كيف يعيد اقتصاد الندرة في غزة تعريف قيمة الموارد؟ اقتصادي فلسطيني يجيب

قال الباحث الاقتصادي الفلسطيني أحمد أبو قمر إن حرب الإبادة على غزة لا تغيّر فقط ما يشتريه الناس، وإنما تغيّر قيمة الأشياء نفسها، موضحاً أن الشيء الذي كان يُرمى بالأمس قد يصبح اليوم مورداً، وأن القطعة التي كان استبدالها أمراً بسيطاً قد تتحول إلى سلعة يصعب العثور عليها. وأوضح أن هذا التحول يفسر صعود سوق الأسلاك المستعملة، التي أصبحت جزءاً من اقتصاد جديد فرضته الندرة ونقص الإمدادات.
وفي تصريحات لـ"النهار"، أشار أبو قمر إلى أن الأسلاك تمثل مثالاً واضحاً على هذا التحول، إذ تُستخرج من بين الأنقاض، وتُفرز بحسب نوعها وحالتها، ثم تُباع بالمتر. ومع صعوبة إدخال المستلزمات الكهربائية والإلكترونية إلى قطاع غزة، أصبح الإصلاح وإعادة الاستخدام جزءاً من إدارة الموارد اليومية في ظل غياب المنتجات الجديدة.
وأضاف أن هذه الظاهرة تكشف أكثر من مجرد نشاط تجاري صغير، لأنها تعكس انتقال السوق من الاستبدال إلى الإطالة، أي محاولة إطالة عمر كل قطعة ممكنة، سواء لأن تكلفة الحصول على البديل أصبحت مرتفعة، أو لأن البديل غير موجود أصلاً.
الأسلاك في اقتصاد الحرب
وأوضح أبو قمر أن قيمة بعض أنواع الأسلاك ارتفعت إلى ما بين 1.5 و8 شواكل للمتر، فيما قفزت أسعار بعض مستلزمات الصيانة بصورة أكبر بكثير. وفي الوقت نفسه، ظهرت مصادر دخل جديدة حول جمع الأسلاك وفرزها وإصلاحها، بينما وجد أصحاب المهن المتضررون من الحرب في أعمال الصيانة وسيلة محدودة لاستمرار الدخل.
ولفت إلى أن لهذه السوق حدودها ومخاطرها، إذ إن إعادة استخدام أسلاك أو شواحن غير مطابقة للمواصفات قد تؤدي إلى أعطال أو مخاطر كهربائية، خصوصاً في أنظمة الطاقة الشمسية والبطاريات. وشدد على أن سوق الأسلاك المستعملة ليست قصة عن الخردة، وإنما تعكس اقتصاداً يعيد تعريف قيمة موارده تحت الضغط.
وأكد أن تعطل سلاسل الإمداد يجعل الإصلاح بديلاً عن الاستبدال، والمستعمل بديلاً عن الجديد، فيما يتحول ما كان هامشياً إلى مورد اقتصادي. وتكمن المفارقة، بحسب أبو قمر، في أن الاقتصاد الذي ينشأ من الركام لا يعكس تعافياً بقدر ما يعكس قدرة الناس على تحويل النقص إلى وسيلة للبقاء.
اقتصاد الندرة يتسع
وفي السياق نفسه، أوضح أبو قمر أن تحول المسمار الذي كان يباع بثمن زهيد إلى سلعة مرتفعة الكلفة، أو تحول زيت السيارات من منتج متوفر إلى مادة يصعب العثور عليها، يكشف عن تغير في طبيعة السوق نفسها. وقال إن هذه الأمثلة الصغيرة تكشف عن «اقتصاد الندرة»، حيث تصبح المشكلة الأساسية هي محدودية شديدة في العرض وعدم انتظام الإمدادات مقارنة بالاحتياجات الفعلية للسكان.
وأضاف أن دخول مئات الشاحنات إلى قطاع غزة قد يبدو مؤشراً على تحسن تدفق السلع، إلا أن عدد الشاحنات وحده لا يكفي للحكم على حالة السوق، مشدداً على أن الأهم هو معرفة ماذا تحمل هذه الشاحنات، وما الكميات التي تدخل، وما إذا كانت السلع تصل بصورة منتظمة.
وأشار إلى أنه في الاقتصاد المستقر يستطيع التاجر مواجهة النقص المؤقت من خلال المخزون أو تنويع الموردين، أما في غزة فإن اضطراب سلاسل التوريد، وفرض أتاوات «التنسيقات»، وارتفاع تكاليف النقل والتخزين، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية، تجعل النقص أكثر حدة وأطول تأثيراً.
النقص يغير السوق
وحذر أبو قمر من أن الأخطر يتمثل في امتداد أثر اقتصاد الندرة من ارتفاع سعر سلعة معينة إلى كفاءة الاقتصاد ككل، موضحاً أنه عندما ينشغل التاجر والمستهلك بالبحث عن الأساسيات وتأمينها، تتراجع القدرة على التخطيط والاستثمار، ويصبح رأس المال أكثر ميلاً إلى تخزين السلع بدلاً من توجيهه إلى أنشطة إنتاجية.
ولفت إلى أن الندرة المؤقتة يمكن مع مرور الوقت أن تتحول إلى سلوك اقتصادي دائم، تُبنى عليه قرارات الشراء والتسعير والتخزين، وهو ما يؤدي إلى زيادة تكلفة النشاط الاقتصادي حتى عندما تتحسن بعض ظروف الإمداد.
وأوضح أن سلوك المستهلك يتغير أيضاً مع استمرار الندرة، فيُصلح ما كان يستبدله، ويعيد استخدام ما لديه، ويخزن ما يستطيع، ويبحث عن بدائل حتى لو كانت أقل كفاءة. وبهذا المعنى، لا تعود الندرة مجرد نقص عابر في السلع، وإنما تصبح عاملاً يعيد تشكيل أنماط الاستهلاك والتجارة وإدارة الموارد داخل السوق.
سلاسل الإمداد أولاً
وأكد أبو قمر أن معالجة الأزمة تتطلب ضمان استمرارية الإمدادات، وتنوع السلع، وانسيابها بين المناطق، ووقف الأتاوات، وتقليل تكاليف النقل والوساطة، وتحسين شفافية التوزيع. ويرى أن هذه الإجراءات لا ترتبط فقط بتوفير السلع الأساسية، وإنما تمتد إلى استعادة قدرة السوق على العمل بصورة أكثر انتظاماً وتقليل الآثار طويلة المدى لاقتصاد الندرة.
وبحسب الباحث الاقتصادي الفلسطيني، فإن ما يحدث في غزة يعكس اقتصاداً يتكيف قسراً مع واقع نقص الإمدادات واضطراب سلاسل التوريد وتراجع القدرة الشرائية، بحيث تتحول عمليات الإصلاح وإعادة الاستخدام وجمع الموارد من بين الأنقاض إلى أدوات للبقاء ومصادر دخل محدودة.
ويخلص أبو قمر إلى أن ارتفاع قيمة الأسلاك المستعملة، وصعوبة الحصول على بعض المستلزمات، وتغير سلوك المستهلك، ليست ظواهر منفصلة، وإنما حلقات مترابطة في اقتصاد فرضته الحرب والندرة. فحين تتعطل سلاسل الإمداد، يعاد تعريف قيمة الموارد، ويتحول المستعمل إلى بديل عن الجديد، والإصلاح إلى بديل عن الاستبدال، بينما يصبح استمرار تدفق السلع وتنظيم السوق شرطاً أساسياً لتجنب تحول الندرة المؤقتة إلى بنية اقتصادية دائمة.

