اليابان.. شرارة المواجهة الكبرى بين الصين وروسيا وأمريكا؟

هل تتحول اليابان إلى نقطة الاشتعال الجديدة في صراع القوى الكبرى؟ سؤال لم يعد مجرد سيناريو بعيد، بعدما دخلت منطقة شرق آسيا مرحلة جديدة من التوتر العسكري، مع تصاعد التعاون بين طوكيو وواشنطن، وظهور منظومات صاروخية أمريكية متطورة على الأراضي اليابانية، في الوقت الذي تنظر فيه موسكو وبكين إلى التحركات الأمريكية باعتبارها محاولة لتوسيع النفوذ العسكري بالقرب من حدودهما ومصالحهما الاستراتيجية وخطر علي أمنهما القومي.
وجاء أحدث فصول التصعيد مع نشر منظومة الصواريخ الأمريكية "تايفون" في اليابان خلال تدريبات عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة وأستراليا، وهي الخطوة التي أثارت غضب موسكو ودفعتها إلى توجيه تحذيرات مباشرة إلى طوكيو، حيث تمثل تهديدًا لأمنها القومي، وحذرت من أنها ستتخذ إجراءات مضادة إذا تحول الانتشار المؤقت إلى وجود عسكري دائم.
وتزداد خطورة الخطوة بسبب طبيعة منظومة تايفون نفسها، التي تمنح القوات الأمريكية قدرة على إطلاق صواريخ بعيدة المدى من مواقع برية، وهو ما يضيف عنصرًا جديدًا إلى ميزان الردع في منطقة شديدة الحساسية، فبالنسبة لموسكو، القضية تتعلق باحتمال تحول اليابان إلى منصة متقدمة للقدرات الصاروخية الأمريكية في منطقة قريبة من الأراضي الروسية.
ومن هنا تنتقل الأزمة من موسكو إلى بكين، التي تراقب بدورها التحركات العسكرية الأمريكية واليابانية بقلق متزايد، خصوصًا أن اليابان تقع بالقرب من تايوان وبحر الصين الشرقي.
وترى الصين أن تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، إلى جانب تطوير القدرات الصاروخية اليابانية، يمثل تغييرًا في التوازن العسكري ويزيد الضغوط على أمنها القومي.
وفي الوقت نفسه، تشهد اليابان نفسها تحولًا لافتًا في سياستها الدفاعية، فطوكيو رفعت الإنفاق العسكري وطورت صواريخ بعيدة المدى وعززت انتشارها في الجزر الجنوبية الغربية القريبة من تايوان.
وتقول الحكومة اليابانية إن هذه الإجراءات ضرورية لمواجهة ما تعتبره تهديدات متزايدة من الصين وروسيا وكوريا الشمالية، بينما ترى بكين وموسكو أن اليابان تبتعد تدريجيًا عن عقيدتها الدفاعية التقليدية وتتحول إلى لاعب عسكري أكثر تأثيرًا في المنطقة.
وفي هذا السياق، يرى اللواء الدكتور سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي ومدير إدارة الشؤون المعنوية للقوات المسلحة الأسبق، أن التحركات العسكرية في شرق آسيا تأتي ضمن استراتيجية أمريكية أوسع لاحتواء الصين، محذرًا من أن أي أزمة حول تايوان يمكن أن تتطور إلى مواجهة إقليمية واسعة إذا دخلت أطراف دولية كبرى على خط الصراع.
وتزداد حساسية الموقف لأن اليابان تقع في قلب شبكة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من تايوان وبحر الصين الشرقي، وتمتد إلى كوريا الشمالية والجزر المتنازع عليها، وصولًا إلى الحسابات الروسية في المحيط الهادئ.
وهنا يظهر السؤال الأصعب: هل يمكن أن يتكرر في آسيا سيناريو شبيه بما حدث في أوكرانيا، من وجهة النظر الروسية، حيث ترى موسكو أن تمدد البنية العسكرية الغربية بالقرب من مجالها الحيوي يمثل تهديدًا لأمنها؟ لا توجد مؤشرات تسمح بالقول إن الحرب حتمية، لكن المؤكد أن سباق التسلح والتحالفات في شرق آسيا يضيق مساحة المناورة ويزيد احتمالات سوء الحسابات.

