بريكس.. تحالف الكبار لإعادة تشكيل النظام العالمي

تواصل مجموعة بريكس توسيع حضورها على الساحة الدولية باعتبارها أحد أبرز ملامح التحول نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب، مستندة إلى ثقل اقتصادي وسكاني وموارد طبيعية وأسواق واسعة تمنحها قدرة متزايدة على التأثير في حركة الاقتصاد العالمي، إلا أن امتلاك هذه الأوراق لا يعني بالضرورة اتجاهها إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، وهو ما يطرح تساؤلاً حول سر العلاقة القائمة على المنافسة دون الوصول إلى مرحلة الصدام.
ويقول الدكتور رامي عاشور، استاذ العلوم السياسية، إن قوة بريكس لا ترتبط فقط بحجم اقتصاد الدول الأعضاء، وإنما أيضاً بتنوع إمكاناتها وامتلاك عدد من أعضائها مصادر مهمة للطاقة والموارد الطبيعية والأسواق الكبرى، إلى جانب موقعها المتنامي في حركة التجارة والاستثمار العالمية، وهو ما يمنح المجموعة قدرة على التأثير في العديد من الملفات الاقتصادية الدولية.
وتسعى دول بريكس كذلك إلى تعزيز التعاون المالي وتقليل الاعتماد على الدولار من خلال زيادة التعامل بالعملات المحلية وتطوير آليات للدفع والتسوية بين الدول الأعضاء، إلا أن هذا التوجه لا يعني بالضرورة السعي إلى إلغاء الدولار أو الدخول في مواجهة اقتصادية مباشرة مع الولايات المتحدة، وإنما يعكس رغبة في تنويع الأدوات المالية وتقليل مخاطر الاعتماد على نظام مالي واحد.
ويرى عاشور، أن أحد أهم أسباب عدم تحول بريكس إلى قوة صدامية مع واشنطن يعود إلى طبيعة المجموعة نفسها، فهي ليست تحالف عسكري موحد، ولا تتحرك جميع دولها وفق رؤية سياسية واحدة تجاه الولايات المتحدة، فلكل دولة مصالحها وحساباتها وعلاقاتها الدولية الخاصة، وهو ما يجعل فكرة تحويل بريكس إلى جبهة موحدة لمواجهة واشنطن أمراً أكثر تعقيداً.
وتكمن قوة بريكس الحقيقية في قدرتها على بناء بدائل ومؤسسات وأدوات اقتصادية جديدة بصورة تدريجية، بدل الدخول في مواجهة مباشرة قد تضر بمصالح أعضائها، خاصة أن العلاقات التجارية والاستثمارية بين العديد من دول المجموعة والولايات المتحدة والغرب لا تزال واسعة ومتشابكة.
كما أشار عاشور إلى أن هدف بريكس ليس إسقاط الولايات المتحدة أو إقصاء الدولار من النظام العالمي بشكل مفاجئ، وإنما إعادة توزيع مراكز القوة داخل النظام الدولي ومنح دول الجنوب العالمي مساحة أكبر في صناعة القرار الاقتصادي والسياسي، وهو ما يجعل المنافسة بين الطرفين أقرب إلى سباق طويل لإعادة تشكيل قواعد النظام العالمي وليس مواجهة مفتوحة.
أما بالنسبة لمصر، فإن عضويتها في بريكس تمنحها فرصة لتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع مجموعة من أكبر الأسواق العالمية، وفتح مسارات جديدة للتجارة والاستثمار، والاستفادة من آليات التمويل والتعاون التي توفرها المجموعة، إلى جانب دعم توجهها نحو تنويع الشراكات الدولية وعدم الاعتماد على محور اقتصادي واحد.
وبذلك فإن سر عدم تصادم بريكس مع الولايات المتحدة يكمن في أن المجموعة تتحرك بمنطق بناء النفوذ لا إعلان الحرب، وتسعى إلى زيادة قدرتها على التأثير في الاقتصاد والسياسة الدولية من خلال التعاون والتكامل وتوسيع البدائل، مع ترك الباب مفتوحًا أمام العلاقات والمصالح المشتركة مع واشنطن، في محاولة لإعادة تشكيل النظام العالمي تدريجياً بدل الدخول في مواجهة قد تكون مكلفة لجميع الأطراف.

