النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

حرب الخرائط.. كيف تحاول واشنطن إعادة صياغة جغرافيا العالم؟

الخريطة المنشورة علي حساب ترامب
هالة عبد الهادي -

لم تعد الخرائط مجرد أوراق تحدد مواقع الدول والبحار والحدود، بل دخلت في قلب معركة سياسية جديدة تقودها واشنطن، بعدما تحول تغيير أسماء المعالم الجغرافية في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أداة تحمل رسائل تتجاوز الجغرافيا إلى النفوذ والسيادة وإعادة تشكيل الوعي بالمكان.

أحدث فصول هذه المعركة جاء مع بحيرة أونتاريو، التي تشترك فيها الولايات المتحدة وكندا، بعدما أصدر ترامب قرارًا بإعادة تسميتها "بحيرة أمريكا" في الاستخدام الفيدرالي الأمريكي، معتبرًا أن البحيرة تمثل موردًا مهمًا للاقتصاد والتجارة والأمن الأمريكي.

وبعد القرار، بدأت بعض خدمات الخرائط الرقمية داخل الولايات المتحدة في استخدام الاسم الجديد، بينما ظل اسم "بحيرة أونتاريو" مستخدمًا في كندا، ليصبح المسطح المائي نفسه أمام اسمين مختلفين بحسب الدولة التي ينظر منها المستخدم إلى الخريطة.

ولم تكن "بحيرة أمريكا" البداية، ففي يناير 2025 أصدر ترامب أمرًا بتغيير اسم خليج المكسيك إلى "خليج أمريكا" في الاستخدام الرسمي الأمريكي، كما أعاد اسم "جبل ماكينلي" بدلًا من "دينالي". وهكذا بدأت الأسماء الجغرافية تتحول إلى جزء من مشروع أوسع لإبراز الهوية الأمريكية وإعادة تقديم رموز المكان من منظور سياسي قومي.

لكن الأخطر ظهر مع مضيق هرمز في الفترة الأخيرة، عندما طرح ترامب تغيير اسمه إلى "مضيق ترامب"، في خطوة لا تتعلق بمسطح مائي أمريكي أو بمنطقة تخضع للسيادة الأمريكية، بل بممر استراتيجي يقع بين إيران وسلطنة عمان ويمثل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.

ورغم أن الاقتراح لم يغير الاسم المتداول دوليًا، فإن مجرد طرحه حمل رسالة سياسية شديدة الوضوح حول رغبة واشنطن في تأكيد حضورها ونفوذها في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.

ويرى خبراء في الجغرافيا السياسية أن هنا تظهر أهمية حرب الخرائط، فالخريطة التي تظهر للمواطن الأمريكي باسم "خليج أمريكا" أو "بحيرة أمريكا" تختلف عن الخريطة التي يراها المكسيكي أو الكندي، بينما تظل الأسماء التاريخية قائمة خارج الحدود الأمريكية.

كما يرون أن أسماء الأماكن ليست مجرد مصطلحات محايدة، وإنما ترتبط بالسيادة والهوية والذاكرة السياسية، ولذلك فإن إعادة تسميتها بقرارات رسمية يمكن أن تتحول إلى وسيلة لإرسال رسائل سياسية وإعادة صياغة صورة النفوذ الأمريكي.

وتزداد المفارقة مع قضية جرينلاند، فأصبحت الجزيرة جزءًا أساسيًا من خطابه الجيوسياسي، في محاولة لإعادة طرح موقعها على خريطة المصالح الأمريكية.

وفي أحدث تطورات هذه المعركة، انتقلت حرب الخرائط من مجرد تغيير أسماء المعالم إلى صورة أثارت أزمة دبلوماسية جديدة مع آيسلندا.

فقد نشر ترامب صورة لخريطة ظهرت فيها كندا وغرينلاند والمكسيك وآيسلندا، إلى جانب العلم الأمريكي، في مشهد أثار جدلًا واسعًا بسبب الطريقة التي ظهرت بها الدول والمناطق على الخريطة، وما يمكن أن تحمله الصورة من دلالات سياسية بشأن النفوذ الأمريكي وحدوده.

وأثارت الصورة اعتراضًا رسميًا في آيسلندا، حيث أعلنت وزارة الخارجية الآيسلندية، اليوم، أنها استدعت السفير الأمريكي لديها على خلفية المنشور.

وقالت الوزارة إنها أبلغت السفير بأن الصورة "غير لائقة على الإطلاق"، في رسالة تعكس حجم الحساسية التي أثارتها الخريطة، خصوصًا أن آيسلندا دولة مستقلة وليست جزءًا من الولايات المتحدة.

وتأتي هذه الخطوة في ظل سياق أوسع من التوترات المتعلقة برؤية ترامب الجيوسياسية لمنطقة شمال الأطلسي، وعلى رأسها جرينلاند، التي احتلت موقعًا بارزًا في خطاب الرئيس الأمريكي خلال الفترة الماضية، مع طرحه المتكرر لفكرة توسيع النفوذ الأمريكي هناك.

وبذلك لا تبدو واقعة آيسلندا مجرد صورة عابرة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل حلقة جديدة في سلسلة بدأت بتغيير أسماء الأماكن والمعالم، ثم امتدت إلى خرائط رقمية تعكس هذه التسميات داخل الولايات المتحدة، وصولًا إلى صور وخرائط تحمل دلالات تتعلق بحدود النفوذ الأمريكي ومجاله الجغرافي.

وهنا تظهر المفارقة بوضوح، فواشنطن تستطيع فرض أسماء جديدة داخل وثائقها الرسمية وقواعد بياناتها، ويمكن لشركات الخرائط أن تعكسها للمستخدمين الأمريكيين، لكنها لا تملك وحدها سلطة إجبار بقية العالم على التخلي عن الأسماء التاريخية المتداولة.

ومع دخول آيسلندا على خط الأزمة، تتحول المسألة من مجرد خلاف حول اسم بحيرة أو خليج أو جبل إلى سؤال أكبر يتعلق بحدود استخدام الخرائط كأداة سياسية: إلى أي مدى يمكن للدولة أن تعيد تعريف الأماكن من خلال خرائطها الرسمية؟ ومتى يتحول تغيير الاسم أو شكل الخريطة إلى رسالة تتعلق بالسيادة والنفوذ؟

وبذلك، تتحول معركة الأسماء إلى معركة أوسع على «من يملك حق تعريف المكان؟». فواشنطن تستطيع التأثير في الطريقة التي تظهر بها الجغرافيا داخل مؤسساتها ومنصاتها، لكنها لا تملك وحدها سلطة فرض رؤيتها على الخريطة العالمية، لتبقى الأسماء والحدود والرموز الجغرافية ساحة جديدة للصراع السياسي والدبلوماسي