغنية الجماعية
خرجت الأغنية عبر الإذاعة بينما كانت المعارك مستمرة والبيانات العسكرية تتوالى، لا كعمل يستعيد الحرب بعد انتهائها، وهو ما ربطها منذ البداية بأخبار العبور وأيامه الأولى
وفي صباح اليوم التالي، حملت الصحف إلى جانب أخبار العمليات العسكرية قرارات تكشف كيف بدأت الحرب تعيد ترتيب الحياة في الداخل
توقفت الدراسة في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، واستمرت في المرحلة الثانوية مع التدريب على أعمال الدفاع والتمريض، وحددت الحادية عشرة مساء موعدًا لإغلاق المحال العامة والمقاهي، فيما تأجلت مباريات الدوري العام لكرة القدم لمدة أسبوعين
كانت الحرب تدور على الجبهة، لكن آثارها وصلت منذ يومها الأول إلى المدرسة والمقهى والملعب
وفي صباح الأحد 7 أكتوبر، كانت الصفحة الأولى لـ«الأهرام» قد تغيرت بالكامل
«قواتنا عبرت القناة واقتحمت خط بارليف»
بهذا العنوان خرجت الصحيفة، ونشرت تفاصيل نجاح القوات المصرية في عبور قناة السويس، إلى جانب تطورات المعارك على الجبهتين المصرية والسورية
بين صفحتي 6 و7 أكتوبر، لم يكن الفارق مجرد تغيير في عنوان رئيسي، فبين العددين كانت مصر قد دخلت الحرب، وعبرت قواتها القناة، وبدأت آثار المعركة تمتد إلى تفاصيل الحياة في الداخل
وبعد 53 عامًا، بقيت الصور الكبرى لحرب أكتوبر في الذاكرة، العبور، واقتحام خط بارليف، والجنود على الضفة الشرقية، لكن الأرشيف يحتفظ أيضًا بتفاصيل أصغر، صوت بيان يخرج من الراديو، وصفحة أولى يتغير مانشيتها خلال أربع وعشرين ساعة، وأغنية تُسجل بينما المعارك مستمرة، ومدرسة تتوقف، ومقهى يغير موعد إغلاقه
تفاصيل لا تحكي كيف دارت المعركة بقدر ما تكشف كيف دخلت الحرب، منذ ساعاتها الأولى، إلى حياة المصريين

