النهار
جريدة النهار المصرية

رئيس التحرير

أسامة شرشر يكتب: دوامة باب المندب

النائب أسامة شرشر - رئيس تحرير جريدة النهار
-

يعيش المواطن المصرى والعربى في دوامة بين ما يجرى من ارتفاع أسعار البترول والغاز ومشتقات الطاقة فى البورصة العالمية، وعدم وجود حلول فى اللحظات الصعبة، ويبن ما يجرى من حروب وصراعات فى المعابر والمضايق البحرية العالمية، خاصة مضيق هرمز ومضيق باب المندب. 

وأعتقد أن البداية كانت لعبة صهيونية بدأت على يد اليمين المتطرف الإسرائيلى وضع السيناريو الخاص بها نتنياهو لتنفيذ المؤامرة والمشروع الصهيونى ووضع المنطقة العربية كلها فى دوامة لتحقيق حلم إسرائيل الكبرى، وقام المايسترو ترامب بإطلاق أول طلقة على الشعب الإيرانى والحضارة الإيرانية لتنفيذ المخطط الصهيونى الإسرائيلى وإحياء حلم إسرائيل الكبرى (من النهر إلى البحر) و(من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب). 
ومن هنا يعيش العالم فى دوامة الصراعات والحروب والإبادة للشعوب العربية، فعندما يلتقى النتنياهو الشيطان الأصغر بترامب الشيطان الأكبر يلعبان (لعبة جهنم) ويحرقان العالم والشعوب لتحقيق مصالحهم وإنشاء إمبراطوريتهم الوهمية التى تحكم العالم. 
ولكن ما حدث وما جرى فى مضيق هرمز ومضيق باب المندب كان مفاجأة لترامب والنتنياهو، خاصة بعد سيطرة الميليشيات الحوثية على 4 جزر إستراتيجية تتحكم فى المدخل الجنوبى للبحر الأحمر لتسيطر سيطرة فعلية على باب المندب ليعيش العالم دوامة جديدة الآن تُسمَّى (دوامة باب المندب)، وأصبحت إيران بذراعها «الحوثى» حجر عثرة أمام هذه الأحلام التوسعية، خاصة أن الميليشيات الحوثية لم تكن فى الحسابات الأمريكية والإسرائيلية على الإطلاق، ولكنها تمكنت من إسقاط القناع عن الوهم الأمريكى الإسرائيلى، وأصبحت المنطقة بأسرها على حافة بركان يمكن أن ينفجر فى أى لحظة وفى أى اتجاه، ويمكن أن يغلق كل المعابر والمضايق، وأصبحت لعبة السيطرة على المضايق والمعابر والبحار والمحيطات هى لعبة ترامب ونتنياهو الجديدة، وعندما ارتدت فى وجوههم سقط المخطط الصهيونى فى مضيق باب المندب ومضيق هرمز. 
ولقد نبهت وحذرت كثيرًا من (مسمار جحا) الذى وضعته إيران عند مدخل البحر الأحمر متمثلًا فى الحوثيين، الذين يمكنهم الآن تهديد الملاحة البحرية المارة من مضيق باب المندب بإشارة من إيران، وهو ما يؤثر على حوالى ربع اقتصاد العالم الذى يمر عبر البحر الأحمر. 
ورغم تأجيلها لأجل غير مسمى، فإن المبادرة العمانية الخليجية بحضور العراق، للوصول إلى تفاهمات مع إيران، والتى تلعب فيها قطر دورًا محوريًا، كانت مبادرة مهمة لمحاولة نزع فتيل المواجهة العسكرية التى ستدمر المنطقة إذا حدثت
سواء قبل التجديد النصفى للانتخابات الأمريكية أو قبل نهاية نتنياهو فى الانتخابات التى ستجرى فى أكتوبر القادم لأنه يرقص رقصة الذبيح قبل سقوطه النهائى؛ فهو الذى خطط لتدمير المنطقة تحت أوهام اليمين المتطرف والدولة اليهودية.
وكما قلت مرارًا وتكرارًا للحرس الثورى الإيرانى: (إنه فى بعض الأزمات والمحن يجب أن تركب سيارة عدوك حتى تحافظ على حضارة الشعب الإيرانى الذى يسبق حضارة أمريكا بآلاف السنين) فالوقت ليس فى صالح إيران والمبادرة الخليجية الإيرانية كان يجب استثمارها استثمارًا عمليًا حقيقيًا لأن ترامب يتربص بأى تقارب إيرانى خليجى، ويجب أن يسود الآن صوت العقل والحكمة، ويعود مضيق هرمز كما كان من قبل ويعود شريانًا اقتصاديًا لإعادة الحياة للاقتصاد العالمى، وتكون عمان وقطر ومعهما العراق الشقيق قد دخلت التاريخ من أوسع أبوابه وجنّبت المنطقة العربية حربًا لا يعرف أحد متى تنتهى. 
أليس من الفطنة والذكاء أن نعبر بهذه الأزمة إلى بر أمان للشعوب العربية والإسلامية، ونحقق الأمان الاقتصادى للحفاظ على البترول الخليجى ومضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس؟
ومن هنا نكون قد نجحنا ولو مرة واحدة فى إسقاط المشروع الصهيونى أو بمعنى أدق مشروع ترامب- نتنياهو؛ حتى لا تدعو علينا الأجيال القادمة، لأن المخطط كان من خلال ما يُسمَّى التطبيع الإبراهيمى هو نسف القضية الفلسطينية وغزة والقدس والضفة الغربية والجنوب اللبنانى والعراق من الخريطة العالمية.. وما يجرى فى السودان يعتبر رسالة قوية جدًّا ومعه ما يجرى فى ليبيا! 
لقد نادت مصر من خلال الرئيس عبد الفتاح السيسى فى 2016 بضرورة إنشاء قوة عسكرية عربية مشتركة، تكون قوة ردع وسلام للمنطقة، فعندما تتوحد الإرادات والجيوش العربية يكون هناك حساب لهذا التكتل العربى الذى يمتلك كل أدوات ومقومات أن يكون لاعبًا رئيسيًا فى الملفات التى تخص العالم العربى والملفات الإقليمية بل والدولية. 
فإسرائيل وأمريكا تعتمدان الآن على استنزاف الدول العربية القوية والغنية فى صراعات بينها وبين بعضها البعض، أو بينها وبين أى دولة أخرى، والمستفيد الوحيد من وراء ذلك هو شركات السلاح الأمريكية والإسرائيلية، والمحصلة النهائية هى استنزاف خيرات الدول العربية فى حروب عبثية لا طائل من ورائها. 
فمتى نفيق ونستفيق من هذا الوهم وهذا الصراع العربى العربى.. وإذا نجحنا فى عبور هذه الأزمة الكونية سنحقق التعايش والتصالح فى المنطقة التى تعانى من أحداث لم تمر بها منذ رحيل الاستعمار.
لا بد أن نعترف بأن العالم لا يحترم إلا لغة القوة، وأمريكا لا تحترم إلا الأقوياء.. ولعبة الأمن المعلوماتى والسيبرانى ما هى إلا لعبة جديدة يريدون من خلال الذكاء الاصطناعى السيطرة على البقية الباقية فى العالم.
وأتساءل ويتساءل معى كل الوطنيين والمستقلين: أين الجامعة العربية من كل ما يجرى فى باب المندب وليبيا والسودان والعراق؟ نريد أن يكون لها دور حقيقى مثل الاتحاد الأوروبى الذى يقوم بدور حقيقى وفعال رغم اختلاف المكونات العقائدية واللغوية بين الدول الأوروبية الأعضاء به، بينما نحن ننقسم على أنفسنا ونصر على أن نكون تابعين أو محكومين بالإرادات الخارجية سواء الأمريكية أو الصهيونية. 
فهل نستفيق مرة واحدة قبل أن تحترق المنطقة بأسرها؟ 
سيحكى التاريخ أننا فعلنا ذلك بأيدينا، وكنا لقمة سائغة للأمريكان والغرب، واستعنا بهم لكى يدافعوا عنا فأصبحوا بقواعدهم ومصالحهم يسيطرون على خيراتنا وسنكون نحن أول من يغرق فى المستنقع إلى الأبد. 
فهل يستفيق العالم العربى والدولى من دوامة الأطماع ومحاولات الاستيلاء على نفط العرب على الطريقة الفنزويلية؟ 
وقبل أن يختطفونا إلى الأبد لا بد أن نستفيق أيها الحكام العرب والمسلمون. 

فهل من متعظ؟ 
وأوجه نداء للحوثيين فى اليمن: أنتم جزء من الشعب اليمنى ولستم غزاة أو مستعمرين؛ فلا تضيعوا الشعب اليمنى ذا الحضارة والتاريخ الذى نذكر له فى عمق التاريخ سبأ وسد مأرب، ولا تكونوا أداة إلا لشعبكم؛ فيجب أن يعود اليمن للحاضنة العربية بعد فك شفرات الانحياز لإيران أو أى طرف آخر، فإيران دولة إسلامية وجارة للدول العربية، ويجب أن تكون العلاقات العربية الإيرانية بدون وسيط أو أذرع؛ حتى نحافظ على الأرض والبحر والنهر ونُسقط المخطط الصهيونى إلى الأبد.. هذه فرصة استثنائية والتاريخ لن يرحم أحدًا.
وأنا أحذر عبدالملك الحوثى ألا يلعب بالنار ويتسبب فى تدمير الحضارة اليمنية على طريقة ترامب؛ فإما أن نعبر جميعًا إلى ضفة السلام والأمن الاقتصادى وأمن البشر فى العالم العربى والإسلامى وإما ستدخلون إلى مزبلة التاريخ. 
فدوامة باب المندب ستكون آخر قنديل زيت على أرض الحياة. 
وسنسقط جميعًا فى باب المندب ومضيق هرمز. 

فالتاريخ لن يرحم أحدًا، والأجيال القادمة ستحاسب الجميع.
اللهم بلغت.. اللهم فاشهد.