النهار
جريدة النهار المصرية

مقالات

أرق الاباء بقلم المفكر العروبي والاعلامي السوري بشار عيسى

المفكر العروبي والاعلامي السوري  الدكتور بشار عيسى
-

ىيُشكل مستقبل الأبناء الهاجس الرئيسي لمُعظم الآباء و خصوصاً في ظل الظروف الحالية و الأزمات المعيشية الطاحنة حيث اشتد التنافس و التناحر في مختلف مجالات هذه الحياة القاسية ، و قلما يعترف الآباء بأنهم يتحملون جزءاً من المسؤولية في فشل أبنائهم على الرغم من أنهم قد يكونون في بعض الحالات السبب الرئيسي لهذا الفشل و كمثال واقعي على هذه الحالات هي النتائج المدرسية للأبناء و التي تكون عكس ما كان يتوقعه الأهل ، و لذا يقع عندها لهيب اللوم كل اللوم عادة مصبوباً على الأبناء لأنهم لم يجتهدوا بما فيه حد الكفاية و مقتضى الحال ، و لعله من المُلاحظ أن اهتمام الكثير من الآباء بنتائج الأبناء الدراسية قد يبلغ حداً يُنسيهم الاهتمام بالأبناء أنفسهم كما لو أن هذه النتائج في نظرهم أهم من فلذات أكبادهم و في مثل هذه الحالة يشعر الابن أن حب والديه له و عطفهما عليه مرهون بنتائجه الدراسية مما يجعل علاقته بوالديه مُعرضة دائماً للاهتزاز و عدم الثبات مع الشعور المترافق بحالة طاغية من الهلع و الإحباط و الخوف الشديد من إمكانية فقد حب و عطف الوالدين بسبب عدم تحصيل النتائج المطلوبة و العلامات المرجوة المُنتظرة من الأهل ، مع الانتباه إلى أن جوهر هذا الموضوع يُصبح في نظرة الوالدين للابن كمشروع لم يكتمل حتى الآن و يُنتظر تحقيقه كما و يُنظر إليه بمنظار الربح و الخسارة كما لو كان ملكية فردية و ليس إنساناً له جملة مشاعر و أفكار و مواقف و بالتالي هيئة شخصية مستقلة و متميزة .    

يكتشف الابن من خلال علاقته بوالديه و نتيجة لاهتمامهم المُبالغ فيه بجهوده في مجال دراسته أن النتائج المدرسية تُشكل بالنسبة له سلاحاً ناجعاً و فعالاً يمكن أن يستخدمه لتحقيق أغراض معينة و تلبية متطلبات لا يستطيع تحقيقها بكيفية عادية ، كما و يجد أيضاً بأن مفعول ذلك يجعله في قمة مستوى يُؤهله للتأثير على مواقفهما نحوه و إضفاء جو من الحب و الثقة و العلاقة الدافئة بين الجميع بعيداً عن مظهر الإختلال في التوازن بين ما يُكبت في اللاشعور و ما يظهر في ساحة الشعور ، و لا يخفى على الجميع ملاحظة لجوء بعض الآباء إلى اتخاذ سلوك موقف اللامبالاة من الأبناء عند وقوع هول المفاجأة بنتائجهم المتدنية كأن يتفادون الحديث معهم و الاهتمام بهم و تعليق كل الكلام الأبوي المُفعم بالحب و الحنان كتعبير عن عدم الرضا عن هذا الوضع و لعل مثل هذا الموقف يُماثل في سلبيته موقف التأنيب و الزجر و التهديد و الوعيد و التجريح الذي يتخذه البعض من الآباء إزاء الأبناء مع مرارة شعورهم بتأثير جو الإحباط و خيبة الأمل . 

من المُلاحظ بدقة بأن أغلب التلاميذ لا يُعدون لاستيعاب العلم و شتى صنوف المعرفة و سُبل مواجهة الحياة بقدر ما يُعدون للنجاح في الامتحان كونه أصبح الهاجس المخيف المُسيطر على أذهان التلاميذ و عقول الأهل في آن واحد ، و إذا كان النجاح في الامتحان هو الغاية الرئيسية و ليس العلم فلا مانع إذن في هذه الحالة من وجهة نظر الطالب باللجوء إلى مختلف أشكال الوسائل المُتاحة لتحقيق هذا النجاح اعتقاداً بأن الامتحان هو الحد الوحيد الفاصل بين النجاح و الفشل و اقتباساً من رُوحية معنى المقولة الشهيرة القائلة ( عند الامتحان يُكرم المرء أو يُهان ) و إيماناً بأن عدم النجاح في الامتحان يعني المهانة و المذلة و احتقار النفس و كذلك انكسار الذات و غير ذلك ، و يُشير عدد كبير من الباحثين إلى أن نمط الخطاب التدريسي و واقع صور التعليم المدرسي يظل بوجه عام مُحملاً بألوان القيم و المفاهيم و حتى الأنماط السلوكية نفسها السائدة في زوايا المجتمع مع ملاحظة عدم تحقيق المدرسة للدور المطلوب منها في تكريس العقلانية في الألباب .


د. بشار عيسى / القاهرة .