النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

أحمد المالكي: سلاح حزب الله يعمّق مأزق لبنان بين إسرائيل وإيران

اعتبر المالكي أن لبنان يحتاج إلى قرارات حاسمة لمعالجة أزمتي سلاح حزب الله والوجود الإسرائيلي في الجنوب
عبدالرحمن كمال -

رأى الباحث أحمد المالكي، رئيس مركز شؤون دولية باللغة العربية للدراسات السياسية والإعلامية، أن لبنان يقف أمام مرحلة شديدة التعقيد، في ظل استمرار الضغوط الأمريكية والإسرائيلية والدولية بشأن سلاح حزب الله، بالتوازي مع غياب اتفاق واضح بشأن انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي تسيطر عليها، واستمرار حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني التي تعيق قدرة الدولة على استعادة كامل سيادتها.

وقال المالكي، في تصريحات لـ"النهار"، إن مختلف الأطراف تحاول انتشال لبنان من حالة التخبط التي يعيشها، عبر البحث عن صيغة تتيح للجيش اللبناني بسط سيطرة الدولة على المناطق التي ينشط فيها حزب الله، والوصول في الوقت نفسه إلى تفاهم بشأن الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب. إلا أن إسرائيل، بحسب تقديره، تمثل العقبة الأساسية أمام أي اتفاق، في ظل إصرارها على البقاء داخل الأراضي اللبنانية إلى حين القضاء على حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية وسلاحه ومؤسساته بصورة كاملة.

وأضاف أن القيادة اللبنانية تجد نفسها أمام معضلة بالغة الحساسية، إذ تخشى أن يؤدي فتح مواجهة عسكرية مباشرة مع حزب الله إلى اندلاع حرب أهلية وإعادة إنتاج الفوضى وعدم الاستقرار، خصوصاً أن الحزب لا يبدو مستعداً لتسليم سلاحه، ويربط التطورات اللبنانية بالأحداث الإقليمية، ضمن ما يُعرف بوحدة الساحات التي تستخدمها إيران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما في المنطقة.

مساعٍ لتجنب الصدام

وأوضح المالكي أن القيادة اللبنانية تعمل بالتنسيق مع الولايات المتحدة وأطراف دولية أخرى على إيجاد مخرج يتيح معالجة ملف سلاح حزب الله من دون دفع الدولة إلى مواجهة مباشرة مع الحزب، مشيراً إلى أن بيروت ترى أن استعادة المناطق الجنوبية وانسحاب إسرائيل لا يمكن تحقيقهما إلا عبر المفاوضات والمسار الدبلوماسي.

وبحسب الباحث، فإن المؤشرات القائمة تظهر أن إسرائيل تنظر إلى المناطق التي سيطرت عليها في جنوب لبنان باعتبارها مكسباً استراتيجياً يعزز الحزام الأمني في شمالها، في ظل استمرار المخاوف الإسرائيلية من تهديد حزب الله. ولذلك، فإن التوصل إلى تفاهم لبناني إسرائيلي بشأن الانسحاب يبقى مرتبطاً بحسابات أمنية وسياسية معقدة تتجاوز قدرة لبنان وحده على حسمها.

وأشار المالكي إلى أن لبنان يحتاج، بالتوازي مع معالجة الملف الأمني، إلى دعم اقتصادي واسع يساعده على إعادة بناء بلد أنهكته الأزمات، معتبراً أن دعم الجيش اللبناني يمثل عاملاً أساسياً لتمكين الدولة من فرض سيادتها. لكنه لفت إلى أن المشكلة لا ترتبط فقط بنقص الإمكانات العسكرية، وإنما أيضاً بغياب الإرادة السياسية لمواجهة حزب الله، الذي يشارك في المؤسسات اللبنانية بوصفه قوة سياسية مؤثرة، بما يجعل القرار الرسمي عرضة للتعطيل.

أزمة السيادة والاقتصاد

وأكد المالكي أن استمرار ارتباط حزب الله بالقرار الإيراني يبقي لبنان في دائرة الاستقطاب الإقليمي ويزيد من ابتعاده عن محيطه العربي، رغم وجود رغبة عربية في مساندة لبنان ومساعدته على تجاوز أزمته. واعتبر أن تدفق الاستثمارات العربية والخليجية سيظل محدوداً ما لم يتحقق قدر كافٍ من الاستقرار الأمني والسياسي الذي يطمئن المستثمرين.

وأضاف أن فرنسا والاتحاد الأوروبي يعملان على دعم لبنان ومساعدة السلطة اللبنانية في تجاوز أزمة سلاح حزب الله، مشيراً إلى تحركات يقودها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع أصدقاء لبنان وشركائه من أجل حشد دعم دولي عبر مؤتمر مخصص لمساندة البلاد، على أن يشمل الدعم الجيش اللبناني والاقتصاد في آن واحد.

وشدد الباحث على أن أي دعم دولي لن يكون كافياً ما لم ترافقه إصلاحات حقيقية داخل المؤسسات اللبنانية، ولا سيما القطاعات المالية والاقتصادية والعسكرية، معتبراً أن استعادة الدولة لدورها تتطلب قراراً لبنانياً واضحاً بإصلاح مؤسساتها وتعزيز قدرتها على إدارة مواردها وأمنها بعيداً عن مراكز القوى المتنافسة.

الجنوب تحت الضغط

وفي ما يتعلق بالوضع الميداني، قال المالكي إن المشهد في جنوب لبنان لا يزال بعيداً عن الاستقرار، في ظل استمرار إسرائيل في تدمير القرى والبلدات وتجريف الأراضي واستهداف البنية التحتية بذريعة مواجهة حزب الله. ورأى أن الحزب يمر حالياً بمرحلة ضعف مقارنة بالسنوات السابقة، إلا أن إسرائيل لا تزال تتوقع أن يعمل على إعادة ترتيب قدراته العسكرية واستعادة أساليب حرب العصابات التي استخدمها في مواجهاته السابقة معها.

وأشار إلى أن احتمال تجدد المواجهة بين حزب الله وإسرائيل يبقى قائماً، خصوصاً في ما يتعلق بالمناطق التي سيطرت عليها إسرائيل، ومن بينها تلة علي الطاهر، لافتاً إلى أن الحزب قد يجد نفسه أمام خيارين صعبين: الدخول في مواجهة لاستعادة تلك المناطق، أو القبول بواقع ميداني جديد يفرض على الدولة اللبنانية التعامل معه.

وأضاف أن استمرار الحرب أو التصعيد سيضاعف الأعباء على لبنان، خصوصاً أن الجنوب تعرض لدمار واسع ونزوح أعداد كبيرة من سكانه، الأمر الذي سيجعل إعادة الإعمار بعد أي انسحاب إسرائيلي مهمة ضخمة تحتاج إلى مليارات الدولارات لإعادة بناء البنية التحتية والمناطق المتضررة.

الحسابات الإيرانية

ورأى الباحث السياسي أن حزب الله لا يزال يمثل ورقة ضغط تستخدمها إيران ضمن أدواتها الإقليمية في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، معتبراً أن حالة التخبط الإيرانية وغياب المرشد الجديد عن المشهد، وفق توصيفه، قد يدفعان الحزب إلى انتظار القرار الإيراني بشأن طبيعة المرحلة المقبلة.

وأوضح أن الحزب قد ينتظر أيضاً تطورات المواجهة في مضيقي هرمز وباب المندب قبل اتخاذ قرار بشأن مستوى انخراطه في مواجهة إسرائيل، خصوصاً إذا أصرت الأخيرة على تفكيك بنيته العسكرية ونزع سلاحه. وفي المقابل، يبقى احتمال الوصول إلى مفاوضات لبنانية إسرائيلية قائماً، ولا سيما بعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر، إذا أفضت التطورات السياسية إلى تفاهمات جديدة برعاية أمريكية.

وأكد الباحث أن إيران لا تزال متمسكة بورقة حزب الله وسلاحه، رغم التحذيرات اللبنانية من ضرورة أن تقوم العلاقة بين بيروت وطهران على المصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية. وقال إن استمرار استخدام طهران لوحدة الساحات يضغط على لبنان للإبقاء على سلاح الحزب شمال نهر الليطاني، والسماح له بالحفاظ على وجوده في مناطق الجنوب وعلى الحدود مع إسرائيل.

المساعدات واليونيفيل

وفي ملف الدعم الدولي، قال المالكي إن لبنان بحاجة إلى مساندة عربية واسعة تساعده على استعادة موقعه داخل محيطه العربي، مشيراً إلى أن دولاً عربية، بينها الإمارات، عرضت تقديم المساعدة، لكن استمرار أزمة سلاح حزب الله يمثل عقبة أمام توسيع هذا الدعم.

ولفت إلى أن إسرائيل تعرقل، وفق تقديره، محاولات تقديم مساندة دولية للبنان، بالتزامن مع اقتراب انتهاء مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» مع نهاية العام الجاري. وأوضح أن إسرائيل تقف ضد المحاولات الدولية، وخصوصاً الأوروبية، الرامية إلى إيجاد قوة دولية أو متعددة الجنسيات بديلة عن اليونيفيل.

وأشار المالكي إلى أن الولايات المتحدة ترى إمكانية التوصل إلى صيغة بين لبنان وإسرائيل بشأن ترتيبات أمنية بديلة، فيما يتمسك لبنان باستمرار مهمة اليونيفيل التابعة للأمم المتحدة، وهو ما يضع بيروت في مواجهة مع الرؤية الأمريكية الساعية، بحسب الباحث، إلى تجاوز الإطار الذي أرساه القرار الأممي 1701.

وأضاف أن الاتحاد الأوروبي أبدى استعداده للمساهمة في هذه المهمة، في حين ترفض إسرائيل الدور الفرنسي، في ظل خلافات سياسية وأمنية متصاعدة بشأن الموقف من سياسات إسرائيل تجاه لبنان والدول المجاورة لها.

مأزق الخيارات

وقال المالكي إن عودة حزب الله إلى أسلوب حرب العصابات قد تفتح الباب أمام بقاء إسرائيلي أطول في جنوب لبنان، بينما سيؤدي استمرار رفض الحزب تسليم سلاحه إلى الدولة إلى وضع السلطة اللبنانية أمام مأزق كبير مع الدول التي تسعى إلى دعم لبنان عسكرياً ومالياً، بما فيها الولايات المتحدة.

وأوضح أن المساعدات الدولية تبقى، في تقديره، مرتبطة بمدى استعداد الدولة اللبنانية للدخول في مشاورات موسعة مع حزب الله، والتنسيق معه بشأن تسليم السلاح إلى الدولة، أو اتخاذ قرار بمواجهة الحزب بالقوة. لكنه استبعد السيناريو الأخير، مستنداً إلى مواقف الرئيس اللبناني جوزاف عون التي تؤكد أن الدولة لن تدخل في مواجهة عسكرية مع حزب الله.

ورأى الباحث أن حالة التعطيل ستستمر ما لم يضع حزب الله مصالح الدولة اللبنانية والشعب اللبناني فوق مصالح إيران، محذراً من أن استمرار خضوع الحزب للقرار الإيراني سيبقي لبنان في دوامة سياسية وأمنية واقتصادية مفتوحة، في وقت يعاني فيه اللبنانيون أصلاً من التضخم وتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.

انتظار الانتخابات

واعتبر المالكي أن لبنان يحتاج إلى قرارات حاسمة لمعالجة أزمتي سلاح حزب الله والوجود الإسرائيلي في الجنوب، مشيراً إلى أن استمرار السيطرة الإسرائيلية على مناطق لبنانية، إلى جانب عمليات التدمير والنزوح، يضاعف الأعباء التي ستواجهها الدولة في مرحلة ما بعد الانسحاب.

وأشار إلى أن إيران كانت تتباهى سابقاً بنفوذها في بيروت، ولا تزال تضع لبنان ضمن حساباتها الإقليمية وترفض التخلي عن ورقة حزب الله وسلاحه. وفي المقابل، يرى أن إسرائيل لن تقبل باستمرار وجود عسكري لحزب الله في المناطق الحدودية، سواء قبل الانتخابات الإسرائيلية أو بعدها، حتى في حال تشكيل حكومة جديدة ورحيل بنيامين نتنياهو، بسبب ما يصفه المالكي بوجود رغبة داخل المجتمع الإسرائيلي في الحفاظ على المناطق التي تسيطر عليها وإنهاء النفوذ الإيراني عبر حزب الله.

وخلص الباحث أحمد المالكي إلى أن المشهد اللبناني مرشح للبقاء في حالة تجميد إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، مع استمرار تجميد المساعي الدولية الرامية إلى تغيير المعادلة الداخلية، بالتزامن مع انتظار اتجاهات العلاقة بين إيران والولايات المتحدة، وما إذا كانت طهران ستعود إلى التفاوض وتقبل ترتيبات تحد من استخدام «وحدة الساحات»، أو تتجه المواجهة الأمريكية الإيرانية إلى مزيد من التصعيد.

وأكد أن استمرار المواجهة بين حزب الله وإسرائيل، إلى جانب تعقيدات الملف السياسي والعسكري داخل لبنان، سيبقي البلاد أمام مرحلة مفتوحة على احتمالات متعددة، في ظل غياب تسوية تجمع بين استعادة سيادة الدولة، وانسحاب إسرائيل، ومعالجة ملف سلاح حزب الله، وتأمين الدعم العربي والدولي اللازم لإعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية اللبنانية.