النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

من التجارة إلى الإنتاج.. كيف أعادت زيارة شي جين بينج تشكيل الشراكة الاقتصادية مع مصر؟

الرئيس المصري ونظيره الصيني
هالة عبد الهادي -

أعادت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر رسم ملامح المرحلة الجديدة من الشراكة الاقتصادية بين القاهرة وبكين، مع انتقال التركيز من مشروعات البنية التحتية التقليدية إلى الاستثمار الصناعي، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والتمويل، بما يفتح أمام الاقتصاد المصري فرصًا لزيادة الإنتاج والتصدير وجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية.

وجاءت الزيارة، التي تعد الأولى للرئيس الصيني إلى مصر منذ عشر سنوات، بالتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، لتضع الأساس أمام مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي. 

التصنيع والاستثمار.. النتيجة الأبرز

من أبرز النتائج الاقتصادية للزيارة هي تعزيز الاستثمارات الصناعية، في ظل توجه البلدين إلى توسيع التعاون في التصنيع وسلاسل الإمداد، بما يدعم تحول مصر إلى قاعدة إنتاجية للشركات الصينية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة مع تجاوز الاستثمارات الصينية في مصر 10 مليارات دولار، ووجود أكثر من 3 آلاف شركة صينية في السوق المصرية، وفق التصريحات التي سبقت الزيارة.

وتتمثل أهمية هذا التوجه بالنسبة لمصر في إمكانية تحويل الاستثمارات الصينية من مجرد تدفقات رأسمالية إلى طاقات إنتاجية جديدة، بما يعني زيادة فرص العمل، ورفع القيمة المضافة المحلية، ونقل التكنولوجيا، وفتح أسواق تصديرية أمام المنتجات المصنعة داخل مصر.

وتزداد أهمية هذه النتيجة مع وجود المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي يمكن أن تمنح الشركات الصينية منصة للإنتاج والتصدير إلى أسواق أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.

وترى الدكتورة عالية المهدي، أستاذة الاقتصاد وعميدة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية السابقة بجامعة القاهرة في تصريحات لها، أن زيارة الرئيس الصيني تؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات المصرية الصينية، تقوم على توسيع الشراكة الاقتصادية وتعزيز التعاون في القطاعات الإنتاجية والصناعات الحديثة.

وتعتبر المهدي أن نقل مشروعات وتكنولوجيات متطورة إلى السوق المصرية يمكن أن يمثل نقلة نوعية في مسار التنمية الاقتصادية، ويدعم التوسع في الصناعات الجديدة والمتطورة داخل مصر.

وتبرز هنا أهمية الاتفاقات التي تم توقيعها خلال الزيارة، والتي شملت التعاون الاقتصادي والفني، والتعاون الصناعي وسلاسل الإمداد، إلى جانب مذكرة تفاهم بشأن التعاون في تكنولوجيا المعلومات ومذكرة أخرى مرتبطة بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس. وتضع هذه الاتفاقات إطارًا عمليًا لتوسيع الشراكة في القطاعات الإنتاجية والتكنولوجية. 

التمويل ومبادلة العملات.. دعم حركة التجارة والاستثمار

ووفق تقارير نُشرت فإن من النتائج المهمة للزيارة تعزيز التعاون المالي بين البلدين، خاصة في ظل تجديد اتفاق مبادلة العملات المحلية ورفع قيمته إلى 30 مليار يوان لمدة ثلاث سنوات.

كما يمنح الاتفاق البنوك المركزية إطارًا أكبر لتوفير السيولة بالعملتين ودعم حركة التجارة والاستثمار بين مصر والصين، مع إمكانية تقليل الاعتماد على عملات وسيطة في جانب من المعاملات التجارية. 

وتكمن أهمية هذه الخطوة بالنسبة لمصر في توفير أداة إضافية لتسهيل التجارة مع أحد أكبر شركائها التجاريين، لكن أثرها الحقيقي يظل مرتبطًا بقدرة القاهرة على زيادة صادراتها إلى السوق الصينية، فالتعاون المالي يمكن أن يسهل حركة التجارة، لكنه لا يعالج بمفرده الاختلال في الميزان التجاري ما لم يصاحبه نمو في الإنتاج والصادرات المصرية.

وتكشف أرقام التجارة عن حجم التحدي، فقد بلغ حجم التجارة الثنائية نحو 20.7 مليار دولار بنهاية عام 2025، بينما سجلت الصادرات المصرية إلى الصين نحو 840.8 مليون دولار خلال النصف الأول من 2026، مقابل واردات بلغت نحو 10.4 مليار دولار خلال الفترة نفسها.

ويعني ذلك أن إحدى أهم النتائج المطلوبة من المرحلة الجديدة هي تغيير هيكل التجارة، بحيث لا تقتصر العلاقة على تدفق المنتجات المصنعة من الصين إلى مصر، وإنما تشهد زيادة أكبر في الصادرات المصرية. 

الذكاء الاصطناعي.. مكسب يتجاوز التجارة التقليدية

ولا تقف نتائج الزيارة عند الاستثمار والتجارة، إذ برز التعاون التكنولوجي والرقمي باعتباره أحد المسارات الجديدة في العلاقات المصرية الصينية، خصوصًا في مجالات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والحوسبة السحابية وتكنولوجيا المعلومات.

وفي هذا السياق، يقول الدكتور محمد حجازي، خبير التشريعات الرقمية والرئيس السابق للجنة التشريعات والقوانين بوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في تصريحات نُشرت له ، إن الزيارة تحمل أبعادًا اقتصادية وتكنولوجية متزايدة الأهمية، خصوصًا مع تصاعد المنافسة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة.

ويرى حجازي أن تنفيذ مشروعات مشتركة مع الجانب الصيني لإنشاء مراكز البيانات ومراكز المعلومات ومنشآت الحوسبة السحابية في مصر يمكن أن يعزز موقعها كمركز إقليمي للبيانات، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومرور أكثر من 18 كابلًا بحريًا للإنترنت عبر أراضيها، تربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

ويشير حجازي إلى أن المكسب الأكبر لمصر يتمثل في الانتقال من مجرد كونها نقطة عبور للبيانات إلى استضافة البيانات ومعالجتها وتخزينها محليًا، بما يرفع القيمة الاقتصادية للبنية التحتية الرقمية.

كما يرى أن التعاون مع الشركات الصينية يمكن أن يفتح المجال أمام نقل تقنيات متطورة، وتوفير رقائق ومعالجات حديثة، إلى جانب نقل الخبرات وتطوير مهارات الكوادر المصرية.

وهنا تتجاوز نتيجة الزيارة مفهوم الاستثمار التقليدي، فنجاح مصر في جذب مشروعات الحوسبة ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي يمكن أن يضيف قطاعًا جديدًا إلى الاقتصاد، ويعزز قدرة البلاد على تقديم خدمات رقمية ذات قيمة مضافة، بدلًا من الاقتصار على كونها نقطة عبور للاتصالات والبيانات.

النتيجة الأهم.. هل تتغير طبيعة العلاقة التجارية؟

رغم تعدد النتائج الاقتصادية للزيارة، يظل التحدي الأساسي أمام مصر هو تحويل هذه الاتفاقات والتفاهمات إلى نتائج ملموسة على مستوى الإنتاج والصادرات.

فالمكسب الحقيقي لا يتمثل فقط في زيادة الاستثمارات الصينية أو توسيع حجم التجارة، وإنما في أن تؤدي هذه الاستثمارات إلى إنشاء قدرات إنتاجية جديدة داخل مصر، وزيادة المكون المحلي، ونقل التكنولوجيا، وفتح أسواق خارجية أمام المنتجات المصرية.

ومن هذه الزاوية، تبدو زيارة شي جين بينج أقرب إلى نقطة انطلاق لإعادة تشكيل العلاقة الاقتصادية بين البلدين.

فالقاهرة تحتاج إلى الاستثمار والتكنولوجيا والأسواق، بينما تبحث الشركات الصينية عن قواعد إنتاج جديدة تتمتع بموقع جغرافي متميز وأسواق واسعة، وهو ما يجعل مصر مرشحة للاستفادة من هذا التقاطع، خصوصًا عبر قناة السويس والمنطقة الاقتصادية التابعة لها.

وبالتالي، فإن النتيجة الاقتصادية الأهم للزيارة ليست مجرد توقيع اتفاقيات جديدة، وإنما إعادة توجيه الشراكة المصرية الصينية نحو التصنيع والتكنولوجيا والتصدير.

وإذا تحولت الاتفاقات الموقعة إلى مشروعات إنتاجية فعلية، فقد تساعد الشراكة الصينية مصر على زيادة القيمة المضافة المحلية، وخلق فرص عمل، وتحسين قدرتها التصديرية، وتعزيز موقعها داخل سلاسل الإمداد الإقليمية.

وفي النهاية، سيكون الاختبار الحقيقي لنتائج الزيارة خلال السنوات المقبلة، عندما تتحول الاتفاقات إلى مصانع ومشروعات وتكنولوجيا وصادرات، فكلما زادت قدرة مصر على جذب استثمارات صينية موجهة للإنتاج، وليس الاستيراد فقط، أصبح التعاون مع بكين أكثر قدرة على دعم النمو الاقتصادي وتحسين هيكل التجارة، لتنتقل العلاقات بين البلدين من مرحلة "التجارة والمشروعات" إلى مرحلة "الإنتاج والتصدير والتكنولوجيا".