إسرائيل تتمسك بالبقاء في جنوب لبنان.. الانسحاب رهينة نزع سلاح حزب الله

لم يعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان مجرد بند أمني في التفاهمات بين بيروت وتل أبيب، بل تحول إلى واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في المسار التفاوضي الذي ترعاه الولايات المتحدة. فإسرائيل تربط إتمام انسحابها بنزع سلاح حزب الله، بينما تصر بيروت على استعادة كامل أراضيها، ويرفض حزب الله التخلي عن سلاحه قبل إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي.
وبذلك يجد جنوب لبنان نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: إسرائيل تقول إن الانسحاب مرتبط بنزع السلاح، وحزب الله يرفض نزع سلاحه قبل الانسحاب، فيما تحاول الدولة اللبنانية فرض انتشار الجيش وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.
وفي أغسطس الماضي، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس أن إسرائيل لن تسحب قواتها من جنوب لبنان قبل نزع سلاح حزب الله بالكامل. وجاء التصريح بعد انتقادات أميركية للموقف الإسرائيلي، وسط تأكيدات بأن واشنطن لا تريد أن يتحول الوجود الإسرائيلي في لبنان إلى وضع دائم. وتقول إسرائيل إن وجودها العسكري ضروري لمنع حزب الله من إعادة بناء قدراته بالقرب من الحدود وضمان أمن البلدات الإسرائيلية الشمالية.
لكن هذا الموقف يفتح سؤال حول مستقبل الوجود الإسرائيلي: إذا كان الانسحاب مشروطاً بتحقق هدف قد يستغرق وقت طويل، فمن يحدد متى تحقق نزع السلاح، ومن يضمن ألا يتحول الوجود العسكري المؤقت إلى وجود طويل الأمد؟
ولا تعني التطورات الحالية أن إسرائيل تسيطر على كامل جنوب لبنان. فالأدق القول إن الجيش الإسرائيلي يحتفظ بوجود عسكري وسيطرة على أجزاء ومواقع استراتيجية في الجنوب، بالتزامن مع عمليات عسكرية متكررة.
وفي مطلع سبتمبر، أعلنت إسرائيل إحكام سيطرتها على مرتفع علي الطاهر الاستراتيجي في جنوب لبنان، وقال الجيش الإسرائيلي إنه أزال مقاتلي حزب الله من شبكة أنفاق في المنطقة. كما تحدثت تقارير عن سيطرة إسرائيل على ما تصفه بـ«منطقة أمنية» في جنوب لبنان.
وتقوم التفاهمات التي ترعاها الولايات المتحدة بصورة أساسية على معادلة تجمع بين الانسحاب الإسرائيلي التدريجي، وانتشار الجيش اللبناني، ونزع سلاح حزب الله في المناطق الجنوبية. وبدأت بالفعل محاولات لتطبيق هذه الصيغة في مناطق محددة، بحيث يتزامن انسحاب القوات الإسرائيلية مع انتشار الجيش اللبناني ومصادرة الأسلحة التابعة لحزب الله.
لكن تنفيذ هذه المعادلة اصطدم بخلافات ميدانية وسياسية. ففي الوقت الذي تريد فيه إسرائيل ضمان إزالة التهديد العسكري لحزب الله قبل الانسحاب، ترى الحكومة اللبنانية أن استمرار الوجود الإسرائيلي يعقد مهمة الدولة في بسط سلطتها على الجنوب.
أما حزب الله فيرفض التخلي عن قدرته العسكرية في ظل استمرار وجود القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.
وهكذا أصبحت الأزمة تدور حول ترتيب الخطوات أكثر من الخلاف على المبدأ نفسه. إسرائيل تريد أن تتأكد من نزع سلاح حزب الله قبل الانسحاب الكامل أو بالتوازي معه، بينما يتمسك حزب الله بمعادلة معاكسة تقوم على إنهاء الوجود الإسرائيلي أولاً، ثم بحث مستقبل سلاحه.
أما الدولة اللبنانية فتسعى إلى تثبيت معادلة حصرية السلاح بيد الدولة وتعزيز دور الجيش في الجنوب.
وتحاول بيروت، في الوقت نفسه، إثبات قدرتها على تولي المسؤولية الأمنية في المناطق الجنوبية. وفي أغسطس، اتفقت لبنان وإسرائيل، وفق رويترز، على قائمة مختصرة لدول يمكن أن تشارك في التحقق من عملية نزع سلاح حزب الله ضمن الترتيبات التي ترعاها الولايات المتحدة.
إلا أن استمرار العمليات الإسرائيلية يجعل مهمة الجيش اللبناني أكثر صعوبة، خصوصًا في المناطق التي لم تنسحب منها إسرائيل. فالجيش مطالب ببسط سلطة الدولة من جهة، بينما تواصل إسرائيل التأكيد أن وجودها ضروري طالما بقي حزب الله قادراً على الاحتفاظ بالسلاح والبنية العسكرية.
ورغم وجود مسار تفاوضي، لم يتوقف التصعيد الميداني. فقد استمرت الضربات الإسرائيلية في مناطق جنوبية لبنانية، بالتزامن مع عمليات عسكرية وتوغلات، فيما أدت التطورات الأمنية إلى تعقيد جهود إعادة الإعمار وعودة السكان إلى المناطق المتضررة.
وتزداد حساسية الملف مع اقتراب نهاية مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، وهو ما يضيف عام جديد إلى النقاش حول مستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب.
وفي المقابل، شهد الملف بعض الخطوات المحدودة لبناء الثقة، من بينها الإفراج عن لبنانيين وسوريين في إطار ترتيبات توسطت فيها الولايات المتحدة والصليب الأحمر، إلا أن هذه الخطوات الإنسانية لم تؤد حتى الآن إلى اختراق جوهري في الخلاف حول الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح حزب الله.
وتبقى المعادلة الأكثر تعقيداً أن كل طرف يستخدم موقف الطرف الآخر مبررًا لتأجيل خطوته. إسرائيل تقول إن استمرار سلاح حزب الله يبرر بقاء قواتها، بينما يرى حزب الله أن استمرار الوجود الإسرائيلي يبرر احتفاظه بسلاحه، في حين تحاول الدولة اللبنانية كسر هذه الحلقة من خلال تعزيز انتشار الجيش وحصر السلاح بيد الدولة.
وبناءً على ذلك، لا يمكن وصف الوضع الحالي بأنه سيطرة إسرائيلية كاملة على جنوب لبنان، لكن من الواضح أن إسرائيل تحتفظ بوجود عسكري في أجزاء منه وتواصل عملياتها، في الوقت الذي تربط فيه الانسحاب الكامل بتحقيق شروط أمنية وسياسية تتعلق بحزب الله.
ويبقى مستقبل الجنوب مرتبط بقدرة الوسطاء على التوصل إلى آلية متزامنة تضمن الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، ونزع سلاح حزب الله. فإذا نجحت هذه الصيغة، فقد يفتح ذلك الطريق أمام استعادة الدولة اللبنانية سيطرتها الكاملة على الجنوب. أما إذا استمر الخلاف حول ترتيب الخطوات، فقد يطول أمد الوجود الإسرائيلي ويظل جنوب لبنان ساحة مفتوحة للتوتر والتصعيد.

