حوار| «من قلب الخيام إلى لجان الامتحان».. عميد المعاهد الأزهرية بفلسطين يكشف لـ«النهار المصرية» كواليس امتحانات طلاب غزة

عميد المعاهد الأزهرية بفلسطين: كل الشكر والتقدير لمصر الشقيقة رئيساً وحكومة وشعباً وجيشاً وأزهراً
عميد المعاهد الأزهرية بفلسطين: مصر وفرت 3 حافلات لنقل طلاب غزة النازحين إلى لجان الامتحانات
حين تصبح قاعات الدراسة امتداداً لساحات العزة، ويتحول القلم في يد الطالب الفلسطيني إلى أداة لمقاومة الموت وبناء المستقبل؛ تفقد لغة الصحافة التقليدية الكثير من معانيها أمام هيبة الصمود.
ففي قطاع غزة، وتحت وطأة حرب قاسية دمرت الشجر والحجر واستهدفت تفاصيل الحياة كافة، لم تكن امتحانات الثانوية العامة للمعاهد الأزهرية مجرد محطة أكاديمية عابرة، بل كانت معمل ارتقاء وملحمة إنسانية فريدة خطها الطلبة بدموع الصبر وعزيمة لا تلين.
وللوقوف على كواليس هذه المعركة التعليمية، وكيف نجحت إدارة المعاهد في تدوير المستحيل وتوفير بدائل آمنة وسط ركام الحرب وتحذيرات الإخلاء، كان لـ«جريدة النهار المصرية» هذا الحوار الخاص مع فضيلة الأستاذ الدكتور علي رشيد النجار، عميد المعاهد الأزهرية في فلسطين، ليأخذنا في رحلة تفصيلية عبر دروب التحدي، والأمل، والوفاء لمصر والأزهر الشريف.
في ظل القصف المستمر والنزوح المتكرر، كيف تمكنتم من تنظيم لجان امتحانات الثانوية العامة؟ وما هي أبرز التعقيدات الأمنية التي واجهتكم؟
لم تكن إدارة هذه الامتحانات مجرد إجراء تنفيذي، بل كانت معركة صمود خاضها طلبتنا بعزيمتهم وإصرارهم على النجاح قبل أن نخوضها نحن في إدارة المعاهد الأزهرية بالتخطيط والبدائل.
لقد تجلت المعاناة الحقيقية في تفاصيل الحياة اليومية التي يعيشها الطلبة؛ والتي لم تكن مجرد تفاصيل يومية، بل كانت ملحمةً من وجعٍ لا يُطاق؛ طلابٌ مزّقت الحرب أرواحهم، فبين جريحٍ يصارع الألم، ومكلومٍ فقد أهله وأحبته، وحيٍّ تحولت ذكرياته وبيته إلى ركام ومع ذلك، رفضوا السقوط!
فمن قلب الخيام الممزقة، وفي قسوة البرد القارص وحرارة الصيف اللاهبة، وسط ظلامٍ دامس لا كهرباء فيه ولا ماء ولا دواء، صنعوا من المستحيل حياة. في العراء والخوف، لم يكسرهم العجز، بل أضاءوا عتمة اليأس بنور الهواتف الخافت، ومضوا يكتبون مستقبلهم بدموع الصبر، ليثبتوا أن بالعلم وحده تُهزم المحن.
ومن أبرز التعقيدات الأمنية التي واجهت العملية الامتحانية هي تحذيرات الإخلاء والنزوح المستمرة، إلى جانب التحدي الأكبر المتمثل في تأمين وصول الطلبة للقاعات الامتحانية في المواعيد المحددة. وفي ظل أزمة المواصلات الخانقة التي يعاني منها قطاع غزة، سارعت اللجنة المصرية إلى تلبية النداء وقدمت دعماً نوعياً للمعاهد الأزهرية بتوفير ثلاث حافلات لنقل الطلبة من مراكز نزوحهم في المحافظة الجنوبية والوسطى إلى مقر الامتحانات في المعهد الأزهري بغزة.
مع تدمير نسبة كبيرة من المدارس والبنية التحتية التعليمية، كيف تم تأمين قاعات بديلة وآمنة للطلبة والمراقبين؟
الحرب دمرت الشجر والحجر، لكنها لم تستطع أن تدمر إرادة الإنسان، فقد بحثنا عن كل مكان يمكن أن يحتضن أبناءنا، وهيأنا ما أمكن من القاعات الدراسية- وفق الإمكانات المتاحة- في المقر الرئيس بالجزء غير المدمر المتبقي من مبنى الإدارة العامة للمعاهد الأزهرية بمدينة غزة، بعد أن دمر الاحتلال مباني المعاهد الأزهرية بخانيونس والشمال وجزء من المبنى الموجود بغزة.
لم نستطع توفير بيئة مثالية بسبب شح الإمكانات والمواد، لكنها كانت كريمة وآمنة بالقدر الممكن، وكان همنا الأول أن يشعر الطالب بأن وطنه مازال قادراً على احتضان حلمه رغم الجراح.
كيف تم التعامل مع أزمة انقطاع الاتصالات والإنترنت لضمان وصول أوراق الأسئلة بأمان، وكذلك نقل الإجابات إلى مراكز التصحيح؟
كانت الاتصالات والكهرباء من التحديات الصعبة جداً في اجراء الامتحانات وجاهياً، فقد تسببت الحرب بأضرار جسيمة في شبكة الاتصالات (السلكية واللاسكلية) مما أدى إلى انقطاع الخدمة عن مناطق واسعة في قطاع غزة، وكان هذا تحديا كبيراً ، إلا أننا لم نيأس وقمنا بالتواصل مع شركة الاتصالات الفلسطينية- جوال وطلبنا منها تزويدنا بخط انترنت وخط كهرباء، ولم تتوان إدارة الشركة في مساعدتنا وكانت حريصة على إنجاح الامتحانات الوجاهية، حيث وجهت طواقمها وسخرت امكانياتها لتركيب خط انترنت وخط الكهرباء، ونجحت في ذلك بعد صعوبات جمة واستطاعت تركيب خط انترنت وكهرباء يعملان على مدار الساعة طيلة فترة الامتحانات.
كيف يمكن تقييم طالب درس تحت أصوات الانفجارات وفي خيم النزوح، بآخر عاش ظروفاً مستقرة؟ هل تم مراعاة هذه الفجوة في وضع الأسئلة أو آلية التصحيح؟
لا يمكن مقارنة التجربتين إنسانياً، لكن يمكن تحقيق العدالة تربوياً؛ لذلك رُوعيت الظروف الاستثنائية في بناء الامتحانات من خلال التركيز على الأساسيات والخطط الاستثنائية التي تم التوافق عليها بالتنسيق مع مشيخة الأزهر الشريف، فقد حرصنا جميعاً على إنصاف الطالب لا عن إرهاقه، وعن قياس ما تعلمه لا ما حُرِمَ منه.
وترجع آلية التصحيح وإصدار النتائج واعتمادها إلى مشيخة الأزهر الشريف بجمهورية مصر العربية.
هل تم إجراء أية تعديلات استثنائية على حجم المقررات الدراسية المطلوبة من الطلبة لتتناسب مع فترة الانقطاع الطويلة عن الدراسة؟
نعم تم التعامل مع المحتوى الدراسي بما ينسجم مع الواقع التعليمي الذي فرضته الحرب، مع الحفاظ على الحد الأدنى من الكفايات العلمية المطلوبة، ففلسفتنا واضحة؛ وهي حماية جودة التعليم.
ما هي الإجراءات المتخذة للطلاب الذين لم يتمكنوا من الوصول لقاعات الامتحان بسبب النزوح المفاجئ أو الإصابة؟ هل ستكون هناك دورات استثنائية (ملاحق) لهم؟
بالتأكيد لن نسمح بأن تضيع أحلام طالب بسبب ظرف فرضته الحرب، فكل حالة قهرية يتم التعامل معها وفق الأنظمة والتعليمات، والتنسيق مع الجهات المختصة لضمان حصول هؤلاء الطلبة على حقهم الكامل في استكمال مسيرتهم التعليمية.
جميع طلبة المعاهد وصلوا إلى قاعات الامتحانات بمساعدة اللجنة المصرية التي وفرت حافلات لنقل الطلبة من مكان نزوحهم بالجنوب إلى مقر لجان الامتحانات بالمعاهد الأزهرية بغزة؛ لأن الامتحانات مركزية.
العديد من الطلبة فقدوا أفراداً من عائلاتهم أو منازلهم قبل أو خلال فترة الامتحانات.. هل كان هناك أي بروتوكول لتقديم الدعم النفسي الفوري داخل اللجان؟
لقد كان المشهد مؤلماً إلى حد يصعب وصفه؛ فقد استقبلنا طلبة فقدوا آباءهم وأمهاتهم وبعض أجزائهم، وآخرين خرجوا من الخيام إلى قاعات الامتحان مباشرة؛ لذلك حرصت إدارات اللجان والمعلمون على أن يكونوا سنداً نفسياً لهم قبل أن يكونوا مراقبين؛ فربما لم تكن لدينا الإمكانات الكافية، لكن كانت لدينا إنسانيتنا وهي أغلى ما نملك.
ماذا يعني إصرار الطلبة على تقديم الامتحانات وسط هذه الظروف؟ وكيف ينعكس ذلك على رؤية المعهد لمستقبل التعليم في فلسطين؟
هذه ليست مجرد امتحانات، بل شهادة على أن الشعب الفلسطيني يرفض الاستسلام، فعندما يحمل الطالب قلمه تحت هدير الطائرات، فهو يقول للعالم أن المعرفة والعلم أقوى من الحرب، وأن المستقبل لا يُبنى بالسلاح وحده، بل بالعلم، هؤلاء الطلبة كتبوا صفحة مضيئة في تاريخ فلسطين.
ويُدرك المعهد أن الطلبة الذين انتزعوا حقهم في التعلم من قلب الخطر هم الأكثر قدرة على بناء مؤسسات الدولة المستقبليّة بكل كفاءة واقتدار؛ فالشدائد لا تصنع عقولاً متعلمة فحسب، بل تصنع قيادات عصيَّة على الانكسار.
بعد اجتياز هؤلاء الطلبة لهذه المرحلة الصعبة، ما هي خططكم أو تحركاتكم لضمان حصولهم على منح دراسية، سواء في الجامعات المحلية أو العربية والدولية؟
بالتأكيد نحن نعتبر أن دعم هذه الدفعة مسؤولية وطنية وعربية، فإننا نعمل على التواصل المستمر مع مشيخة الأزهر الشريف؛ لتوفير أكبر عدد ممكن من المنح، الذي لم يدخر جهداً لدعم طلبتنا في فلسطين، وبسبب إغلاق المعابر في هذا الوقت فقد اقتصرت المنح للطلبة على الجامعات المحلية.
هل تواصلتم مع مؤسسات تعليمية أو منظمات دولية لتخصيص مقاعد أو منح استثنائية لطلبة فلسطين هذا العام تقديراً لظروفهم القاهرة؟ وما هو حجم الاستجابة؟
التواصل فقط مع مشيخة الأزهر الشريف، لكن الظروف الاستثنائية وإغلاق المعابر أدى إلى التحاق الطلبة بالجامعات المحلية بغزة.
هل واجهتم أية عقبات تتعلق بالاعتراف الدولي أو الإقليمي بشهادات هذا العام نظراً للظروف الاستثنائية التي عُقدت فيها الامتحانات؟
المعاهد الأزهرية في فلسطين هي جزء أصيل من مشيخة الأزهر الشريف، والأزهر الشريف هو منارة العلم والعلماء، وصاحب الشهادات المعترف بها دولياً وعالمياً، والمعاهد الأزهرية في فلسطين تتبع لمشيخة الأزهر بجمهورية مصر العربية.
مع العلم بأن امتحانات المعاهد الأزهرية بغزة كانت وجاهياً ومركزياً، وبمساعدة اللجنة المصرية التي قامت بتوفير الحافلات للطلبة النازحين الذين يعيشون في الخيام لنقلهم من الجنوب إلى المعهد الأزهري بغزة.
وأخيراً أقول: كل الشكر والتقدير لمصر الشقيقة رئيساً وحكومة وشعباً وجيشاً وأزهراً..
وشكراً لفضيلة مولانا شيخ الأزهر الإمام الأكبر أ. د. أحمد الطيب- يحفظه الله- الداعم الأساسي للمعاهد الأزهرية بدولة فلسطين، ولفضيلة الشيخ أيمن عبد الغني- وكيل شيخ الأزهر.
وشكراً للجنة المصرية على مساعدتها للمعاهد الأزهرية بتوفير الحافلات من الجنوب لمعهد الأزهر بغزة ليتمكن الطلبة من تقديم الامتحانات وجاهياً ومركزياً في معهد الأزهر بمدينة غزة وشكراً لكل من ساعدنا في إنجاح مسيرة الدراسة والامتحانات الوجاهية.

