النهار
جريدة النهار المصرية

رئيس التحرير

أسامة شرشر يكتب: نصر أكتوبر.. بين استعادة الأرض ومعركة الوعى

-

سيظل نصر أكتوبر هو الفارق بين عصرين.. وبين مرحلتين.. وبين تاريخين، فما قبل 6 أكتوبر 1973 ليس هو ما بعد هذا التاريخ؛ فمصر التى لم تستسلم لنكسة 1967 بدأت فورًا فى العمل؛ فأعادت فى وقت قياسى بناء جيشها واستعادت روح وجينات شعبها، وخاض جنودها البواسل حرب الاستنزاف التى مهدت الطريق للعبور العظيم لتحقيق أعظم انتصار فى تاريخ الأمة العربية على الكيان الصهيونى.
فانتصار أكتوبر هو الذى قهر فيه الجيش المصرى كل أوهام وأساطير وأكاذيب الصهاينة والأمريكان عن جيش إسرائيل الذى لا يُقهر وعن خط بارليف الذى لا يمكن تحطيمه، وعن الأمة العربية العاجزة، فهذا النصر ما زال يمثل زلزالًا حقيقيًا للكيان الصهيوني، وما زالت كلمة (الله أكبر) تحدث رعبًا داخل جيش (إسرائيل الصغرى)، وما زالت الأيام تحمل في طياتها كثيرًا من الأسرار والأساطير التى سطرها رجال عاهدوا الله أن يعيدوا أرض سيناء إلى شعبها بعد أن وقف العالم ليؤكد على نظرية التفوق الإسرائيلى وعدم تحطيم خط بارليف، والأخطر هو الحرب المعنوية التى تم شنها لضرب الجبهة الداخلية المصرية مستخدمين كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لمحاولة إسقاط مصر، ولكن أبت السماء وخير أجناد الأرض من خلال حربى الاستنزاف وأكتوبر إلا أن يصنعوا معجزات عسكرية ما زالت تُدرَّس في المعاهد العسكرية وحققوا المفاجأة التى أذهلت الأصدقاء قبل الأعداء أن مصر عبرت بجيشها وشعبها ورئيسها في هذا الوقت أخطر مواجهة في تاريخ الحروب بين مصر وإسرائيل، وما زال جيش مصر الذي ينتمى إلى شعبها قادرًا على تكرار الأمر إذا دعت الضرورة لذلك وقادرًا على مواجهة كل الاحتمالات. 
وانتصار أكتوبر كما وصفه الرئيس السادات بطل الحرب والسلام فى خطابه التاريخى أمام نواب الشعب عقب النصر وهو يتحدث من بيت الشعب وكأنه كان يتنبأ بما سيحدث وهو يقول :«سوف يجىء يوم نجلس فيه لنقص ونروى، ماذا فعل كل منا فى موقعه، وكيف حمل كل منا أمانته، وأدى دوره، وكيف خرج الأبطال من هذا الشعب وهذه الأمة في فترة حالكة، ساد فيها الظلام، ليحملوا مشاعل النور وليضيئوا الطريق.. حتى نستطيع أن نعبر الجسر ما بين اليأس والرجاء».
وقد جاء هذا اليوم ونحن فى زمن السوشيال ميديا، وتغييب العقول، وفرض الأجندات لنشر الفوضى وتخريب الأوطان، وأعتقد أنه قد حانت اللحظة لاستعادة الوعى واستعادة ذاكرة الشعب وذاكرة الانتصارات، وأنا أطلق على ما يحدث من احتفالات تقيمها الهيئة العامة للاستعلامات برئاسة السفير علاء يوسف ذى الحس الوطني، فى كل المحافظات للاحتفال بالذكرى الـ53 لنصر أكتوبر بأنها (معركة استرداد الوعى 2026). 
ودعونا نفكر بموضوعية، فالأمر يحتاج إلى تضافر جهود كل المؤسسات وكل الهيئات وكل الجهات من مدارس وجامعات ومساجد وكنائس ومسئولين ونواب، للانتصار في معركة الوعي. 
وأنا أتساءل: أما آن الأوان أن نغير إستراتيجيتنا ورؤيتنا في الاحتفال بنصر أكتوبر؟ أما آن الأوان أن تعرف الأجيال الجديدة ما دار من انتصارات حقيقية على أرض سيناء الحبيبة؟ فالإعلام الغربي الممول من اللوبي الصهيوني ما زال يحاول بكل الطرق حتى الآن أن يغير في الروايات والحكايات وأن يحاول أن يسرق نصر المصريين بآراء وأفكار وهم يعلمون أن هذه الروايات كاذبة ولكن الأنشودة الإعلامية الصهيونية الإسرائيلية تحاول أن تقلب الحقائق.
أين دراما حرب أكتوبر وأين الأفلام الوثائقية والتسجيلية؟ ولماذا لا يتم الإفراج عن ملاحم البطولة التى قادها رجال القوات المسلحة؟ ولماذا لا يكون الإعلام الرقمي والسوشيال ميديا جزءًا من معركة استعادة الوعي الحقيقي في هذه الفترة الخطيرة التى تشتعل فيها كل حدود مصر؟!. 
أين الأغاني الوطنية التى كانت تهز وجدان المصريين والعرب وتُحدث صدمة للعقلية الإسرائيلية التى حاولت أن تسرق الدراما المصرية ويطوعوها لهم؟
ولماذا لا نخاطب أبناء المصريين في الخارج من خلال السفارات والقنصليات بلغاتهم الجديدة ولغتنا العربية، من خلال عمل تقليد مصري سنوي يقدم دراما وأفلامًا وأغانى وطنية لهؤلاء الأطفال والشباب والبنات حتى نربط الأجيال الجديدة من جيل زد وجيل ألفا بالوطن الأم حتى يعرفوا ما قام به الجيش المصري عندما تحدى أمريكا وإسرائيل حينما لم يكن أحد يجرؤ أن يقول لا. 
فمعركة استرداد الوعي لا تقل خطورة أو أهمية عن معركة استرداد الأرض
، لأن نصر أكتوبر ما زال يمثل العائق النفسي للكيان الإسرائيلي ونتنياهو؛ لأنه يفكر ويحلم بأن يستعيد ولو بكل ما يملكه من أسلحة دمار ما فقدته إسرائيل في حرب أكتوبر.. وهيهات. 
وما يجرى من محاولات لبناء سدود جديدة على نهر النيل هو اكتمال لفكرة الترتيبات اللوجستية الجديدة التى تقودها إسرائيل وإثيوبيا لمحاولة احتلال المضايق، ولكننا نذكرهم برجال القوات البحرية الذين حطموا المدمرة إيلات، وكان حدثًا فريدًا في هذا التوقيت.     
تحية إجلال وتقدير بحجم نصر أكتوبر من كل المصريين لرجال قواتنا المسلحة الباسلة، خير أجناد الأرض، سيف الوطن ودرعه. 
تحية لكل الشهداء، وتحية لكل الجرحى الأحياء منهم والأموات
فقد قدمتم أرواحكم ودماءكم لتبقى مصر قوية عزيزة منتصرة واستعدتم الكرامة للأمة العربية بأكملها.
ستظل مصر فوق الجميع بجهود أبنائها جميعًا، ولن تنجح المؤامرات وكتائب الشر من أعداء الخارج والداخل فى نشر الفوضى والخراب.. وتحيا مصر الكبيرة القادرة محروسة من ربها محمية بحيشها وشرطتها وأبنائها المخلصين، وكل نصر ومصر كلها بخير وأمان وفي عزة ونصر.