7.5 طن «غاز صب» تكشف مسارًا للتلاعب.. محطات تعبث بمعايرة ماكينات التعبئة

يدفع المواطن 275 جنيهًا مقابل أسطوانة البوتاجاز المنزلية سعة 12.5 كيلوجرام، لكن وقائع رقابية شهدتها عدة محافظات تفتح سؤالًا يتجاوز السعر إلى ما يحصل عليه المواطن فعليًا: أين يذهب الفارق عندما يتم التلاعب في وزن الأسطوانة؟
السؤال لم يعد قائمًا على شكاوى فقط؛ فقد كشفت حملات رسمية وقائع تتعلق بالأوزان ومعايرة ماكينات التعبئة، وتكوين كميات من الغاز الصب خارج الرصيد، فيما أقرت وزارة البترول بإغلاق بعض شركات التعبئة الخاصة بسبب عدم الالتزام بالأوزان ومعايير الجودة.
7.5 طن تكشف مسار التلاعب
في دمياط، ضبطت مديرية التموين في فبراير محطة تعبئة وبخزاناتها 7500 كيلوجرام، أي 7.5 طن من الغاز الصب زيادة عن الرصيد بعد تعبئة الأسطوانات المنزلية والتجارية.
وبحسب الحملة، جرى تجميع الكمية بغرض بيعها في السوق السوداء نتيجة التلاعب بأوزان الأسطوانات، وتم تحرير محضر وإحالته إلى النيابة. وتكشف الواقعة كيف يمكن لفروق صغيرة في الأسطوانة الواحدة، عند تكرارها على نطاق واسع، أن تتحول إلى كميات كبيرة.
وفي الدقهلية، كشفت حملة مشتركة مع مصلحة الدمغة والموازين قيام إحدى محطات التعبئة بفض لواصق الأمان الخاصة بمعايرة ماكينات التعبئة والتلاعب بالأوزان المقررة للأسطوانات، واتُخذت الإجراءات القانونية.
«البترول» تقر بإغلاق شركات
وفي فبراير، أقرت وزارة البترول بأن تشديد الرقابة على شركات القطاع الخاص العاملة في تعبئة الأسطوانات أسفر عن إغلاق بعضها بالتعاون مع وزارة التموين، بسبب عدم الالتزام بالأوزان ومعايير الجودة، مؤكدة أن بتروجاس وهيئة البترول عوضتا الكميات التي كانت تنتجها الشركات المخالفة.
ولا تنتهي المخاطر عند محطة التعبئة؛ ففي القاهرة، ضُبطت في 1 سبتمبر سيارة تحمل 231 أسطوانة منزلية أثناء محاولة التصرف فيها، وفي اليوم التالي ضُبطت سيارة أخرى تحمل 400 أسطوانة في واقعة تهريب وتصرف غير قانوني.
وتكشف الوقائع ثلاث حلقات محتملة للخلل: التلاعب في الوزن داخل بعض محطات التعبئة، وتكوين فروق من الغاز الصب، ثم خروج أسطوانات عن مسار التوزيع الرسمي.
خبير: نصف كيلو قد يتحول إلى مئات الأطنان إذا تكرر
ويرى خبير شؤون البترول والطاقة إبراهيم التوني أن مواجهة التلاعب في أوزان أسطوانات البوتاجاز يجب ألا تقتصر على التفتيش العشوائي، وإنما تبدأ من محطة التعبئة نفسها، من خلال مطابقة كمية غاز الصب الداخلة مع عدد الأسطوانات الخارجة وأوزانها والفاقد التشغيلي المسموح به.
وأوضح التوني لـ«النهار» أن تكرار فروق محدودة في الوزن، حتى وإن بدت صغيرة في الأسطوانة الواحدة، يمكن أن ينتج عنه فارق كبير عند تكرارها على آلاف أو مئات الآلاف من الأسطوانات، وهو ما يجعل دقة المعايرة والمتابعة المستمرة عنصرًا أساسيًا في الرقابة.
ولتوضيح حجم هذا التأثير حسابيًا، يمكن تطبيق اختبار افتراضي بحت لا يعبر عن حجم المخالفات الفعلية على الكميات التي أعلنت وزارة البترول أنها تتجاوز مليون أسطوانة يوميًا خلال فترات ارتفاع الاستهلاك.
فإذا افترضنا، لأغراض الحساب فقط، نقص نصف كيلوجرام في مليون أسطوانة، فإن الفارق النظري يصل إلى 500 طن من البوتاجاز في يوم واحد.
وباحتساب سعر الأسطوانة المنزلية البالغ 275 جنيهًا مقابل 12.5 كيلوجرام، تبلغ القيمة الحسابية للكيلوجرام نحو 22 جنيهًا، بما يجعل نصف الكيلوجرام قرابة 11 جنيهًا؛ أي نحو 11 مليون جنيه في حالة افتراض تكرار النقص نفسه في مليون أسطوانة.
ولا يعني هذا الاختبار أن مليون أسطوانة ناقصة الوزن أو أن هذه قيمة خسائر فعلية، وإنما يوضح فقط، في ضوء ما أشار إليه التوني، كيف يمكن لفارق محدود في الأسطوانة الواحدة أن يتحول إلى كميات وقيم كبيرة إذا تكرر على نطاق واسع.
وأشار التوني إلى أن الربط الإلكتروني بين شركات البترول ومحطات التعبئة والمستودعات وأجهزة الرقابة يمكن أن يجعل أي فارق غير طبيعي ظاهرًا بصورة مبكرة، من خلال تسجيل كميات الغاز والأوزان ومواعيد التحميل والتسليم.
وشدد على أهمية إجراء اختبارات مفاجئة للأوزان ومراجعة معايرة ماكينات التعبئة، مؤكدًا في الوقت نفسه أن وجود كمية من غاز الصب خارج الرصيد لا يثبت تلقائيًا بيعها في السوق السوداء، وإنما يتطلب تحديد مصدر الفارق وكيف نشأ وتتبع مساره.
ويبقى السؤال: هل تستطيع منظومة الرقابة تتبع كل كيلوجرام من الغاز من محطة التعبئة وحتى المستهلك، أم تظل بعض الفروق قابلة للاكتشاف فقط بعد أن تتحول إلى أطنان؟

