النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

أستاذ جامعي في الصين: بكين تقدم نفسها شريكا فاعلا ولا تسعى إلى نفوذ جيوسياسي في المنطقة

منى عبد الغنى -

قال الدكتور دينج لونج، أستاذ في معهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة شنغهاي للدراسات الدولية بالصين، إن مصر قلب الدول العربية والدول الأفريقية الكبرى وتحتفظ بعلاقات واسعة مع القوى الفاعلة في الإقليم، مشيرا إلي أن هناك مؤشرات تحول في الوعي الإقليمي كتوقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية «مكة للدفاع المشترك»، ولا بد أن تجمع البنية الجديدة بين الردع المشروع والحوار المستمر.

 الرئيس الصيني شي جين بينج، طرح  خلال زيارته لمصر مؤخرا مبادرة من أربع نقاط لدعم الدول الإقليمية في بناء «بنية أمنية جديدة للشرق الأوسط»، برأيك  ما الذي يميز هذه المبادرة عما سبقها من مقترحات صينية؟

المبادرة الأخيرة ليست إضافة آنية إلى قائمة المقترحات، بل تتويج لمسار بدأ قبل سنوات. ففي فبراير 2023، دعت «وثيقة مفاهيم المبادرة الأمنية العالمية» لأول مرة إلى العمل على بناء بنية أمنية جديدة للشرق الأوسط، ثم جاءت في أبريل المقاصد الأربعة لحفظ السلم والاستقرار، وفي أغسطس المبادئ الأربعة لحل القضية الفلسطينية. والمبادرة الجديدة تلتقي مع سابقاتها التقاءً عضوياً لتشكّل حلاً منهجياً متكاملاً، لا على مستوى الإجراءات فحسب بل على المستوى المنهجي أيضاً. أما اختيار القاهرة فلم يكن عبثياً: فمصر قلب عربي نابض ودولة أفريقية كبرى، تقف عند مفترق قارات ثلاث وتربط بين المتوسط والبحر الأحمر، وتحتفظ بعلاقات واسعة مع مختلف القوى الفاعلة في الإقليم، فهي المكان الأنسب لإعلان مشروع يعيد صياغة مفهوم الأمن ذاته.

المبادرة تتحدث المبادرة عن «بنية جديدة»، وما معنى «مفارقة الأمن» التي أفرزتها؟

المنطقة غارقة  في أطول وأعنف دوامة صراعات منذ الحرب العالمية الثانية. وقد أثبت «نموذج الأمن بالاستعانة بالغير»، أي تفويض أمن الدول إلى قوى خارجية، أنه يولّد مفارقة،  كلما زاد الاعتماد على الحماية الخارجية، تضاعفت المخاطر وتعمقت الهشاشة وازداد الارتهان لصراعات الآخرين. وحين تعطل مضيقا هرمز وباب المندب، اختنقت إمدادات الطاقة واهتزت الأسواق العالمية، ليصبح أمن المنطقة مصلحة عالمية لا تقبل الانتظار هناك مؤشرات تحول في الوعي الإقليمي، كتوقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية «مكة للدفاع المشترك»، ولا بد أن تجمع البنية الجديدة بين الردع المشروع والحوار المستمر.

«إطلاق الدينامية الداخلية» ومبدأ «الشرق الأوسط للشرق أوسطيين». هل يعني ذلك رفض أي دور خارجي؟

كل دولة تسعى إلى تعزيز أمنها الخاص عبر التسلح أو التحالف مع الخارج، فيشعر الجيران بالتهديد ويلجؤون إلى الخيارات ذاتها، فيدور الجميع في حلقة مفرغة من التسابق نحو التسلح واستجداء الحماية. وكسر هذه الحلقة لا يتم إلا بخلق منصات إقليمية تتيح للدول مناقشة مخاوفها المشروعة في إطار من الشفافية والثقة المتبادلة. وبذلك ينتقل الخارج من موقع الوصي إلى موقع الشريك.

التنمية أساساً للأمن. كيف يتحقق ذلك عملياً؟

الصين تعمل علي مشروعات التنمية وفقا لمبادرة «الحزام والطريق» ، التي تعلب دوراً محورياً ، من خلال المشروعات في المنطقة الاقتصادية والتجارية المصرية الصينية في السويس، ومشاريع الربط الكهربائي والطاقة النظيفة مع دول الخليج، والاستثمارات التي تربط الشرق الأوسط بآسيا وأفريقيا وأوروبا. كما أن المصالحة بين السعودية وإيران عام 2023 نموذج حي على فاعلية الدبلوماسية، إذ تحولت الخلافات من التصادم إلى التعاون، وعُقدت ثلاث لجان مشتركة بمشاركة صينية رسّخت المصالحة رغم التوترات المتصاعدة. المصالح المشتركة هنا درع واقٍ ضد الانزلاق نحو الصراع.

ما الدور الذي تلعبه الصين في هذه البنية؟

الصين لا تسعى إلى نفوذ جيوسياسي في المنطقة، بل تقدم نفسها شريكاً فاعلاً: لا وصياً ولا بديلاً، بل داعماً وميسّراً. وقوة النموذج الصيني أنه لا يفرض نفسه بالقوة الناعمة أو الصلبة، بل يُعرض خياراً للتأمل والاختيار، يحترم خصوصيات كل دولة ولا يشترط تبنياً لأيديولوجيا بعينها، وهناك رؤية للجمع بين الاستقلالية والانفتاح، والقوة والاعتدال، بديلاً عن التبعية للخارج ويعزز فرص نجاحه تصاعد الوعي الاستراتيجي لدى دول المنطقة ورغبتها في تنويع شراكاتها، إذ لم تعد ترى التعاون مع الصين بديلاً عن علاقاتها بل مكملاً يضفي توازناً ويقلص هامش الهيمنة. غير أن النجاح النهائي يتوقف على إرادة الدول الإقليمية نفسها، وقدرتها على تجاوز الانقسامات ووقتها سيكون  الشرق الأوسط  قادراً على إعادة اختراع نفسه فضاءً للتعاون والازدهار لا ساحة للصراعات والحروب.