خبير صيني في العلاقات الدولية يقرأ أبعاد زيارة الرئيس الصيني لواشنطن : حوار خاص لـ النهار
الاستقرار بين بكين وواشنطن ليس مجرد أمنية بل ضرورة وجودية لعالم يتوق إلى السلام

وصف الخبير الصيني الدولي الكبير، الدكتور دينج لونج، أستاذ بمعهد دراسات الشرق الأوسط في جامعة شنغهاي للدراسات الدولية، زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلي الولايات المتحدة الأمريكية بأنها مفيدة ليس للبلدين بل للإنسانية جمعاء، حيث أن هناك الكثير من القضايا المشتركة بين الجانبين وهناك أهمية للمساعدة في حل الكثير من القضايا سواء في الشرق الأوسط وشبه الجزيرة الكورية وأوكرانيا وإلي نص الحوار
زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج، إلي واشنطن ، تعد الأولى منذ 11 عاماً، والأكثر رمزية في تاريخ العلاقات بين البلدين. ما الذي يمكن أن نقرأه في هذا المشهد، بعيداً عن البروتوكولات الرسمية؟
ليس المشهد مجرد تكرار لمراسم الاستقبال، حين يخرج الرئيس الأمريكي وعقيلته إلى أرض المطار لاستقبال ضيفهما، ويُطلق أربعة وعشرون طلقة مدفعية تحيةً، وتحلّق المقاتلات فوق سماء العاصمة، فهذا يعني أن واشنطن تُرسل إشارة واضحة بقطيعة مع سنوات من الجمود، الزيارة جاءت بعد أربعة أشهر فقط من زيارة الرئيس دونالد ترامب إلى بكين، وهو ما يجعلها تبادلاً للزيارات على مستوى القمة في زمن قياسي لم يسبق له سابقة. والتوقيت نفسه يحمل دلالة: مئتان وخمسون عاماً على الاستقلال الأمريكي، وعام انطلاق الخطة الخمسية الخامسة عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الصين. نحن أمام محطة تاريخية، لا مجرد توقف في أجندة دبلوماسية روتينية.
لكنّ الكثيرين يتساءلون: هل أثمرت هذه الزيارة فعلاً، أم أنها اكتفت بالشعارات؟ ما أبرز ما خرجت به المباحثات؟
على العكس، المحصلة كانت غنية وملموسة. أولاً، تمّ ترسيخ "الاستقرار الاستراتيجي البنّاء" كإطار عام للعلاقة، ولم يترك الرئيس شي جين بينج مجالاً للالتباس حين أكد، في كلمته أمام مراسم الاستقبال بالبيت الأبيض، أن هذا التوجه "لا ينبغي أن يظل شعاراً، بل يجب أن يتجسد في إجراءات وممارسات متبادلة"، محدداً ذلك في مسارات ثلاثة: تعزيز التواصل، والتعاون الصادق، والتعايش السلمي، وثانياً، وفي ما يخص الملف التجاري، أعلن الجانبان عن توصل فرقهما الاقتصادية والتجارية إلى ترتيب مشترك جديد بعد جولة مشاورات، وصفه الرئيس شي بأنه "نبأ سارٌ لقطاعي الأعمال في البلدين، وللاقتصاد العالمي". واللغة التي استُخدمت هنا ذات دلالة عميقة: "إطالة قائمة التعاون واختصار قائمة المشكلات". هذا هو جوهر الفلسفة الصينية في التعاطي مع الخلافات — لا هروب منها، ولا السماح لها بأن تلتهم أرضية المصالح المشتركة. وتؤكد أرقام الجمارك الصينية أن التجارة السلعية بين البلدين بلغت تريليوني يوان في النصف الأول من العام الجاري، وأن النمو عاد ليسجل 13.7% في الربع الثاني بعد انكماش في الربع الأول، ما يُظهر مرونة مذهلة لهذه العلاقة رغم العواصف السياسية.
وماذا عن ملف الذكاء الاصطناعي؟ هل يتحول إلى ساحة صدام جديدة؟
الرئيس الصيني قال إن البلدين "دولتان كبيرتان في مجال الذكاء الاصطناعي، ولهما منافسة، ولكن لهما أيضاً ما هو أعمق: إمكانية التعاون"، داعياً إلى إبراز كل طرف ميزاته بدلاً من محاولة وضع العراقيل أمام الآخر. وجُدد التأكيد على أن قرار استخدام الأسلحة النووية يجب أن يبقى في أيدي البشر، وأن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون "خاضعاً للإنسان، وخادماً لمصلحة الشعوب". في عالم يشهد سباق تسلح رقمي محموم، هذه ليست مجرد كلمات مجاملة، بل مساهمة نوعية في وضع قواعد لسلوك دولي مسؤول تجاه تكنولوجيا قد تغير وجه الحضارة الإنسانية.
وماذا عن القضايا الأمنية والشعبية؟
على الصعيد الأمني، تم التشديد على ضرورة استمرار الحوار بين الجيشين وتطوير آليات منع الأزمات والتواصل في حالات الطوارئ، لجعل "فخ ثوسيديدس" قابلاً للعبور لا قدراً محتوماً. كما تقرر تعزيز التعاون في مكافحة المخدرات والإنفاذ الأمني، وتوسيع رحلات الطيران المباشر.
أما على الصعيد الشعبي، فكانت هناك لفتة ذات رمزية عميقة: دعوة مائة ألف شاب أمريكي لزيارة الصين والدراسة فيها خلال السنوات الخمس المقبلة، بعد أن استُكمل في عام 2026 استقبال خمسة آلاف شاب من أصل خمسين ألفاً تعهدت بكين باستضافتهم منذ عام 2023. وأُعلن أيضاً عن وصول زوج من الباندا العملاقة إلى حديقة حيوان أتلانتا ليكون سفيرين جديدين للصداقة. الدبلوماسية التي تعتمد على قلوب الشعوب وذاكرة الأجيال الشابة، غالباً ما تصمد أمام تقلبات السياسة اليومية.
برأيك لماذا تمثل هذه العلاقة ثقلاً استراتيجياً للعالم أجمع، وليس للبلدين فحسب؟
العلاقة التي تقرر، بشكل مباشر أو غير مباشر، مصير السلم والأمن الدوليين، ومستقبل المناخ، وشكل الاقتصاد العالمي، وتوجهات الذكاء الاصطناعي، وحتى قيمة التعددية ذاتها. وحدهما معاً يملكان القدرة على دفع العالم نحو الاستقرار أو نحو الهاوية، الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها اليوم هي أن العالم بات أكثر حاجة لتوافق بكين وواشنطن من أي وقت مضى. من الشرق الأوسط المشتعل، إلى أوكرانيا، إلى شبه الجزيرة الكورية، لا توجد أزمة كبرى يمكن حلها دون دور للقوتين، أو على الأقل دون تجنب صدام بينهما. وقد عبّر عنه الرئيس الصيني مراراً: "الأرض واسعة بما يكفي ليتسع لازدهار البلدين"، وهو ما يُفكك مغالطة كبرى روّجت لها نظريات "الحتمية الصفرية"، ومفادها أن تقدم دولة هو حكماً على حساب تراجع الأخرى.
وكيف ينعكس ذلك على منطقتنا، على الدول العربية والإسلامية؟
التأثير مباشر وعميق. استقرار التجارة العالمية، وتوفر التمويل للتنمية، واستمرار إمدادات الطاقة، وصياغة حلول للنزاعات الإقليمية، كلها مسارات تتحدد وتيرتها بمدى التوافق أو التوتر بين بكين وواشنطن. لذلك فإن متابعة العرب لهذه العلاقة ليست فضولاً سياسياً، بل قراءة لما سيلقونه من تداعيات في أسواقهم، وفي أمنهم القومي، وفي مواقف القوى الكبرى من قضاياهم العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
ما هو السبيل الحقيقي لعلاقة سليمة بين قوتين بهذا الثقل؟
مبادرة "الاستقرار الاستراتيجي البنّاء" تقدم الإجابة عبر أربعة أبعاد، البعد الأول: التعاون هو الأساس، أي الاعتراف بأن المصالح المشتركة تفوق الخلافات، وأن التعاون ليس تنازلاً، بل مصلحة عليا للطرفين، البعد الثاني: المنافسة يجب أن تكون "ذات حدود". المنافسة أمر طبيعي وصحي أحياناً، ولكنها يجب أن تكون نوعية، تستند إلى المعايير، لا سباق تسلح أو حرباً تجارية مفتوحة، البعد الثالث: الخلافات يجب أن تكون "قابلة للضبط"، عبر قنوات تواصل دائمة واحترام متبادل للخطوط الحمر، وتجنب فرض الأمر الواقع أو الاستفزاز الإعلامي، البعد الرابع: السلام يجب أن يكون "قابلاً للتحقيق"، عبر التمسك بعدم الصدام، وتراكم الثقة تدريجياً، ووضع حد لتوقعات الحرب.
ولعل القاعدة الذهبية هي ما عبّر عنه الرئيس الصيني: "البلدان قادران على تحقيق المنفعة المتبادلة والكسب المشترك من خلال التعاون العملي، وتحقيق النجاح لكل منهما من خلال منافسة صحية، ومعالجة الخلافات بشكل سليم عبر البحث عن أرضية مشتركة مع احترام الاختلاف، وبناء السلام من خلال تراكم الثقة".
وماذا عن الملف التايواني، الذي يُعدّ الأكثر حساسية؟
ملف تايوان هو الخط الأحمر الأول. أكد الرئيس شي جين بينج، خلال المباحثات، أن موقف الصين من حماية الوحدة الوطنية والسيادة وسلامة الأراضي "واضح وصريح"، وحث الجانب الأمريكي على "التمسك بالموقف الصحيح المتمثل في معارضة استقلال تايوان، ومعالجة قضية تايوان بحذر شديد". هذا تذكير بأن احترام السيادة وسلامة الأراضي ليس مبدأً انتقائياً، بل هو حجر الزاوية لأي نظام دولي مستقر، وأن تجاوز هذا الخط يعني وضع العلاقة بأسرها على حافة الهاوية.
هل نحن أمام تحوّل حقيقي؟
تاريخياً، مرت هذه العلاقة بمد وجزر. لكن الجديد اليوم أن العالم لم يعد يحتمل مغامرات القوى الكبرى. نجاح هذه الزيارة لن يُقاس بالبيانات الختامية، بل بما سيُترجم على الأرض من إجراءات: رفع القيود التجارية، وتفعيل الحوارات الاستراتيجية، واحترام الخطوط الحمر، وتعزيز التواصل الشعبي، والعمل المشترك من أجل استقرار العالم، السبيل إلى علاقة سليمة ليس في اختزالها إلى "إدارة للصراع"، ولا في الانزلاق خلف أوهام الهيمنة، بل في بناء نموذج جديد للتعايش بين دول ذات حضارات ونظم مختلفة. وهذا يتطلب إرادة سياسية حقيقية، واحتراماً متبادلاً، والالتزام الصادق بقاعدة أن "الاتفاق أفضل من الصدام، والتعاون أجدى من المواجهة، والحوار أقوى من العزلة".
والرسالة الأعمق هنا: الاستقرار بين بكين وواشنطن ليس مجرد أمنية، بل ضرورة وجودية لعالم يتوق إلى السلام، وينشد نظاماً دولياً أكثر عدلاً وإنصافاً. وما لم يتحقق هذا الاستقرار، فإن جهود التنمية والسلم في كل ركن من أركان العالم ستبقى عرضة للاهتزاز. ومن هنا، فإن نجاح هذه الزيارة ليس مكسباً للصين والولايات المتحدة فحسب، بل هو كسب للإنسانية جمعاء.

