طلبات الإحاطة.. دفتر شكاوي بلا فاعلية

تُعد طلبات الإحاطة إحدى أهم الأدوات الرقابية التي يمتلكها البرلمان لمساءلة الحكومة وكشف أوجه القصور، لكنها في الوقت نفسه تثير جدلًا متجددًا حول تحول بعضها إلى وسيلة لنقل الشكاوى الخدمية من المواطنين إلى الوزراء والمسؤولين. وبينما يرى خبراء ونواب أن خدمة المواطنين جزء من الدور النيابي، يؤكدون أن معيار نجاح طلب الإحاطة لا يجب أن يكون عدد الطلبات، وإنما ما تتركه من أثر حقيقي على أداء الحكومة وحياة المواطنين.
طلب الإحاطة.. «أداة رقابية» وليست دفتر شكاوى
قال اللواء الدكتور رضا فرحات، نائب رئيس حزب المؤتمر وأستاذ العلوم السياسية، أن طلبات الإحاطة تمثل واحدة من أهم أدوات الرقابة البرلمانية، إلا أن قيمتها الحقيقية لا تقاس بعددها، وإنما بقدرتها على كشف أوجه القصور وتحريك الحكومة نحو حلول وإجراءات يمكن قياسها ومتابعتها.
ويؤكد فرحات فى تصريحات خاصة لــ " النهار " أن مناقشة الطلب تحت قبة البرلمان وتقديم المسؤولين ردودًا أو تطمينات لا ينبغي أن تكون نهاية المطاف، مشددًا على ضرورة وجود مسار يبدأ برصد المشكلة، ثم مساءلة الجهة التنفيذية، وينتهي بمتابعة تنفيذ ما تم التعهد به.
«النائب ليس مندوب خدمات»
وفي السياق ذاته، يرفض النائب الدكتور عصام خليل، رئيس حزب المصريين الأحرار وعضو مجلس الشيوخ، اختزال الدور النيابي في السعي وراء الخدمات الفردية، مؤكدًا أن طلب الإحاطة في جوهره أداة دستورية للرقابة وليس بديلًا عن مكتب شكاوى المواطنين.
ويقول خليل إن «النائب ليس مندوب خدمات، والوزير ليس صاحب مَنّة»، مؤكدًا أن المواطن يجب أن يحصل على حقه استنادًا إلى القانون، وليس لأنه تمكن من الوصول إلى نائب يستطيع طرق باب الوزير.
ويرى أن الرقابة الحقيقية لا تكتفي بالسؤال عن وجود مشكلة، وإنما تبحث عن أسبابها، والمسؤول عنها، وكيفية منع تكرارها، والمدة الزمنية اللازمة لحلها، وآليات محاسبة المقصر.
المشكلة ليست في الطلب.. وإنما فيما بعده
تتفق آراء النواب والخبراء على أن الاختبار الحقيقي لفاعلية طلبات الإحاطة يبدأ بعد انتهاء المناقشة البرلمانية.
ويؤكد خليل فى تصريحات خاصة لــ " النهار " أن حضور الوزير وتقديم إجابة أو وعد بالحل لا يعني انتهاء دور البرلمان، مشددًا على ضرورة وجود آلية لمتابعة ما تم الاتفاق عليه، ومراجعة نسب التنفيذ، والعودة إلى الملف حال عدم الالتزام.
هل كثرة طلبات الإحاطة تعني برلمانًا أقوى؟
يرى عصام خليل أن عدد طلبات الإحاطة لا يمكن أن يكون معيارًا منفردًا للحكم على قوة البرلمان، موضحًا أن طلبًا واحدًا قادرًا على تغيير سياسة أو تصحيح خلل قد يكون أكثر تأثيرًا من عشرات الطلبات التي تنتهي بإجابات مكتوبة دون تغيير ملموس.
ومن هنا، يطرح خليل مفهوم «برلمان صناعة السياسات» بدلًا من «برلمان رد الفعل»، بحيث لا يكتفي النائب بكشف المشكلة، وإنما يسعى إلى معالجة أسبابها ومنع تكرارها.
المواطن بين غياب المحليات ودور النائب
أما النائب محمد فؤاد، فيربط تحول جانب من العمل النيابي إلى استقبال الشكاوى الخدمية بغياب المجالس المحلية المنتخبة.
وأوضح فى تصريحات خاصة لــ " النهار " أن مشكلات الشوارع والمرافق والخدمات اليومية يفترض أن تجد طريقها إلى مستوى محلي منتخب، بينما يتفرغ النائب البرلماني بصورة أكبر للتشريع والرقابة على السياسات العامة وأداء الحكومة.
لكن في ظل غياب المحليات، يجد المواطن نفسه مضطرًا للجوء إلى النائب، كما يجد النائب نفسه أمام واقع يفرض عليه التعامل مع تلك الملفات، وبالتالي لا يمكن تحميل المواطن أو النائب وحدهما مسؤولية هذا الوضع.
من «شكوى مواطن» إلى قضية دولة
ويبقى الفارق الأساسي بين النائب الذي يؤدي دوره الرقابي والنائب الذي يتحول إلى «مندوب خدمات» في طريقة التعامل مع المشكلة.
فبحسب رؤية خليل، الاستماع إلى المواطن ونقل معاناته جزء أصيل من العمل النيابي، لكن الدور الأهم هو تحويل المشكلة الفردية إلى قضية عامة؛ فإذا كان مئات أو آلاف المواطنين يعانون المشكلة نفسها، فإن الحل لا يكون بالتدخل في كل حالة على حدة، وإنما بإصلاح القانون أو القرار أو آلية العمل التي تنتج المشكلة.
«ماذا تحقق بعد طلب الإحاطة؟»
في النهاية، لا تبدو المشكلة في طلبات الإحاطة نفسها، وإنما في طريقة استخدامها وما يحدث بعدها. فالأداة التي تبدأ بكشف الخلل يجب ألا تنتهي عند رد المسؤول أو رفع الجلسة.
وبينما يظل التواصل مع المواطنين جزءًا من وظيفة النائب، فإن قوة البرلمان تقاس بقدرته على تحويل الشكاوى إلى سياسات، والوعود إلى التزامات، والالتزامات إلى نتائج.

