مختص بالشأن الإسرائيلي: فيلم نازا يهز الكيان من الداخل ويفتح ملف القتل المحسوب

رأى الباحث والمختص في الشأن الإسرائيلي إسماعيل مسلماني، أن فيلم «نازا» لم يكن مجرد عمل وثائقي عُرض في مهرجان البندقية، وإنما شكّل، وفق تقديره، لحظة سياسية لافتة داخل إسرائيل، بعدما أعاد تقديم روايات الحرب على قطاع غزة من خلال شهادات إسرائيلية داخلية، الأمر الذي منحه تأثيراً يتجاوز ما يمكن أن تحققه التقارير الخارجية.
وقال مسلماني، في تصريحات لـ"النهار"، إن الفيلم، الذي حصد جائزة لجنة التحكيم وسط تصفيق استمر 25 دقيقة، لم يطرح بالضرورة مادة جديدة بالكامل، لكنه أعاد ترتيب روايات الحرب على غزة بلسان إسرائيلي داخلي، معتبراً أن هذه الزاوية جعلته أكثر حساسية بالنسبة إلى المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية.
وأوضح أن عنوان الفيلم يحمل دلالة مباشرة، إذ إن «نازا» مصطلح عسكري إسرائيلي يُستخدم، بحسب ما أورده، للإشارة إلى عدد المدنيين المتوقع قتلهم في كل غارة، معتبراً أن اختيار العنوان ينقل الضحايا من خانة «الأضرار الجانبية» غير المقصودة إلى خانة الأرقام التي يجري احتسابها مسبقاً عند اتخاذ قرار القصف.
زلزال داخل المؤسسة
وأشار مسلماني إلى أن إسرائيل بنت على مدى عقود سردية تقوم على اعتبار جيشها «الأكثر أخلاقية في العالم»، وهي سردية يرى أنها أسهمت في الحفاظ على قدر من الإجماع الداخلي حتى في فترات الانقسام السياسي والمجتمعي.
وأضاف أن ظهور 24 ضابطاً من وحدة الاستخبارات 8200 وتحدثهم أمام الكاميرا عن «قتل جماعي بصورة ممنهجة»، إلى جانب شهادات تتعلق باستخدام نظام للذكاء الاصطناعي لتحديد أهداف استناداً إلى التقاط عبارات من هواتف المدنيين، يضع القضية، وفق تقديره، في مستوى مختلف عن الخلافات التقليدية بين اليمين واليسار.
وبحسب مسلماني، فإن الشرخ الذي يكشفه الفيلم لا يعود محصوراً بين تيارات سياسية متنافسة، وإنما يمتد إلى العلاقة بين الدولة وجنودها وأفراد مؤسساتها الأمنية. واعتبر أن رد رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير، عبر التهديد باتخاذ إجراءات قانونية وتشكيل فريق للتعامل مع القضية، يعكس محاولة لاحتواء ما وصفه بـ«تمرد أخلاقي داخلي» أكثر من كونه مجرد رد على فيلم وثائقي.
مسار قانوني حساس
ورأى الباحث أن الضربة الثانية التي يمثلها الفيلم ذات طبيعة قانونية، خصوصاً مع تزامنه، بحسب تصوره، مع تراكم ملفات أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية.
وأوضح مسلماني أن المحاكم الدولية لا تنظر فقط إلى وقوع الضحايا، وإنما تبحث أيضاً في مسألة النية وطبيعة المنظومة التي أنتجت الأفعال. ومن هذا المنطلق، فإن الادعاءات المتعلقة بالسماح بأعداد محددة من المدنيين المتوقع قتلهم في عمليات قصف، أو استهداف منازل عائلات رغم معرفة وجود مدنيين فيها، يمكن أن تُستخدم، وفق تقديره، في الانتقال من توصيف الأفعال باعتبارها «أخطاء حرب» إلى البحث في احتمال وجود سياسة ممنهجة.
وأشار إلى أن بيان الجيش الإسرائيلي، الذي أكد أن قرارات الاستهداف يتخذها بشر وليس الذكاء الاصطناعي، لا يمكن قراءته، في رأيه، باعتباره موجهاً إلى الجمهور الإسرائيلي وحده، بل يحمل أيضاً رسالة قانونية إلى الخارج تسعى إلى نفي وجود منظومة آلية تتخذ قرارات القتل بعيداً عن المسؤولية البشرية.
معركة السرد الدولي
ولفت مسلماني إلى أن أهمية «نازا» لا تقتصر على مضمون شهاداته، وإنما تمتد إلى موقعه في معركة السرد والرواية أمام الرأي العام الدولي، موضحاً أن إسرائيل واجهت خلال الحرب انتقادات متزايدة في الجامعات الغربية ووسائل الإعلام الليبرالية، لكنها حافظت في الوقت ذاته على رواية تقوم على أنها تحاول تجنب استهداف المدنيين.
وأضاف أن إنتاج الفيلم من جانب الفريق الذي شارك في فيلم «منطقة الاهتمام» الحائز على جائزة أوسكار، إلى جانب صحيفة «الجارديان»، يمنحه، بحسب تقديره، وزناً ثقافياً وإعلامياً يصعب التعامل معه بسهولة باعتباره مجرد دعاية معادية لإسرائيل.
وأكد أن قوة الفيلم، في هذا السياق، تكمن في أنه لا يخاطب الفلسطينيين أو الجمهور المعارض لإسرائيل بالدرجة الأولى، وإنما يتوجه إلى جمهور غربي ليبرالي كان أكثر تردداً في تبني الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل، وهو ما قد يمنح شهاداته تأثيراً أكبر في النقاش العام الدولي.
رد إسرائيلي غاضب
وأوضح مسلماني أن مصدر الضجة التي أثارها الفيلم داخل إسرائيل يعود، بحسب ما ورد في تحليله، إلى طبيعة الشهادات التي يتضمنها، باعتبار أنها صادرة عن أفراد من داخل وحدة 8200 ووحدات استخبارات مرتبطة بمكتب رئيس الوزراء، وليس عن مصادر خارجية.
وأشار إلى أن الجيش الإسرائيلي رفض الشهادات بصورة قاطعة، مستنداً إلى كونها مجهولة الهوية وغير قابلة للتحقق، وشدد في رده على أن قرارات الاستهداف تُتخذ «من قبل بشر وليس الذكاء الاصطناعي». ويرى مسلماني أن هذا الرد يعكس محاولة من المؤسسة العسكرية لتفكيك الأساس الذي يقوم عليه الفيلم، خصوصاً ما يتعلق بطريقة اتخاذ قرارات الاستهداف.
وأضاف أن رئيس الأركان إيال زامير وجّه المدعي العسكري إلى بحث اتخاذ إجراءات قانونية ضد الفيلم والمتورطين فيه، بالتوازي مع تشكيل فريق للتعامل مع ما وصفته المؤسسة العسكرية بـ«الادعاءات الكاذبة»، إلى جانب تحديد الجهات التي قامت بتسريب مواد سرية.
مأزق الحكومة الإسرائيلية
وبحسب مسلماني، فإن جوهر الانقسام يتمثل في التباين بين الصورة التي يقدم بها الفيلم في الخارج باعتباره وثيقة تكشف ما يُوصف بـ«منظومة القتل المحسوب»، وبين موقف المؤسسة الرسمية الإسرائيلية التي تعتبره حملة تشويه تقوم على شهادات مجهولة وغير قابلة للتحقق، وتتجاوز، بحسب روايتها، حدود معرفة الجنود المشاركين في العمليات.
ويرى الباحث أن أهمية «نازا» لا تتوقف على إثبات دقة شهاداته بنسبة كاملة، باعتبار أن التحقيقات هي التي يفترض أن تحسم صحة هذه الادعاءات من عدمها، وإنما في قدرته على وضع الحكومة الإسرائيلية أمام مأزق سياسي وأخلاقي وقانوني.
وقال إن الحكومة الإسرائيلية تجد نفسها أمام خيارين صعبين؛ فإذا رفضت شهادات جنودها بصورة مطلقة، فقد تواجه اتهامات بقمع الشهود وتعميق الانقسام داخل المؤسسة الأمنية، وإذا قررت التحقيق معهم، فقد يُفهم ذلك باعتباره اعترافاً ضمنياً بوجود وقائع ومنظومات تستحق الفحص والتحقيق.
وخلص مسلماني إلى أن الفيلم، بهذا المعنى، لا يكتسب أهميته فقط من مضمون الشهادات التي يتضمنها، وإنما من كونه ينقل النقاش حول الحرب على غزة إلى داخل المجتمع والمؤسسة الأمنية الإسرائيليين، ويضع صورة الجيش والحكومة أمام اختبار داخلي ودولي متزامن.

