لماذا تتوقف إسرائيل تماماً في «كيبور»؟.. قراءة في صعود التيارات الدينية

في مساء 20 سبتمبر، سيتغير شكل إسرائيل بالكامل. ستغلق المحال أبوابها، وتتوقف حركة السيارات، وتفرغ الشوارع من زحامها المعتاد. تل أبيب سيخيم عليها الصمت. ففي عيد الغفران تتحول إسرائيل إلى بيت أشباح، وفق تحليل للدكتور محمد عبود، أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة عين شمس.
«يوم كيبور» هو أقدس أيام السنة في العقيدة اليهودية. يوم يعلن فيه اليهود التوبة، وحساب النفس، وطلب المغفرة، ويصومون قرابة 25 ساعة، ويمتنعون عن العمل، وتتوقف مظاهر واسعة من الحياة العامة، وفق تحليل «عبود».
وأكد أن طلب المغفرة في هذا اليوم له حدود واضحة، فلا يشمل، بطبيعة الحال، طلب المغفرة من الفلسطينيين عن حرب الإبادة، ولا حساب عسير للنفس أمام الدماء الفلسطينية التي سالت وما تزال نتيجة بطش الاحتلال. وهنا تكمن المفارقة بين طقس ديني يقوم على التوبة وطلب الصفح، وواقع سياسي وعسكري يستمر فيه تقـتيــل الفلسطينيين وتدمير حياتهم.
بمناسبة عيد الغفران، نشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» استطلاعا للرأي يكشف تفاصيل ذات دلالة تقف وراء هذا المشهد. 61% يعتزمون الصيام في يوم الغفران، و96% من أصحاب السيارات لا ينوون القيادة في هذا اليوم، بينما يعتزم 46% الصلاة في المعبد، و51% التبرع للجمعيات الخيرية، وفق الدكتور محمد عبود.
العلمانيون، كذلك، لن يخرجوا تماما من دائرة التأثير الديني. 34% ينوون الصيام، و92% لن يقودوا سياراتهم، وهنا المفارقة. قد لا يذهب العلماني إلى المعبد، وقد لا يصوم، لكنه لا يتعامل مع يوم الغفران كيوم عادي، سينام، أو يقرأ، أو يتمشى في الشوارع، أو يلتقي أصدقائه، لكنه سيترك سيارته في مكانها احتراما لقدسية اليوم.
وأكد أن هذه المعطيات حول يوم الغفران تقودنا إلى التحول الأوسع الذي تشهده إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، الدين يتوغل في مفاصل الحياة العامة، وإسرائيل التي ارتبطت صورتها طويلا بالعلمانية، تشهد صعودا متزايدا للتيارات الدينية والقومية. الأحزاب الدينية أصبحت قوة مركزية في السياسة، والرموز الدينية أكثر حضورا في المجال العام، كما ازداد تداخل الدين مع القضايا العسكرية ومع صـراعـات الأرض والاستيطان والهوية.
وأكد أن هذا لا يعني أن المجتمع الإسرائيلي أصبح متدينا بالكامل، فالاستطلاع نفسه يكشف الفجوة بين المتدينين والعلمانيين. لكن الاتجاه الواضح أن الوجه الديني لإسرائيل أصبح أكثر حضورا، والوجه القومي اليميني يتقدم معه في المشهد السياسي والاجتماعي: «بطبيعة الحال، سيمر يوم الغفران كما مر سنويا دون أن يسأل الإسرائيليون أنفسهم الأسئلة المهمة، من يتحمل مسؤولية الـدم الفلـسطيني؟ وهل يغفر لهم الرب إجـرامـهـم بحق ضحايـاهـم؟».

