”أنا كفيف.. وبشتغل من ورا شاشة”.. حكاية مبرمج حوّل التكنولوجيا إلى عينٍ ثانية

من خلف شاشة لا يراها بعينيه، يبدأ فادي شحاتة يومه كأي مبرمج آخر؛ يكتب الأكواد، يطور البرامج، يعمل على مشروعات الأتمتة والذكاء الاصطناعي، ويتعامل مع عملاء وشركات ومؤسسات مختلفة، الفارق الوحيد أن الشاشة بالنسبة إليه لا تُرى.. لكنها تُسمع.
"أنا كفيف.. وبشتغل من ورا شاشة".. جملة تختصر حكاية مهندس حاسب آلي قرر ألا يجعل فقدان البصر نهاية الطريق، بل نقطة انطلاق إلى عالم لم يكن يعرفه في البداية، قبل أن يتحول فيه من مجرد مستخدم للتكنولوجيا إلى مبرمج ومدرب وصاحب مشروعات.
فادي شحاتة، مهندس حاسب آلي متخصص في هندسة البرمجيات، يعمل في مجالات البرمجة والأتمتة والذكاء الاصطناعي، ويمتلك مركزًا للحاسب الآلي، لكن علاقته بالتكنولوجيا بدأت في وقت مبكر جدًا، بعدما فقد بصره وهو لا يزال رضيعًا.
بعد نحو 40 يومًا من ولادته، بدأت والدته تلاحظ أن إحدى عينيه تنتفخ بصورة غير طبيعية. وبعد استشارة الأطباء، جاء التشخيص بوجود انسداد في القنوات الدمعية، ما تسبب في احتباس الدموع داخل العين وانتفاخها ،وكانت محاولة علاج المشكلة هي اللحظة الفارقة في حياة فادي إذ يقول إن إجراء تسليك للقنوات الدمعية تسبب في فقدانه البصر.
لم تكن التكنولوجيا وقتها بهذه السهولة التي يعرفها العالم اليوم، ولم تكن أمام طفل كفيف وسائل كثيرة تساعده على الدراسة، لكنه وجد طريقته الخاصة،
في سنواته الأولى، كان جهاز التسجيل وملفات الصوت وسيلته الأساسية للمذاكرة، يسجل الدروس ثم يستمع إليها، حتى بدأ الفضول يقوده إلى عالم الكمبيوتر.
فادي لم يكن يريد فقط أن يستخدم الأشياء، بل كان دائمًا يسأل: "إزاي؟".. كيف تعمل الأشياء؟ ولماذا تعمل بهذه الطريقة؟ وهل يمكن تطويرها؟
في نهاية المرحلة الإعدادية وبداية الثانوية، تعرّف إلى المهندس بيتر، الذي ساعده في التعامل مع الكمبيوتر، ثم تعرّف إلى برامج قارئ الشاشة، وعلى رأسها NVDA، الذي أتاح له التعامل مع الكمبيوتر بشكل مستقل،كان البرنامج وقتها باللغة الإنجليزية، فبدأ فادي في التعامل معه، ثم بحث عن أدوات ناطقة باللغة العربية، لتتحول علاقته بالكمبيوتر من مجرد استخدام إلى رغبة في فهمه وتطويره.
من مستخدم للتكنولوجيا إلى مبرمج
التحق فادي بمعهد متخصص في الحاسبات، ودرس عددًا من مسارات تكنولوجيا المعلومات، بينها أنظمة التشغيل والبرمجة وتصميم الويب والشبكات والصيانة، وحصل على تقدير امتياز.
وفي الوقت نفسه، واصل دراسته الجامعية، لكنه لم ينتظر التخرج ليبدأ حياته العملية؛ إذ عمل في مجال الكمبيوتر وهو طالب بجامعة الأزهر، وشارك في تطوير مشروعات تخص الجامعة، قبل أن تتوسع تجربته ليعمل مدربًا في مؤسسات وجهات مختلفة.
ومع الوقت، اتجه فادي إلى تطوير البرمجيات ومشروعات الأتمتة والذكاء الاصطناعي، فأصبح ينفذ حلولًا تساعد الشركات على إنجاز بعض المهام بصورة تلقائية، مثل الردود الآلية على واتساب وفيسبوك وغيرها من المهام الإدارية.
كما يعمل في صيانة الحاسب والبرمجيات وأمن البيانات واسترجاعها، ويمتلك مركزًا للحاسب الآلي.
لكن بالنسبة إليه، لا تتوقف الحكاية عند النجاح المهني.
فادي يرى أن التحدي الأكبر هو تغيير الطريقة التي تنظر بها المؤسسات إلى الأشخاص المكفوفين.
يقول إنه كان في الماضي يدخل بعض المؤسسات أو البنوك، فيُقال له إنه كفيف، وبالتالي يحتاج إلى شخص يرافقه أو يساعده أو يوقع نيابة عنه. ومع تطور التكنولوجيا، يرى أن الكفيف أصبح قادرًا على الاعتماد على نفسه في كثير من الإجراءات.
ولهذا أصبح أحد أهدافه أن يساهم في توعية المؤسسات، خصوصًا الجهات الرسمية والمالية، بأن فقدان البصر لا يعني فقدان القدرة على العمل أو اتخاذ القرار أو التعامل باستقلالية.
فالرجل الذي بدأ حياته معتمدًا على تسجيل الدروس والاستماع إليها، ثم وجد في قارئ الشاشة طريقًا إلى الكمبيوتر، أصبح اليوم يجلس خلف شاشة، يكتب الأكواد ويطور حلولًا تقنية ويتعامل مع شركات ومؤسسات.
هو لا يرى الشاشة بعينيه، لكنه يعرف جيدًا ما يحدث خلفها.
وبالنسبة لفادي، ربما لم تكن التكنولوجيا مجرد وسيلة للعمل؛ كانت الوسيلة التي جعلته يقول لنفسه ولمن حوله: إذا كان هناك طريق للوصول.. فالمطلوب فقط أن نبحث عن الطريق

