ليست مجرد قمة اقتصادية.. 5 رسائل تحملها زيارة السيسي إلى نيودلهي

تحمل زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى نيودلهي، لرئاسة وفد مصر في قمة تجمع «بريكس»، دلالات تتجاوز المشاركة في قمة اقتصادية، إذ تأتي في وقت يشهد فيه النظام الدولي إعادة ترتيب لموازين القوى، بالتزامن مع أزمات سياسية واقتصادية متلاحقة تفرض على الدول البحث عن شراكات جديدة ومسارات أوسع للتعاون.
ويرى الدكتور حسام البقيعي، خبير العلاقات الدولية، أن المشاركة المصرية في قمة «بريكس» تعكس أهمية الدور الذي باتت تلعبه مصر داخل التجمع، وتؤكد توجه القاهرة نحو تعزيز حضورها في الأطر الدولية التي تجمع دولًا صاعدة وتمتلك ثقلًا اقتصاديًا وسياسيًا متزايدًا.
وأوضح البقيعي أن أهمية مشاركة مصر في «بريكس» لا ترتبط فقط بحجم التجمع، وإنما بما يوفره من مساحة لتطوير العلاقات الاقتصادية وتبادل الخبرات وفتح مجالات جديدة أمام التعاون بين الدول الأعضاء.
وأشار إلى أن مصر تستطيع من خلال هذا الإطار الاستفادة من خبرات الدول المشاركة في قطاعات متعددة، وفي مقدمتها الزراعة والصناعة والطاقة والتكنولوجيا، إلى جانب تعزيز فرص التعاون التجاري والاستثماري.
وأكد أن وجود مصر داخل تجمع يضم قوى اقتصادية مؤثرة يفتح أمامها مجالًا أوسع لتنويع علاقاتها الاقتصادية، بدلًا من الاعتماد على مسارات تقليدية محددة في التعاون والتمويل.
التمويل.. فرصة لتنويع مصادر الدعم
ولفت خبير العلاقات الدولية إلى أهمية بنك التنمية الجديد التابع لتجمع «بريكس»، باعتباره أحد الأدوات التي يمكن لمصر الاستفادة منها في توفير مصادر إضافية لتمويل المشروعات.
وأوضح أن تنويع مصادر التمويل يكتسب أهمية خاصة في ظل التحديات الاقتصادية العالمية، إذ يمنح الدولة خيارات أكبر في تمويل المشروعات التنموية، وفقًا لأولوياتها واحتياجاتها.
وبحسب البقيعي، فإن الاستفادة من هذه المؤسسات لا تتوقف عند الحصول على التمويل، وإنما يمكن أن تمتد إلى دعم مشروعات إنتاجية وتنموية تسهم في زيادة معدلات النمو وخلق فرص عمل.
التجارة بالعملات المحلية.. مسار جديد
وتطرق البقيعي إلى أحد الملفات المطروحة داخل «بريكس»، وهو تعزيز استخدام العملات الوطنية في التجارة بين الدول الأعضاء، موضحًا أن هذا التوجه يعكس رغبة لدى عدد من الدول في تنويع أدوات التعامل المالي وتقليل الاعتماد على العملات الأجنبية في بعض المعاملات.
ويرى أن هذا المسار يمكن أن يمنح الدول الأعضاء مساحة أكبر في إدارة تجارتها البينية، خاصة مع توسع العلاقات التجارية والاستثمارية بينها، وإن كان تطبيقه الكامل يحتاج إلى ترتيبات مالية واقتصادية متدرجة.
لماذا تأتي القمة في هذا التوقيت؟
وأشار البقيعي إلى أن توقيت انعقاد القمة يضيف أهمية أخرى للمشاركة المصرية، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وانعكاساتها على الاقتصاد العالمي، خاصة أسواق الطاقة وحركة التجارة والملاحة.
وأوضح أن أي اضطرابات في الممرات البحرية أو إمدادات الطاقة يمكن أن تنعكس على تكاليف النقل وأسعار السلع والطاقة، وهو ما يجعل قضايا أمن التجارة والطاقة جزءًا أساسيًا من الحسابات الاقتصادية للدول.
ومن هذا المنطلق، يرى أن وجود مصر في مثل هذه التجمعات يمنحها فرصة لطرح رؤيتها تجاه القضايا التي تمس أمن المنطقة والاقتصاد العالمي، خاصة في ظل الموقع الاستراتيجي الذي تتمتع به مصر ودورها في حركة التجارة الدولية.
مصر والهند.. العلاقة أكبر من «بريكس»
وأكد خبير العلاقات الدولية أن العلاقات المصرية الهندية لا تبدأ من «بريكس» ولا تنتهي عنده، وإنما تستند إلى تاريخ طويل من العلاقات السياسية والتعاون بين البلدين.
وأوضح أن الهند تمثل شريكًا مهمًا لمصر، مع وجود مجالات واسعة يمكن تطويرها في التجارة والاستثمار والصناعة والزراعة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وأشار إلى أن لقاءات القادة والتواصل السياسي المستمر يمكن أن يدفعا العلاقات الاقتصادية إلى مستويات أكبر، خاصة من خلال تشجيع الشركات الهندية على توسيع استثماراتها في السوق المصرية.
المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.. ورقة جذب للاستثمارات الهندية
ويرى البقيعي أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمثل إحدى أبرز الفرص أمام زيادة الاستثمارات الهندية في مصر، نظرًا لما تتمتع به من موقع استراتيجي واتصال بالأسواق وممرات التجارة العالمية.
وأوضح أن التوسع في الاستثمارات الهندية يمكن أن يحقق أكثر من هدف في الوقت نفسه، بداية من زيادة رؤوس الأموال والاستثمارات، مرورًا بنقل الخبرات والتكنولوجيا، وصولًا إلى توفير فرص عمل للمصريين.
وأشار إلى أن التجارب القائمة للاستثمارات الهندية في مصر، ومنها مشروعات في قطاع النسيج، تؤكد إمكانية توسيع التعاون الصناعي خلال الفترة المقبلة.
التكنولوجيا والسياحة.. ملفات قابلة للنمو
وأضاف أن التعاون بين مصر والهند يمكن أن يمتد بصورة أكبر إلى مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والاستفادة من الخبرات الهندية في القطاعات التكنولوجية الحديثة.
كما لفت إلى أن السياحة تمثل مجالًا آخر يمكن تطويره، من خلال العمل على جذب أعداد أكبر من السائحين الهنود إلى المقصد المصري، مستفيدين من العلاقات السياسية الجيدة والتقارب بين البلدين.
سياسة مصر.. شراكات متعددة لا تحالفات مغلقة
وفي قراءة أوسع، يرى البقيعي أن التحرك المصري تجاه «بريكس» والهند يأتي في إطار سياسة خارجية تقوم على تنويع الشراكات وعدم حصر العلاقات المصرية في اتجاه دولي واحد.
وأوضح أن مصر تسعى إلى الحفاظ على علاقات مفتوحة مع مختلف القوى الدولية، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على التحرك والتواصل مع أطراف متباينة، خاصة في الملفات والأزمات التي تحتاج إلى قنوات اتصال متعددة.
وأكد أن هذه السياسة تزداد أهميتها في ظل التوترات الإقليمية والدولية الحالية، لأنها تمنح القاهرة هامشًا أوسع للتحرك سياسيًا واقتصاديًا، وتسمح لها بالموازنة بين مصالحها الوطنية وعلاقاتها مع مختلف الشركاء.
المكسب الحقيقي.. تحويل العلاقات إلى نتائج
واختتم الدكتور حسام البقيعي حديثه بالتأكيد على أن القيمة الحقيقية لمشاركة مصر في «بريكس» لا تكمن في مجرد الحضور داخل التجمع، وإنما في قدرة القاهرة على تحويل هذه العضوية والعلاقات الدولية إلى نتائج ملموسة.
وأوضح أن زيادة الاستثمارات، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية، ونقل التكنولوجيا، وتبادل الخبرات، وتنشيط السياحة، وتوفير فرص العمل، كلها مسارات يمكن أن تتحول إلى مكاسب حقيقية إذا جرى استثمار العلاقات السياسية في مشروعات اقتصادية واضحة.

