خبير عسكري: المواجهة السعودية الحوثية نحو مرحلة أكثر حدة مع انتقال التهديد إلى عمق المملكة

حذّر الدكتور سيد غنيم، زميل كلية الحرب العليا والأستاذ الزائر في حلف شمال الأطلسي والأكاديمية العسكرية الملكية ببروكسل، من دخول المواجهة بين السعودية والحوثيين مرحلة أكثر حدة، في ظل انتقال الهجمات الحوثية إلى العمق السعودي، بالتزامن مع ما وصفه بمكاسب ميدانية قرب باب المندب وضغوط متزايدة على الدفاعات الجوية والبنية التحتية للطاقة في المملكة.
وأوضح غنيم، في تحليل نشره عبر حسابه على منصة فيسبوك، أن المواجهة تصاعدت منذ يوليو، عقب الضربة الجوية السعودية التي استهدفت مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة ركاب إيرانية، قبل أن يحقق الحوثيون مكاسب ميدانية مهمة تمثلت، وفق المعلومات التي أوردها، في السيطرة على المخا وميون وتعزيز مواقعهم في محيط باب المندب، بما يزيد الضغط على طريق الصادرات السعودية عبر البحر الأحمر، بالتزامن مع استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز.
تصعيد نحو العمق السعودي
وأشار غنيم إلى أن نطاق الهجمات الحوثية توسع ليصل إلى الرياض، موضحاً أن السعودية اعترضت في 19 سبتمبر صاروخاً باليستياً، مع رصد انفجارات وحريق قرب مطار الملك خالد، من دون تأكيد إصابة منشأة الوقود، لافتاً إلى أن عشر منشآت نفطية وثلاث قواعد أو مطارات تعرضت لأضرار منذ تجدد المواجهة، وفق المعلومات الواردة إليه.
وأضاف أن الهجمات الحوثية تركزت على منشآت تابعة لشركة أرامكو في ينبع وجازان وأبها، إلى جانب قواعد جوية في خميس مشيط والطائف، في وقت تسببت فيه هجمات قادمة من العراق بأضرار كبيرة في البنية النفطية السعودية، ولا سيما منشأتي بقيق وخط أنابيب شرق–غرب.
ولفت الخبير العسكري إلى وجود معلومات غير مؤكدة عن توقف سعودي قصير للعمليات الجوية، عقب طلب إيراني بضبط التصعيد وعرض المساعدة في احتواء الحوثيين دبلوماسياً، مشيراً إلى احتمال استغلال الحوثيين فترة التوقف لتثبيت مكاسبهم الميدانية والاستعداد لمزيد من الهجمات.
الرياض بين الحرب والوساطة
وأوضح غنيم أن السعودية تتحرك حالياً عبر مسارين متوازيين، يتمثل الأول في الإعداد لعملية عسكرية أوسع، فيما يتركز الثاني على منح الجهود الدبلوماسية فرصة أخيرة لاحتواء التصعيد.
وأشار إلى استمرار الوساطة عبر سلطنة عمان ومصر، بالتزامن مع تحركات سعودية للحصول على مساعدة مصرية في البحر الأحمر، وتعزيز قدراتها الدفاعية الجوية من خلال طلب دعم من مصر وباكستان وفرنسا وبريطانيا، في ظل ضغوط متزايدة على مخزون صواريخ الاعتراض.
وأضاف أن الرياض تحركت أيضاً لدى الصين من أجل الضغط على إيران للمساعدة في احتواء الحوثيين، بما يعكس، وفق تقديره، محاولة سعودية لتجنب الانتقال المباشر إلى مواجهة واسعة قبل استنفاد المسارات السياسية والإقليمية المتاحة.
ثلاثة سيناريوهات
ورجّح الخبير الاستراتيجي، وفق تقديره، أن يكون السيناريو الأكثر احتمالاً هو لجوء السعودية إلى عملية عسكرية كبيرة بنسبة تصل إلى 60%، تشمل توسيع الضربات الجوية وعمليات برية تنفذها القوات الحكومية اليمنية، مع احتمال تقديم دعم بحري من حلفاء المملكة.
وأشار إلى أن مثل هذا السيناريو سيقابله، على الأرجح، تصعيد حوثي بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد القواعد والمنشآت النفطية والملاحة المرتبطة بالسعودية، بما يرفع تكلفة المواجهة على المستويين العسكري والاقتصادي.
أما السيناريو الثاني، الذي قد تصل احتمالاته إلى 20%، فيتمثل في نجاح الوساطات في تأخير الهجوم السعودي أو الحد منه، بما يقود إلى تهدئة مؤقتة، لكنه لن يفضي بالضرورة إلى تسوية مستقرة، في ظل المكاسب التي حققها الحوثيون والخلافات القائمة بين أطراف الصراع.
ويتمثل السيناريو الثالث، وفق غنيم، في اتساع المواجهة لتشمل إيران، باحتمال يبلغ 20%، خصوصاً إذا تزامن التصعيد السعودي ضد الحوثيين مع تجدد المواجهة الأمريكية الإيرانية. وفي هذه الحالة، قد تبدأ طهران بزيادة الضغط من خلال الفصائل العراقية وتعزيز دعمها للحوثيين، قبل احتمال الانتقال إلى ضربات مباشرة ضد أهداف عسكرية أو نفطية داخل السعودية.
استنزاف الدفاعات والطاقة
وفي تقديره للمشهد، قال غنيم إن الحوثيين يعملون على الضغط في عدة اتجاهات بالتوازي، بهدف رفع الكلفة العسكرية والاقتصادية والسياسية على الرياض بصورة تدريجية.
وأوضح أن هذا النهج يشمل استهداف العمق السعودي بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وإرباك منظومة الدفاع الجوي واستنزاف صواريخ الاعتراض، إلى جانب ضرب المنشآت ومسارات تصدير الطاقة، مع العمل على تثبيت المكاسب الميدانية حول باب المندب.
وفي المقابل، يرى غنيم أن السعودية تواجه معضلة عسكرية واضحة، إذ إن الضربات الجوية وحدها قد تضعف القدرات الحوثية، لكنها لن تكون كافية لاستعادة الأراضي والمواقع الاستراتيجية التي فقدتها. وأضاف أن تغيير الوضع الميداني سيتطلب عملية برية يمنية واسعة ومدعومة جوياً وبحرياً، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى رفع مستوى الرد الحوثي على العمق السعودي.
خطر تداخل الجبهات
وخلص غنيم إلى أن الخطر الأكبر يتمثل في احتمال تداخل ثلاث جبهات في وقت واحد، هي اليمن، وباب المندب والبحر الأحمر، والمواجهة الأمريكية الإيرانية حول مضيق هرمز.
وأوضح أن تزامن عملية سعودية واسعة مع تجدد الحرب الأمريكية الإيرانية قد يحول المملكة إلى ساحة ضغط من اتجاهات متعددة في آن واحد، ولا سيما من جانب الحوثيين والفصائل العراقية، مع بقاء التدخل الإيراني المباشر، بحسب تقديره، مستوى تصعيد أعلى وليس السيناريو الأول.
وأكد أن هذا العامل تحديداً قد يدفع الرياض إلى منح الوساطات الإقليمية والدولية فرصة أخيرة قبل الانتقال إلى مرحلة عسكرية أوسع، لأن اتساع نطاق المواجهة في ظل تزامن الجبهات قد يرفع الكلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية على السعودية والمنطقة بأكملها.

