النهار
جريدة النهار المصرية

اقتصاد

هل تحتاج مصر إلى قانون صناعي جديد؟ خبير يجيب

المستشار أحمد عدلي
محمد الأطروش -

تعمل مصر على توسيع قاعدة الإنتاج المحلي، ودعم الصادرات، واستقطاب المزيد من الاستثمارات الصناعية، إلى جانب توطين التكنولوجيا وتعزيز سلاسل الإمداد. ولا يتوقف الوصول إلى هذه الأهداف على توفير التمويل والأراضي والحوافز فقط، بل يرتبط كذلك بوجود منظومة تشريعية وتنظيمية واضحة ومستقرة، تتيح للمستثمر توقع القواعد وآليات تطبيقها.

وتتحرك الصناعة المصرية حاليًا في إطار تشريعي واسع يشمل قواعد الاستثمار والتراخيص والبيئة والعمل والضرائب والجمارك والمواصفات، فضلًا عن حماية المنافسة والملكية الفكرية وغيرها من المجالات المرتبطة بالنشاط الصناعي.

ويفتح ذلك الباب أمام تساؤل رئيسي حول مستقبل التشريع الصناعي في مصر: هل تحتاج الدولة إلى إصدار قانون صناعي جديد يجمع القواعد المنظمة للقطاع في إطار واحد، أم أن الأولوية تتمثل في توحيد وتبسيط وربط المنظومة التشريعية والتنظيمية الحالية؟

الصناعة منظومة قانونية متكاملة

وقال أحمد عدلي، المستشار القانوني الأسبق لمجلس الوزراء الإماراتي، إن الصناعة لا تقتصر على وجود المصانع وخطوط الإنتاج، وإنما تمثل منظومة قانونية متكاملة تبدأ منذ اتخاذ قرار الاستثمار.

وأوضح أن المشروع الصناعي يمر بعدة مراحل، تبدأ بقرار الاستثمار وتخصيص الأرض واستخراج التراخيص، ثم إدخال الآلات والمعدات، وتوفير العمالة والطاقة، والالتزام بالاشتراطات البيئية، وصولًا إلى عمليات الإنتاج والتوزيع والتصدير.

وأشار إلى أن كل مرحلة من هذه المراحل قد ترتبط بقواعد مختلفة أو تتطلب التعامل مع جهات تنظيمية متعددة، وهو ما يطرح إحدى القضايا المهمة أمام المستثمر الصناعي، وهي ما إذا كان الوقت قد حان لبحث إصدار «قانون صناعي جديد».

وأكد أن القضية لا تتعلق فقط بما ينص عليه القانون، وإنما بمدى سهولة معرفة المستثمر للقواعد التي تحكم نشاطه، وقدرته على توقع الطريقة التي سيتم بها تطبيق هذه القواعد، موضحًا أن ذلك يمثل جوهر مفهوم اليقين القانوني.

ولفت إلى أن قانون الاستثمار رقم 72 لسنة 2017 يعد أحد الأطر الرئيسية المنظمة للاستثمار في مصر، إلى جانب المنظومة الخاصة بتراخيص المنشآت الصناعية وما يرتبط بها من قواعد وإجراءات.

وأضاف أن قانون تيسير إجراءات منح تراخيص المنشآت الصناعية رقم 15 لسنة 2017 يمثل بدوره خطوة مهمة على طريق تبسيط إجراءات الترخيص الصناعي، إلا أن التطورات المتلاحقة التي يشهدها القطاع تفرض ضرورة المراجعة المستمرة لمدى كفاءة هذه المنظومة.

المستثمر يبحث عن وضوح الإجراءات

وأوضح عدلي أن المستثمر الصناعي لم يعد يبحث فقط عن وجود الحوافز، وإنما يريد إجابات واضحة عن عدد من الأسئلة العملية، من بينها المدة التي يستغرقها الحصول على الترخيص، والمستندات المطلوبة، والجهات التي يتعين التعامل معها، والمتطلبات البيئية والفنية، وتكلفة الالتزام بالقواعد، فضلًا عن آليات التظلم وتسوية النزاعات.

وأكد أن زيادة وضوح هذه الإجابات تسهم بصورة مباشرة في جعل البيئة الاستثمارية أكثر جاذبية، لأن المستثمر يحتاج إلى معرفة المتطلبات التي سيواجهها قبل ضخ أمواله في مشروع طويل الأجل.

وتساءل عدلي عما إذا كانت المشكلة الأساسية تكمن في تعدد القوانين أم في تعدد الإجراءات، موضحًا أن اختزال القضية في عدد التشريعات قد لا يكون دقيقًا، إذ يمكن أن تعمل قوانين متعددة بكفاءة طالما كانت الاختصاصات محددة والإجراءات مترابطة.

وفي المقابل، فإن تعدد الجهات والإجراءات والمتطلبات المتداخلة يمكن أن يؤدي إلى زيادة تكلفة الامتثال على المستثمر، حتى مع وجود تشريعات جيدة من حيث الصياغة. لذلك، يرى أن النقاش حول إصدار قانون صناعي جديد يجب ألا يبدأ بالسؤال عن عدد القوانين المطلوبة، وإنما بالسؤال الأهم: هل تحتاج الصناعة المصرية إلى تشريع جديد، أم إلى إعادة هندسة للمنظومة التشريعية والتنظيمية الموجودة بالفعل؟

اليقين يسبق الحوافز

وأكد أن المصنع يحتاج إلى الحوافز، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى اليقين، مشيرًا إلى أن الحوافز الضريبية والاستثمارية تؤدي دورًا مهمًا في جذب الاستثمارات الصناعية، لكنها لا تستطيع تعويض غياب الاستقرار التشريعي والتنظيمي.

وأوضح أن المستثمر الصناعي يضخ أموالًا في مشروعات طويلة الأجل، وقد يستغرق استرداد رأس المال وتحقيق العائد المستهدف عدة سنوات، وبالتالي فإن أي تغيير غير متوقع في القواعد أو الإجراءات أو الالتزامات يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على قرارات الاستثمار.

وأشار إلى أن قابلية التنبؤ بالقواعد التشريعية والتنظيمية أصبحت عنصرًا أساسيًا من عناصر القدرة التنافسية للصناعة المصرية، لأن المستثمر يحتاج إلى رؤية واضحة تمكنه من التخطيط لنشاطه على المدى الطويل.

التحول الرقمي جزء من الإصلاح

وشدد عدلي على ضرورة وصول التحول الرقمي إلى منظومة التنظيم الصناعي، مؤكدًا أن بناء صناعة حديثة لا يتناسب مع استمرار الاعتماد على إجراءات تقليدية.

وأوضح أن التحول الرقمي يجب ألا يقتصر على أتمتة تقديم الطلبات، بل ينبغي أن يشمل تبادل البيانات بين الجهات المختلفة، وتوحيد المستندات، ومتابعة إجراءات التراخيص، وربط قواعد البيانات، والحد من مطالبة المستثمر بتقديم المعلومات نفسها بصورة متكررة، إلى جانب زيادة الشفافية في الإجراءات.

وأضاف أن التكنولوجيا يمكن أن تتحول في هذه الحالة من مجرد وسيلة لتطوير الأداء الإداري إلى أداة لإصلاح المنظومة التشريعية والتنظيمية نفسها.

الإطار القانوني ودعم الصادرات

وقال إن استهداف مصر زيادة صادراتها يتطلب أن ينظر الإطار القانوني المنظم للصناعة إلى المصنع باعتباره جزءًا من الاقتصاد العالمي، وليس مجرد منشأة تنتج للسوق المحلية.

وأوضح أن المصنع المصدر يحتاج إلى بيئة تساعده على استيراد مدخلات الإنتاج بكفاءة، والالتزام بالمواصفات والمعايير المطلوبة، وحماية حقوق الملكية الفكرية، وإبرام العقود الدولية، والتعامل مع قواعد التجارة الدولية، فضلًا عن توفير آليات فعالة لتسوية المنازعات التجارية العابرة للحدود.

وأكد أن تنافسية الصناعة المصرية ترتبط، ولو جزئيًا، بجودة الإطار القانوني والتنظيمي الذي تعمل الشركات والمصانع في ظله، ومدى قدرته على تسهيل الإنتاج والتجارة وتقليل الأعباء غير الضرورية.

هل تحتاج مصر إلى قانون صناعي جديد؟

وحول الحاجة الفعلية إلى إصدار «قانون صناعي جديد»، قال أحمد عدلي إن هذا السؤال يستحق الدراسة، لكن الإجابة لا تعني بالضرورة إصدار قانون شامل جديد يحل محل جميع الأطر القائمة.

وأوضح أن البديل الأكثر فاعلية قد يتمثل في بناء إطار تشريعي صناعي متكامل يعيد تنظيم العلاقة بين القوانين والجهات والإجراءات المختلفة، ويحدد بصورة واضحة دورة حياة المشروع الصناعي منذ تأسيسه وحتى بدء الإنتاج والتصدير.

وأشار إلى أن هذا الإطار يمكن أن يشمل تحديد الاختصاصات، وتبسيط الإجراءات، والتحول الرقمي، وضمان استقرار القواعد، وتسريع إجراءات التظلم، وحماية الاستثمار، وتعزيز القدرة التنافسية للصادرات.

وأكد أن القيمة الحقيقية لأي قانون صناعي لا ينبغي أن تقاس بعدد مواده، وإنما بمدى قدرته على تقليل حالة عدم اليقين، وخفض تكلفة الامتثال، ورفع القدرة التنافسية للمصنع المصري.

الصناعة أمام فرصة تاريخية

وأكد عدلي أن الصناعة المصرية تقف أمام فرصة مهمة للانتقال من مجرد زيادة الطاقة الإنتاجية إلى بناء قاعدة صناعية أكثر قدرة على المنافسة والاستدامة، وأكثر اندماجًا في الاقتصاد العالمي.

وأوضح أن تحقيق هذه النقلة يتطلب ما هو أبعد من الحوافز والتمويل، إذ تحتاج الصناعة كذلك إلى بيئة توفر قدرًا مرتفعًا من اليقين القانوني والتنظيمي.

وأضاف أن المرحلة الحالية قد تكون مناسبة لفتح نقاش مؤسسي واسع حول مستقبل التشريع الصناعي في مصر، وما إذا كانت الأولوية لإصدار قانون صناعي جديد أم لبناء منظومة أكثر تكاملًا ووضوحًا للقوانين القائمة.

وأشار إلى أن الهدف في الحالتين يجب أن يكون واحدًا، وهو تحويل القانون إلى شريك في بناء المصنع المصري وتطوير قدرته التنافسية، وليس مجرد مجموعة من الإجراءات التي يتعين على المصنع التعامل معها.