أبو مازن في القاهرة.. تحرك فلسطيني لمواجهة تمدد الاحتلال وإعادة ترتيب المشهد السياسي

تحمل زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس «أبو مازن» إلى القاهرة دلالات سياسية تتجاوز إطار اللقاءات الرسمية، في ظل تصاعد التمدد الإسرائيلي داخل الأراضي الفلسطينية، واستمرار المحاولات الإسرائيلية لإحداث تغييرات ميدانية وسياسية تستهدف إجهاض إقامة الدولة الفلسطينية. وتأتي الزيارة في وقت ترفض فيه إسرائيل الانسحاب من قطاع غزة، ولا تبدي استعداداً لتنفيذ خطوات واضحة ضمن خارطة الطريق التي اقترحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بينما تستمر الانتهاكات الإسرائيلية رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار.
ويرى الباحث أحمد المالكي، رئيس مركز شؤون دولية باللغة العربية للدراسات السياسية والإعلامية، أن إسرائيل لم تلتزم فعلياً بوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وأن الجرائم الإسرائيلية لم تتوقف، في وقت تصر فيه حكومة الاحتلال على تبرير بقائها داخل القطاع بذريعة سلاح حركة حماس. إلا أن استمرار الوجود الإسرائيلي، وفق هذه القراءة، يكشف عن هدف يتجاوز مسألة السلاح إلى محاولة تثبيت واقع احتلالي جديد في غزة، بما يحول دون استكمال أي مسار سياسي يقود إلى الانسحاب وإعادة إعمار القطاع وتهيئة الظروف أمام قيام الدولة الفلسطينية.
وأوضح المالكي، في تصريحات لـ"النهار" أنه في الضفة الغربية، يتواصل التصعيد من خلال دعم الاحتلال لتحركات المستوطنين واعتداءاتهم على الفلسطينيين وممتلكاتهم وأراضيهم، بالتوازي مع استمرار مشاريع الاستيطان التي تستهدف تقسيم الضفة الغربية وفصلها عن القدس. أما في القدس، فتتواصل اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى، في مشهد يرى المالكي أنه لا يمثل استفزازاً للشعب الفلسطيني وحده، وإنما يشكل اعتداءً على المقدسات الإسلامية وتهديداً لمكانة القدس في الوعي العربي والإسلامي.
القاهرة والقضية الفلسطينية
وتأتي زيارة الرئيس الفلسطيني إلى القاهرة في ظل استمرار الدور المصري في متابعة تطورات القضية الفلسطينية، إذ يؤكد المالكي أن مصر تنظر إلى القضية باعتبارها قضية مركزية، وأن حلها يمثل مدخلاً أساسياً لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط. وتبقى القاهرة حريصة على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع القيادة الفلسطينية ومختلف الفصائل، والعمل على تقريب وجهات النظر وتوحيد الصف الفلسطيني في مواجهة التحديات المتزايدة.
ويكتسب التنسيق المصري الفلسطيني أهمية خاصة مع اقتراب الانتخابات الفلسطينية التشريعية، حيث ترى القاهرة، بحسب الباحث السياسي، أن مشاركة مختلف أطياف الشعب الفلسطيني في العملية الانتخابية يمكن أن تسهم في تحريك المشهد السياسي وإنهاء حالة الجمود التي استمرت لفترة طويلة. ومن هنا، فإن زيارة أبو مازن تمثل فرصة لبحث آخر التطورات في الأراضي الفلسطينية، إلى جانب مناقشة مستقبل النظام السياسي الفلسطيني والاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
ولا يقتصر التحرك المصري على الاتصالات مع القيادة الفلسطينية، بل يمتد إلى محاولة التأثير في مواقف الاحتلال والوسطاء الدوليين والإقليميين، بهدف دفع إسرائيل نحو الانسحاب من غزة والسماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع. كما تسعى القاهرة إلى الضغط لوقف اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، ومنع تحويل الفلسطينيين إلى وقود للصراعات والانتخابات الإسرائيلية، فضلاً عن التصدي للاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى والانتهاكات التي تطال المقدسات الإسلامية.
مصر وعمقها العربي
ويبين المالكي أن زيارة الرئيس الفلسطيني إلى القاهرة تؤكد، في دلالاتها السياسية، استمرار الدور المصري في دعم القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن القاهرة بقيت من أبرز العواصم العربية انخراطاً في الملف الفلسطيني، سواء على مستوى الاتصالات السياسية أو المساعي الإنسانية. ويظهر ذلك، وفق رؤيته، في دعم الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، إلى جانب المبادرات المدنية والإنسانية المصرية، ومنها مبادرة «زاد العزة» من مصر إلى غزة.
ويضع الباحث السياسي هذا الدور في إطار أوسع يعتبر مصر «بيت العرب الكبير»، بما يجعلها معنية بالقضايا العربية سواء عبر جامعة الدول العربية أو خارج أطرها الرسمية. ويشير في هذا السياق إلى استمرار دعم القاهرة للحقوق الفلسطينية في المحافل الدولية، وصولاً إلى قمة مجموعة بريكس الثامنة عشرة، التي صدر عنها بيان تضمن إدانة للجرائم الإسرائيلية والمطالبة بالحقوق الفلسطينية المشروعة وفق القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
وتكشف هذه التحركات، بحسب المالكي، عن ارتباط السياسة المصرية تجاه فلسطين برؤية تعتبر أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وغياب أفق سياسي واضح. ولذلك تواصل القاهرة التنسيق مع الأطراف الفلسطينية والعربية والدولية، في محاولة لخلق مسار يؤدي إلى وقف التصعيد، وحماية الفلسطينيين، وإعادة فتح الطريق أمام حل سياسي يضمن الحقوق الفلسطينية.
الانتخابات وإعادة ترتيب المشهد
وتكتسب مسألة الانتخابات الفلسطينية أهمية إضافية في ظل المرحلة السياسية الراهنة، خصوصاً مع الحاجة إلى إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية على قاعدة مشاركة مختلف القوى والتيارات. ويشير المالكي إلى أن الانتخابات يمكن أن تمثل فرصة لإعادة تحريك الحياة السياسية الفلسطينية، شرط أن تجري في إطار يسمح بمشاركة مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني، وألا تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام أو تكريس واقع سياسي يخدم الاحتلال.
كما أن التواصل المصري مع القيادة الفلسطينية يكتسب أهمية في ظل التحولات المتسارعة على الأرض، خصوصاً مع استمرار إسرائيل في تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي في الضفة الغربية والقدس، ومحاولاتها تثبيت وجودها في قطاع غزة. وبالتالي، فإن أي مسار انتخابي فلسطيني لا ينفصل عن المعركة السياسية الأوسع المتعلقة بمستقبل الأراضي الفلسطينية وحدود الدولة ومصير القدس وقطاع غزة.
وفي هذا السياق، تبدو القاهرة معنية بالحفاظ على الحد الأدنى من التوافق الفلسطيني، باعتباره عاملاً ضرورياً في مواجهة الضغوط الإسرائيلية والدولية، وفي الوقت نفسه منع تحول الانقسام الداخلي إلى عامل إضافي يسمح للاحتلال بفرض وقائع جديدة على الأرض. ومن هنا تأتي أهمية التنسيق بين مصر والسلطة الفلسطينية ومختلف القوى الفلسطينية خلال المرحلة المقبلة.
فلسطين في قلب القاهرة
ويشدد أحمد المالكي على أن زيارة محمود عباس إلى القاهرة تعكس استمرار مركزية القضية الفلسطينية في السياسة المصرية، في وقت تواجه فيه الأراضي الفلسطينية تحديات متزامنة تبدأ من استمرار العمليات والانتهاكات الإسرائيلية، ولا تنتهي عند مشاريع الاستيطان وتغيير الواقع في الضفة الغربية والقدس ومحاولات تثبيت الاحتلال في غزة.
ويعتبر المالكي أن القاهرة ستواصل العمل مع الأشقاء الفلسطينيين والعرب، ومع الوسطاء والحلفاء والشركاء الدوليين، من أجل الضغط على إسرائيل للانسحاب من قطاع غزة، وإدخال المساعدات الإنسانية، ووقف اعتداءات المستوطنين، وحماية المقدسات الإسلامية، مع الدفع في الوقت نفسه نحو إعادة إطلاق المسار السياسي.
وبحسب هذه الرؤية، فإن مصر لا تتعامل مع فلسطين باعتبارها ملفاً خارجياً عابراً، وإنما باعتبارها قضية مرتبطة مباشرة بأمنها القومي واستقرار المنطقة وبالامتداد العربي لمصر. ولذلك ستظل القضية الفلسطينية، وفق المالكي، حاضرة في أجندة القاهرة السياسية والدبلوماسية، وصولاً إلى إقامة الدولة الفلسطينية وتحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

