بين الحوار والاتهامات.. هل تعيد دمشق رسم علاقتها مع حزب الله؟

هل تتجه دمشق إلى فتح باب الحوار مع حزب الله رغم الخلافات الأمنية والسياسية العميقة بين الطرفين؟ سؤال عاد بقوة إلى الواجهة بعد تقارير تحدثت عن اتصالات ولقاء سري بين مسؤولين سوريين وممثلين عن الحزب في تركيا، في وقت تنفي فيه دمشق وأنقرة عقد هذا الاجتماع، بينما يؤكد مراقبون أن مجرد طرح فكرة الحوار يكشف عن تعقيد المرحلة التي تمر بها سوريا وعلاقتها بجيرانها والقوى الإقليمية.
وبحسب تقرير لرويترز، فإن مسؤولين من الحكومة السورية وممثلين عن حزب الله التقوا في تركيا خلال سبتمبر، في محاولة لخفض التوتر بين الطرفين، ونقلت الوكالة عن ستة مصادر، بينهم مسؤولان سوريان ومسؤول أمريكي ومسؤول أمني لبناني مقرب من الحزب، أن المحادثات ركزت على ملفات أمنية حساسة، من بينها تهريب السلاح عبر الحدود والخلايا التي تقول دمشق إنها مرتبطة بحزب الله داخل الأراضي السورية.
لكن الرواية لم تمر دون نفي؛ إذ قالت دمشق إن هذه التقارير غير صحيحة، وأكدت عدم عقد أي لقاء من هذا النوع، كما نفت تركيا أيضًا أن تكون قد استضافت أو رعت اجتماعًا بين الجانبين.
أما حزب الله فلم يؤكد عقد اللقاء ولم ينفه بشكل مباشر، وهو ما أبقى القصة في دائرة الروايات المتضاربة.
وفي هذا السياق، قال الباحث السياسي ضياء قدور إن الرئيس السوري أحمد الشرع أبدى استعدادًا للحوار مع حزب الله، لكن وفق شروط تتعلق بسيادة الدولة السورية وأمنها، معتبرًا أن أي انفتاح على الحوار لا يعني بالضرورة تغيير موقف دمشق من القضايا التي تعتبرها تهديدًا مباشرًا لأمنها.
ويستند هذا الطرح إلى توتر متراكم بين الطرفين منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، بعدما كان حزب الله من أبرز القوى التي قاتلت إلى جانب قوات الأسد خلال الحرب السورية.
ومع تغير السلطة في دمشق، انتقلت العلاقة من التحالف الميداني إلى حالة من التوتر والاتهامات المتبادلة، خصوصًا بشأن الحدود السورية اللبنانية وعمليات نقل السلاح والنشاط العسكري داخل سوريا.
وكانت السلطات السورية قد أعلنت في مايو الماضي تفكيك خلية قالت إنها مرتبطة بحزب الله، وقالت وزارة الداخلية السورية إن الخلية كانت تحت المراقبة لثلاثة أشهر، وإن بعض أفرادها دخلوا الأراضي السورية من لبنان بوثائق مزورة وتلقوا تدريبات على استخدام الطائرات المسيّرة والمتفجرات، بينما ينفي حزب الله وجود نشاط عسكري له داخل سوريا.
ويرى ضياء قدور أن هذه الوقائع، من وجهة نظره، تعكس نمطًا أمنيًا تعتبره دمشق تهديدًا لاستقرارها، متهمًا حزب الله بمحاولة التأثير في المشهد السوري ودفع البلاد نحو صراعات لا تريدها السلطة الجديدة.
كما تحدث عن اتهامات بتقديم تدريبات لعناصر مرتبطة ببقايا النظام السابق في منطقة البقاع اللبنانية، وهي نقطة تحتاج إلى نسبها إلى مصادرها ولا يمكن التعامل معها كحقيقة مستقلة دون أدلة معلنة.
في المقابل، يقدم الكاتب محمد حمية قراءة مختلفة تمامًا؛ إذ يرفض وصف حزب الله بأنه تنظيم إرهابي، ويؤكد أن هذا التوصيف لا يمثل، بحسب رأيه، الموقف الرسمي السوري.
ويرى حمية أن الحزب جزء من المعادلة السياسية اللبنانية، وأن جذور وجوده ترتبط بمواجهة إسرائيل، معتبرًا أن هناك عدوًا مشتركًا لكل من سوريا ولبنان يتمثل في إسرائيل، وأن معالجة الخلافات بين دمشق وحزب الله يجب ألا تتحول إلى صراع بين سوريا ولبنان.
وهنا تظهر واحدة من أكثر نقاط الخلاف حساسية: هل يمكن لدمشق أن تفصل بين خلافها الأمني مع حزب الله وبين علاقتها بالدولة اللبنانية؟
فالموقف السوري الرسمي، وفق ما أعلنته دمشق مؤخرًا، يؤكد أن التواصل يكون مع مؤسسات الدولة اللبنانية، بينما تظل العلاقة مع حزب الله ملفًا منفصلًا شديد الحساسية.
وفي الوقت نفسه، فإن مجرد الحديث عن حوار بين دمشق وحزب الله، سواء تم اللقاء المزعوم في تركيا أم لم يتم، يعكس حجم الملفات المشتركة التي يصعب تجاهلها، وعلى رأسها الحدود، وتهريب السلاح، وأمن جنوب سوريا، ومستقبل العلاقة السورية اللبنانية.
وبالتالي، فإن المعادلة أمام الرئيس أحمد الشرع لا تبدو بسيطة؛ فدمشق تريد تثبيت سيادة الدولة ومنع أي نشاط مسلح خارج مؤسساتها، بينما تظل الحدود مع لبنان جزءًا من شبكة إقليمية معقدة تتداخل فيها حسابات حزب الله وإيران وإسرائيل ولبنان.
وفي ظل النفي الرسمي لوقوع الاجتماع، يبقى المؤكد أن فكرة الحوار نفسها أصبحت مطروحة في النقاش السياسي حول مستقبل العلاقة بين دمشق وحزب الله، لكن ذلك لا يعني انتهاء الخلافات، بل ربما يكشف عن محاولة لإدارة هذه الخلافات عبر قنوات سياسية وأمنية، بدل تركها تتحول إلى مواجهة مفتوحة على الحدود السورية اللبنانية.

