من ورشة الأحذية إلى ميادين القتال.. “عرابي مكسب” يحكي بطولات أكتوبر: “كنت بطلب الشهادة في كل لحظة”

من بين رائحة الجلد وأصوات أدوات صناعة الأحذية، بدأت حكاية “عرابي مكسب”، الذي نشأ في منطقة باب الشعرية وعاش طفولته داخل ورشة والده، قبل أن تأخذه الأيام من مهنة صناعة الأحذية إلى ميادين القتال، ليصبح أحد أبطال حرب أكتوبر والحاصلين على “نوط الشجاعة من الدرجة الأولى”.
يستعيد “عرابي” ذكرياته مع سنوات الحرب، قائلًا: “كنت بطلب الشهادة في كل لحظة”، مؤكدًا أن الخوف لم يكن حاضرًا في حساباته بقدر ما كان يشغله هدف واحد، وهو الانتصار ورفع العلم المصري فوق أرض سيناء.
من ورشة والده إلى الكتيبة 103 صاعقة
نشأ “عرابي مكسب” وسط أسرة بسيطة في باب الشعرية، وتعلم منذ صغره مهنة صناعة الأحذية اليدوية داخل ورشة والده، قبل أن يلتحق بالقوات المسلحة المصرية مجندًا عام 1969، وينضم إلى الكتيبة 103 صاعقة.
كانت تلك الفترة هي سنوات حرب الاستنزاف، التي عاش خلالها تدريبات شاقة واستعدادات متواصلة تحسبًا لصدور الأوامر بالتحرك في أي لحظة، لتتحول حياته من صناعة الأحذية إلى حمل السلاح والدفاع عن وطنه.
ويتذكر “عرابي” إحدى أصعب المغامرات التي عاشها خلال فترة خدمته، قائلًا إنه تلقى في إحدى الليالي، في تمام الساعة 12 منتصف الليل، أوامر بالتحرك نحو إحدى الدشم في منطقة بورفؤاد والاستيلاء عليها.
ويقول: “ذهبنا عن طريق البحر، وعندما اقتربنا من الدشمة ورأينا موقع العدو، بدأنا في التكبير وإطلاق النار”، لتبدأ بعدها مواجهة عنيفة وتبادل لإطلاق النار بين القوات المصرية والجنود الإسرائيليين، حتى تمكنت المجموعة من السيطرة على الموقع والقضاء على عناصر العدو الموجودة بداخله.
“الهدف كان واحدًا.. الانتصار وعودة سيناء”
يؤكد “عرابي” أن السنوات السبع التي قضاها في القوات المسلحة كانت مليئة بالمواقف الصعبة والمغامرات التي كان الموت حاضرًا فيها في كل لحظة، لكنه لم يكن يرى أمامه سوى هدف واحد: “الانتصار ورفع علم مصر في سيناء وعودة الأرض لنا”.
وبعد انتهاء الحرب، حصل البطل على “نوط الشجاعة من الدرجة الأولى”، ليصبح النوط واحدًا من أغلى الأشياء التي يحتفظ بها، وشاهدًا على سنوات قضاها في مواجهة العدو والدفاع عن وطنه.
ورغم مرور سنوات طويلة على حرب أكتوبر، لا تزال تفاصيل تلك الأيام حاضرة في ذاكرته، من أصوات الرصاص إلى لحظات التحرك والمواجهات، وكأنها مشاهد لم يغلق عليها الزمن صفحته بعد.
عاد إلى الأحذية بعد أن حمل السلاح
بعد انتهاء سنوات خدمته، عاد “عرابي مكسب” إلى المهنة التي نشأ وتربى عليها، ليواصل صناعة الأحذية اليدوية داخل ورشته الصغيرة.
واليوم، وبعد بلوغه 80 عامًا، لا يزال متمسكًا بمهنته، يقضي ساعات طويلة بين الجلد والأدوات، مؤكدًا أن صناعة الأحذية رغم مشقتها تظل “الصديقة المقربة إلى قلبه”.
وهكذا، جمع “عرابي” في رحلة حياته بين عالمين مختلفين تمامًا؛ ورشة صغيرة بدأ فيها حياته، وميادين قتال دافع فيها عن وطنه، ليعود في النهاية إلى ورشته حاملاً معه ذكريات الحرب، ونوط الشجاعة، وحكاية رجل بدأ حياته صانعًا للأحذية، وكتب لنفسه مكانًا بين أبطال أكتوبر.

