مفارقة نيويورك.. ماذا تكشف تأشيرتا «بزشكيان» و«أبو مازن» عن المعايير الأمريكية؟

أكدت الدكتورة نيفين وهدان، أستاذ العلوم السياسية، أن المقارنة بين السماح للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بدخول الولايات المتحدة للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، ورفض منح الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن تأشيرة الدخول إلى نيويورك، كشفت عن مفارقة سياسية لافتة تطرح تساؤلات حول إدارة واشنطن للأزمات الدولية، وحدود العلاقة بين الاعتبارات السياسية ومتطلبات الدبلوماسية متعددة الأطراف.
وتزداد أهمية هذه المفارقة في ضوء خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي جمع بين خطاب شديد اللهجة تجاه إيران، والتلويح باستخدام القوة، وبين إبقاء باب التفاوض مفتوحًا. وهي معادلة تعكس إحدى أدوات السياسة الواقعية: الضغط من أجل تحسين شروط التفاوض، مع الإبقاء على المخرج الدبلوماسي متاحًا، وفق تحليل د. نيفين وهدان.
وقالت إنه من هذه الزاوية، يمكن قراءة السماح للوفد الإيراني بالحضور في نيويورك باعتباره إبقاءً على قناة للحوار، واختبارًا لإمكانية تحويل الاتصالات السياسية إلى مسار تفاوضي أكثر وضوحًا. لكن السماح بالدخول لا يعني بالضرورة أن اتفاقًا أصبح قريبًا؛ فالتفاوض مع إيران يرتبط ببنية معقدة لصنع القرار لا تتوقف عند مؤسسة الرئاسة وحدها.
فإلى جانب الحكومة والرئاسة، تظل مؤسسات الأمن القومي والمرشد الأعلى والحرس الثوري ذات تأثير مهم في الملفات الاستراتيجية، وبالتالي فإن قدرة الرئيس الإيراني على تقديم تنازلات جوهرية تظل مرتبطة بتوازنات داخلية أوسع. ولذلك فإن اختزال القرار الإيراني في شخص الرئيس وحده لا يعكس التعقيد الحقيقي لبنية صنع القرار في طهران.
وقد ظهر ذلك بوضوح في الخطاب الإيراني أمام الجمعية العامة؛ فبينما ظل باب الحوار والدبلوماسية مفتوحًا، جاء الرفض للتفاوض تحت التهديد أو الإملاء العسكري واضحًا. وهكذا تحولت نيويورك إلى مساحة تجمع بين الدبلوماسية والردع وإدارة الرسائل السياسية والتفاوض غير المباشر، وفق الدكتورة نيفين وهدان.
وتساءلت أستاذ العلوم السياسية: «هل كان الرهان الأمريكي أن يؤدي حضور بزشكيان إلى اتفاق سريع؟»، مؤكدة أنه على الأرجح أن أي حسابات أمريكية في هذا الاتجاه تصطدم بتعقيدات الملف الإيراني، لأن التفاوض حول قضايا الأمن القومي والعقوبات والبرنامج النووي ومستقبل العلاقة بين البلدين لا يُحسم بمجرد لقاء سياسي، وإنما يحتاج إلى توافقات داخلية وضمانات وآليات تنفيذ واضحة.
وفي المقابل، فإن منع الرئيس الفلسطيني محمود عباس من الحضور شخصيًا إلى اجتماعات الجمعية العامة يفتح مسارًا مختلفًا من التساؤلات، خاصة أن فلسطين تتمتع منذ عام 2012 بصفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة، وأصبحت القضية الفلسطينية جزءًا ثابتًا من أجندة النظام الدولي، وفق د. نيفين وهدان.
وأوضحت أنه هنا تظهر المفارقة السياسية: تُفتح نافذة للحوار مع إيران رغم عمق المواجهة، بينما تُفرض قيود على حضور القيادة الفلسطينية شخصيًا إلى المؤسسة الدولية التي تمثل القضية الفلسطينية إحدى أبرز قضاياها.
وبطبيعة الحال، لا يعني اختلاف الحالتين أنهما متطابقتان قانونيًا؛ فلكل قرار سياقه ومبرراته السياسية والقانونية. كما أن واشنطن تربط موقفها من الجانب الفلسطيني باعتبارات تتعلق بسياسات السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير. إلا أن التباين بين القرارين يظل يطرح سؤالًا مشروعًا حول اتساق المعايير في إدارة العلاقات الدولية.
لكن الأهم بالنسبة للقضية الفلسطينية هو ألا تتوقف القراءة عند حدود القرار الأمريكي.
فإذا كان القرار يطرح تساؤلًا حول السياسة الأمريكية، فإنه في الوقت نفسه يعيد طرح سؤال فلسطيني أكثر عمقًا: هل يمكن بناء دولة قادرة على حماية مصالحها الدولية من دون توحيد الصف الفلسطيني ومؤسسات القرار؟
إن بناء الدولة لا يبدأ فقط بالاعتراف الخارجي، وإنما يبدأ من وحدة المؤسسات، وتوحيد مركز القرار، وتعزيز الشرعية، وإنهاء الانقسام، ووجود رؤية وطنية قادرة على إدارة الأرض والسلاح والعلاقات الخارجية ضمن إطار مؤسسي واحد.
والانقسام الفلسطيني لا يبرر بأي حال من الأحوال أي قرار خارجي يستهدف التمثيل الفلسطيني، لكنه يظل تحديًا حقيقيًا أمام القدرة التفاوضية الفلسطينية. فكلما تعددت مراكز القرار، أصبحت القدرة على تقديم موقف وطني موحد أقل قوة، وأصبحت المساحة المتاحة للتدخلات الخارجية أكبر.
ومن هنا، فإن التعامل مع مثل هذه الأزمات يجب ألا يقتصر على الاحتجاج السياسي، وإنما ينبغي أن يتحول إلى فرصة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني وبناء مؤسسات دولة أكثر تماسكًا وقدرة على الحركة.
أما بالنسبة لإيران، فإن حضور بزشكيان لا يعني أن الطريق أصبح مفتوحًا أمام اتفاق نهائي. فنجاح أي مسار تفاوضي أمريكي–إيراني سيظل مرتبطًا بقدرة الطرفين على تجاوز الحسابات التكتيكية والوصول إلى تفاهمات استراتيجية قابلة للاستمرار والتنفيذ.
وهنا تبرز قاعدة مهمة في العلاقات الدولية:
الوصول إلى طاولة المفاوضات لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تغيير قواعد اللعبة.
كما أن خطاب ترامب يعكس بوضوح تداخل القوة والدبلوماسية في إدارة الأزمات؛ فالتلويح بالقوة لا يلغي التفاوض، والتفاوض لا يعني بالضرورة التخلي عن أدوات الضغط. وفي السياسة الدولية، قد تستخدم الدولة القوة أو التهديد بها لتحسين موقعها التفاوضي، بينما تحتفظ في الوقت نفسه بقناة دبلوماسية مفتوحة لمنع تحول الأزمة إلى مواجهة بلا سقف.
وفي النهاية، فإن مفارقة بزشكيان وأبو مازن تتجاوز مسألة الدخول إلى نيويورك؛ فهي تكشف عن طبيعة نظام دولي تتداخل فيه الشرعية الدولية مع موازين القوة والمصالح الاستراتيجية والقدرة التفاوضية.
أما الدرس الأهم للقضية الفلسطينية، فيبقى أن الاعتراف الدولي مهم، لكنه لا يكفي وحده لبناء دولة قوية.
الدولة تحتاج إلى مؤسسات موحدة، وقرار سياسي واحد، وشرعية داخلية، وقدرة على إدارة علاقاتها الخارجية، ورؤية وطنية تتجاوز الانقسام.
فالمنصة الدولية مهمة، لكن قوة الحضور فوقها تبدأ من قوة البناء الداخلي.

