النهار
جريدة النهار المصرية

مقالات

الصين ومصر: هل يمكن تحويل الرؤية الرباعية إلى معادلة جديدة لأمن الشرق الأوسط؟

مصر والصين
نوفل البرادعي -

بقلم: د. أحمد مصطفى

رئيس ومؤسس مركز آسيا للدراسات والترجمة – مصر

باحث أول غير مقيم – معهد فيينا الدولي لدراسات الشرق الأوسط (VIIMES)، فيينا – النمسا

القاهرة — يُعدّ المقترح الهام المكون من أربع نقاط أحد أبرز الإنجازات ذات الأثر الملموس للزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس "شي جين بينغ" إلى مصر. وهو مقترح—حال ترجمته من لغته الدبلوماسية إلى آليات عملية—من شأنه أن يمنح مصر والصين منصة جديدة للعمل المشترك بشأن إحدى أقدم القضايا في الشرق الأوسط: كيفية بناء الأمن دون العودة المتكررة إلى أتون الحرب.

وخلال محادثاته مع الرئيس عبد الفتاح السيسي في القاهرة يوم 2 سبتمبر، دعا "تشي" إلى إرساء هيكل أمني جديد في الشرق الأوسط يقوم على أربعة مبادئ أساسية: إطلاق العنان للمحركات الداخلية، وتعزيز النهج الشامل المتكامل، وترسيخ ركائز التنمية، وتعزيز التنسيق الدولي.

ولاشك أن توقيت هذه الدعوة يحمل أهمية بالغة؛ فـ الشرق الأوسط لم يعد مجرد مجموعة من الأزمات المنفصلة، بل أصبحت قضايا غزة، والمسألة الفلسطينية، وإيران، والخليج، والبحر الأحمر، وسوريا، وليبيا، والسودان تتداخل بشكل متزايد عبر خطوط الطاقة والتجارة والهجرة والأمن. والنتيجة هي منظومة إقليمية باتت فيها الأزمة في أي نقطة قادرة على التأثير السريع والحيوي على حركة الملاحة، وأسعار السلع، والحسابات السياسية في أماكن أخرى.

بالنسبة لمصر، لا يُعد هذا الأمر مجرد انشغال جيوسياسي نظري؛ فقناة السويس تظل واحدة من أهم الشرايين الملاحية للتجارة الدولية في العالم. ووفقاً لهيئة قناة السويس، فإن نحو 12% من إجمالي التجارة البحرية العالمية تعبر القناة تاريخياً. أما بالنسبة للصين، التي يعتمد اقتصادها بشكل كبير على أمن سلاسل الإمداد العالمية الطرق البحرية، فإن أمن مصر ومنطقة البحر الأحمر الموسعة يحمل أهمية اقتصادية مباشرة وملموسة للغاية.

وهذا ما يخلق تقارباً غير عادي بين القاهرة وبكين. إن النقطة الأولى من مقترح "تشي" والمتمثلة في إطلاق العنان للمحركات الداخلية يمكن أن تغدو أساساً لحوار مصري-صيني أكثر هيكلية وتنظيماً.

تتمتع مصر بما لا يمكن للصين إعادة إنتاجه بسهولة: عقود طويلة من الخبرة الدبلوماسية والأمنية والسياسية عبر العالم العربي، إلى جانب علاقاتها المتوازنة مع الكيان، والقيادة الفلسطينية، ودول الخليج، والدول الأفريقية، والقوى الدولية الكبرى. وفي المقابل، تمتلك الصين وزناً اقتصادياً ونفوذاً دبلوماسياً متزايداً يُكمل هذا الدور المصري. وقد أثبتت وساطتها الناجحة بين السعودية وإيران في عام 2023 أن بكين قادر، في بعض الأحيان، على فتح أبواب دبلوماسية طالما عانت الوساطة الغربية التقليدية لفتحها.

إن النهج المتكامل يحمل أهمية خاصة لمنطقة الشرق الأوسط؛ فالقضية الفلسطينية تظل هي الجوهر الأساسي لقضايا الشرق الأوسط، ولا ينبغي أبداً إهمالها أو تهميشها، كما أكد "تشي" صراحةً. وتاريخياً، لعبت مصر دور خط الدفاع الأول في المصالحة الفلسطينية، وجهود وقف إطلاق النار، والدبلوماسية الإنسانية. ويمكن للصين أن تضيف وزناً دبلوماسياً لهذه الجهود من خلال مقعدها الدائم في مجلس الأمن الدولي وعلاقاتها الواسعة عبر دول الجنوب العالمي.

ربما تكون النقطة الثالثة في مقترح الرئيس "تشي" هي الأكثر حسماً من الناحية الاقتصادية: ترسيخ ركائز التنمية.

وهنا تحديداً تتفوق العلاقات المصرية-الصينية على العديد من الشراكات الأمنية التقليدية؛ إذ لا تقتصر العلاقات الثنائية على مجالي الدفاع والدبلوماسية فحسب، بل تتسع بشكل متزايد لتشمل التصنيع، والطاقة، والتكنولوجيا الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والنقل، والبنية التحتية.

ويحتفل البلدان بمرور 70 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية في عام 2026، حيث أُقيمت العلاقات بينهما في عام 1956 عندما أصبحت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية. وقد تجاوز حجم التجارة الثنائية 17 مليار دولار، في حين أصبحت الاستثمارات الصينية ملموسة بشكل ملحوظ في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في مصر.

يمكن تحويل هذه العلاقة الاقتصادية إلى أصل أمني أوسع نطاقاً؛ فالمنطق بسيط: إن مجتمعاً شاباً يفتقر إلى فرص العمل، أو الكهرباء والماء الموثوقين، أو الفرص الاقتصادية، لا يشكل مجرد تحدٍ تنموي، بل هو تحدٍ أمني أيضاً.

أما العنصر الأخير من مقترح "شي" فيدعو إلى تعزيز التنسيق الدولي. وهنا يمكن لمصر أن تصبح الجسر الدبلوماسي الطبيعي للصين.

فالقاهرة هي قوة عربية وأفريقية ومتوسطية في آنٍ واحد، وعضو في تكتل "بريكس". وفي المقابل، تُعد الصين عضواً دائم العضوية في مجلس الأمن وإحدى القوى الاقتصادية الرئيسية في العالم. ومن ثم، يمكن لتنسيقهما أن يتجاوز نطاق العلاقات الثنائية ليمتد إلى أروقة الأمم المتحدة، وتكتل "بريكس"، ومنتدى التعاون العربي الصيني، وآليات التعاون الصيني الأفريقي.

تمتلك الصين ومصر بالفعل العلاقات السياسية، والترابط الاقتصادي، والثقة الدبلوماسية اللازمة لاختبار نموذج أكثر طموحاً.

وقد شهدت زيارة "شي" الأخيرة توقيع أكثر من 20 وثيقة تعاون شملت مجالات الاقتصاد الرقمي، والعلوم والتكنولوجيا، والتعليم، والنقل.

وينبغي أن تكون الخطوة التالية هي إضافة التعاون الأمني إلى هذا الهيكل الاقتصادي ليس بالدرجة الأولى عبر التسليح، بل من خلال الدبلوماسية، والتنمية، والأمن البحري، ومكافحة الإرهاب، والمرونة في مجالي الغذاء والطاقة، والوقاية من الأزمات.

بعد سبعين عاماً من إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، تجاوزت العلاقة بينهما الرمزية التقليدية لالتقاء حضارتين قديمتين كدولتين حديثتين.

إن الفرصة اليوم أكبر بكثير.

يمكن لمصر أن توفر الفهم الإقليمي والوصول الدبلوماسي، بينما يمكن للصين أن توفر الحجم الاقتصادي، والنفوذ السياسي، والرغبة في التفاعل عبر الكتل الإقليمية المتنافسة. وإذا استطاع البلدان تحويل مقترح "شي" ذي النقاط الأربع إلى مؤسسات ومشروعات ومبادرات قابلة للقياس، فقد تصبح شراكتهما أكثر من مجرد قصة نجاح ثنائية؛ فقد ظل الشرق الأوسط لعقود بحاجة إلى أمن لا يُبنى على الردع فحسب، بل على الحوار، والتنمية، والملكية الإقليمية للحلول.