النهار
جريدة النهار المصرية

منوعات

بعد واقعة معبد أبو سمبل.. أستاذ ترميم يوضح لـ”النهار” كيف يمكن إبعاد الخفافيش عن الأماكن الأثرية

معبد أبو سمبل
فاتن الوكيل -

مشهد قديم لكن الحديث عنه تجدد منذ أيام، بعد رصد عدد من الزائرين لمعبد أبو سمبل، تواجد أعداد من الخفافيش داخل المعبد، مما أعاد الحديث عن أضرارها على الأثر وحركة السياحة في مصر، وكيف يمكن إبعادها عن الأماكن الأثرية دون إيذاء الأثر، أو الإضرار بحياة الخفافيش. 

لماذا تعيش الخفافيش داخل المعابد والأماكن الأثرية؟ 

وفق المنظمة العالمية للحفاظ على الخفافيش، فإن الخفافيش أو "الوطاويط"، تستخدم المباني للحماية والتواري عن الكائنات المفترسة، خاصة لحماية صغارها، إضافة إلى البحث عن التنظيم الحراري لذلك يكثر تواجدها في المعابد خلال فصل الصيف،  وتتجه الخفافيش لهذه الأماكن خاصة عند تراجع أو تدمير أماكنها الطبيعية مثل الأشجار المفرغة أو الكهوف. 

كيف تضر الخفافيش بالأماكن الأثرية؟

هناك العديد من الدراسات حول الخفافيش في مصر، من بينها دراسة أجراها الدكتور محمود عبد الحافظ، أستاذ ترميم الآثار بكلية الآثار جامعة القاهرة. ووكيل كلية الآثار والتراث الحضاري بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، حول "تقييم دور إفرازات الخفافيش في تدهور الأسطح المطلية بقصر محمد علي بالسويس"، والتي تُسلط الضوء على أن أجزاء من الجدران الداخلية للقصر عانت من تراكم إفرازات الخفافيش، مما أدى لتشوه بعض الرسوم، وتقشرها، وانفصال مساحة كبيرة من طبقاتها. 

وفي تصريح خاص لجريدة "النهار" المصرية، قال د. "عبد الحافظ"، إن مخلفات الخفاش من بول وبراز ودم، لها تأثير كيميائي على مواد البناء الأثرية، مضيفًا أن الخفافيش من أكثر الثدييات تشويهًا للآثار، لأنها تتخذها موطنًا لها، وتترك مخلفاتها على الأثر بقعًا داكنة يصعب إزالتها خاصة مع مرور الوقت. 

ناهيك عن الرائحة الكريهة للمخلفات، يشير د. عبد الحافظ إلى أن المشكلة تكمن عندما تتفاعل إفرازات الخفاش مع الرطوبة، مما يؤدي لتكوين أملاح النترات التي تضر بالآثار خاصة المشيدة من الحجر الجيري أو الرملي. 

متابعًا: "مستعمرة من 50 خفاشًا قادرة على تكوين ما بين 6 إلى 9 كجم من الفضلات الصلبة وتكوّن أكثر من 33 لترًا من البول خلال أشهر من نشاطها"، فتتفاعل كيميائيًا مع الأحجار الأثرية وتسبب تفتتها وتشوهها وتخفي ألوانها الأصلية، إضافة إلى التلف البيولوجي الذي تسببه الفضلات بالمواقع الأثرية، والتي ينتج عنها فطريات وحشرات.

هل تحل أجهزة الموجات فوق الصوتية مشكلة الخفافيش؟ 

من الناحية العلمية تعتمد هذه الأجهزة -كما يوضح د. عبد الحافظ- على إرسال ترددات عالية تشوش على نظام تحديد المواقع الذي تستخدمه الخفافيش في الطيران والصيد، موضحًا أن استخدام هذه الأجهزة لطرد الخفافيش من المواقع الأثرية، لها فعالية محدودة ومؤقتة. 

يؤكد د. عبد الحافظ على أن الخفافيش كائنات ذكية ولها قدرة على التكيف، وبالتالي فمع مرور الوقت، تعتاد على هذه الترددات، موضحًا أن طبيعة الممرات والزوايا في المعابد المصرية القديمة قد تحجب انتشار هذه الموجات وهو ما يُقلل من كفاءة الأجهزة في طرد الخفافيش. 

يوضح د. عبد الحافظ أن هذه التجربة طُبقت في مصر خلال السنوات الماضية، وأحرزت تقدمًا نسبيًا ومؤقتًا في بعض المقابر والمساحات الضيقة، وأثبتت التجربة أن الاعتماد عليها كحل منفرد لا يكفي للسيطرة على هذه الظاهرة.

كيف نحل مشكلة الخفافيش في الأماكن الأثرية؟ 

يشير د. عبد الحافظ إلى أن بعض الطرق التي كانت تُتبع قديما، كاستخدام مواد طاردة مثل "الفينول" التي تُسبب التهاب الجلد والعين والجهاز التنفسي للخفاش، أو ووضع شباك سلكية، عليها محاذير قانونية دولية ومحلية.

بينما يوضح أن الحل الأمثل لإبعاد الخفافيش لا يكمن في وسيلة واحدة، بل في تطبيق الإدارة المتكاملة للآفات، التي تعتمد على المكافحة الفيزيائية والهندسية، من خلال سد الفتحات غير الأثرية باستخدام شبكات متينة من مواد صديقة للبيئة، تسمح بتهوية الأثر وتمنع دخول الخفافيش.

كما يمكن عمل أبواب ذات اتجاه واحد، تسمح للخفاش بالخروج من الموقع ليلًا ولا يتمكن من العودة إليها بعد ذلك، بالإضافة إلى استخدام أضواء "ليد" ذات أطوال موجية تزعج الخفافيش ولا تؤثر على الأثر، مع أهمية تنظيف المحيط الخارجي للمعابد من البرك المائية والحشرات التي تتغذى عليها الخفافيش. 

وحول التكلفة المادية لهذه المنظومة، يوضح بأنها ربما تكون متوسطة إلى مرتفعة في المرحلة التأسيسية، لكنها على المدى البعيد تعتبر طرقًا اقتصادية جدُا، توفر ملايين الجنيهات التي تُنفق لاحقا على عمليات الترميم الصعبة لإزالة آثار المخلفات والتكلسات، موضحًا أن وزارة الآثار لا تدخر جهدًا في الإبعاد الآمن للخفافيش من المواقع الأثرية، مع تأكيده على أهمية تضافر الجهود العلمية للتخلص من هذه الظاهرة. 

السؤال الآن; متى يتم تعميم تجارب إبعاد الخفافيش عن المواقع الأثرية بطرق علمية، تُجنّب السياحة المصرية الآثار السلبية لانتشار الخفافيش، وتحافظ في الوقت نفسه على هذه الكائنات المحمية بموجب القانون، بصفتها جزءًا أساسيًا من الحياة البرية والتنوع البيولوجي في مصر؟.