خبير عسكري: إيران تجاوزت استغلال نجاحها في هرمز ودفعت العالم لمواجهتها

قال الدكتور سيد غنيم، زميل كلية الحرب العليا وأستاذ زائر في حلف شمال الأطلسي والأكاديمية العسكرية الملكية ببروكسل، إن التحركات الدولية الأخيرة بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز تعكس تحولًا متزايدًا في طريقة التعامل مع إيران، معتبرًا أن طهران تجاوزت حدود استغلال نجاحها في استخدام قدراتها وأوراق الضغط البحرية، بما دفع أطرافًا دولية كانت مترددة إلى تبني خطوات عملية لمواجهتها.
وأشار غنيم إلى أن كوريا الجنوبية تدرس خيارات عسكرية وغير عسكرية لدعم حرية الملاحة في مضيق هرمز، من بينها نشر طائرة دورية بحرية وسفينة دعم لوجستي وقدرات لإزالة الألغام، بالتنسيق المحتمل مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا.
وأضاف أن هذا التحرك تزامن مع إعلان وزير الخزانة الأمريكي انضمام الاتحاد الأوروبي رسميًا إلى عملية «المنبوذ الاقتصادي» دعمًا لجهود الضغط على الاقتصاد الإيراني، بالتزامن مع ما وصفه بالمزاعم الإيرانية بشأن زرع ألغام بحرية إضافية في المضيق ردًا على عمليات إزالة الألغام الأمريكية.
تحول في العقيدة الكورية
وأوضح غنيم، في منشور عبر حسابه بمنصة "فيسبوك"، أن التحرك الكوري الجنوبي المحتمل يعكس، في تقديره، تغيرًا جوهريًا في العقيدة الاستراتيجية لسيول، التي لم تعد تكتفي بموقف حذر أو محايد تجاه أزمات الممرات البحرية، وإنما تتجه إلى الانخراط ضمن إطار دولي متعدد الأطراف لحماية أمنها الطاقوي وضمان استمرار تدفق إمدادات الطاقة.
ورأى أن هذا الانخراط يمنح كوريا الجنوبية وزنًا إضافيًا باعتبارها طرفًا قادرًا على المساهمة في تأمين ممرات الطاقة العالمية، مشيرًا إلى أن الخطوة تمثل استثمارًا جيوسياسيًا مزدوجًا بالنسبة إلى سيول.
وأوضح أن كوريا الجنوبية تسعى من جهة إلى ضمان استمرار تدفق النفط والغاز وتجنب الارتهان مستقبلًا لأزمات الشرق الأوسط، بينما تستخدم من جهة أخرى مشاركتها في ترتيبات الأمن الدولي باعتبارها رسالة قوة إلى كوريا الشمالية وحلفائها، تؤكد أن قدراتها ومكانتها تتجاوزان الحدود التقليدية لشبه الجزيرة الكورية.
هرمز في الحسابات الآسيوية
وأشار غنيم إلى أن الربط بين تأمين مضيق هرمز والحسابات الأمنية المرتبطة بكوريا الشمالية يضع سيول أمام مواجهة استراتيجية مع بيئات وتحالفات إقليمية واسعة، الأمر الذي يستدعي مراقبة تداعيات التحرك الكوري على المستوى الميداني والاقتصادي.
ولفت إلى أن تكاليف التأمين البحري وأسعار الطاقة في الأسواق الآسيوية ستكون من أبرز المؤشرات التي يمكن من خلالها قياس فعالية الدور العسكري الكوري الجديد ومدى الثقة التي يمكن أن يولدها في استقرار الممرات الاستراتيجية.
وأكد أن أي اضطراب طويل في الملاحة عبر المضيق لن ينعكس على دول المنطقة وحدها، وإنما يمكن أن يمتد تأثيره إلى الاقتصادات الآسيوية المرتبطة بصورة كبيرة بتدفقات الطاقة عبر الممرات البحرية الرئيسية.
اتساع دائرة الضغط
ويرى غنيم أن التحرك الكوري الجنوبي المحتمل، بالتوازي مع التحرك الأوروبي، يؤدي إلى توسيع نطاق الجهود الدولية المتعلقة بأمن الملاحة، بعدما كانت هذه الجهود تتركز بدرجة أكبر على الدول الغربية والخليجية الرئيسية.
وأوضح أن الاتحاد الأوروبي يتحرك، من خلال انضمامه إلى عملية «المنبوذ الاقتصادي»، على المسار المالي والاقتصادي بهدف زيادة الضغط على طهران، في حين تفتح سيول مسارًا أمنيًا وعمليًا لحماية حركة الملاحة في المضيق.
وأضاف أن الجمع بين الضغط الاقتصادي الأوروبي والحضور العسكري الكوري يشير، بحسب رؤيته، إلى اتجاه نحو بناء استراتيجية دولية أكثر تنسيقًا تستهدف تقليص قدرة إيران على استخدام إمدادات الطاقة والممرات البحرية باعتبارها أدوات ضغط.
خطأ إيراني في الحسابات
وقال غنيم إن التحركات الدولية الأخيرة لا يمكن تفسيرها فقط باعتبارها نتيجة للضغوط الأمريكية، معتبرًا أن طريقة إيران في إدارة الأزمة وإفراطها في ممارسة الضغط على الأطراف الدولية أسهما أيضًا في دفع جهات كانت مترددة، مثل كوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي، إلى الانخراط بصورة أكثر مباشرة.
وأوضح أن ما وصفه بـ«محدودية تقدير الموقف وسوء استغلال النجاح» أدى إلى نتائج عكسية بالنسبة إلى طهران، بعدما ساهم الإفراط في استخدام أوراق الضغط البحري والاقتصادي، بحسب تقديره، في تحويل القضية من ملف إيراني إلى قضية أمن دولي أوسع.
وأشار إلى أن التهديدات المرتبطة بالملاحة والطاقة دفعت أطرافًا دولية إلى التعامل مع أمن المضيق باعتباره مصلحة مشتركة، وهو ما أتاح تشكيل مسار أمني واقتصادي أكثر اتساعًا لمواجهة ما تعتبره هذه الأطراف تهديدًا لحركة التجارة والطاقة.
تحالف لمواجهة طهران
ورأى غنيم أن هذا المسار دفع فاعلين كانوا مترددين، ومن بينهم كوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي، إلى تبني نهج أكثر صدامًا مع إيران، وإن كان هذا الصدام أمنيًا واقتصاديًا وليس بالضرورة عسكريًا مباشرًا.
وأضاف أن الهدف من هذا التحرك يتمثل في كسر ما وصفه بالغطرسة الإيرانية وتحييد أدوات الضغط التي تستخدمها طهران، متوقعًا انضمام دول وجهات أخرى إلى المسار نفسه خلال المرحلة المقبلة.
واعتبر أن إيران فقدت، نتيجة ذلك، جزءًا من ميزة الضغط التي كانت تمتلكها، وأصبحت أمام تحرك دولي أوسع يسعى إلى عزلها وتقييد أدوات قوتها بصورة أكثر تنظيمًا.
غياب إسرائيل يوسع التحالف
وأشار غنيم إلى عامل آخر يعتقد أنه أسهم في تسريع التحركات الدولية المناهضة لإيران، يتمثل في غياب إسرائيل عن الحرب المباشرة ضد طهران منذ وقف إطلاق النار في أبريل الماضي.
وأوضح أن هذا السيناريو كان قد أشار إليه خلال الحرب التي استمرت أربعين يومًا، ونشره في 29 مارس 2026، معتبرًا أن غياب إسرائيل عن المواجهة المباشرة مع إيران يوسع هامش الحركة أمام المجتمع الدولي لتشكيل تحالف أوسع ضد طهران.
وأضاف أن حساسية الاصطفاف العلني إلى جانب إسرائيل تمثل عاملًا سياسيًا لدى عدد من الدول، وبالتالي فإن غياب تل أبيب عن المواجهة المباشرة يمكن أن يمنح قوى دولية مساحة أكبر لبناء تحالف سياسي وأمني واسع دون الحرج السياسي الذي قد يرافق الانضمام إلى مواجهة تقودها إسرائيل.
نموذج تحالف أوسع
ورأى غنيم أن طبيعة التطورات الحالية قد تفتح المجال أمام تحالف يضم دولًا غربية وآسيوية، وربما دولًا عربية وإسلامية، في مواجهة إيران، معتبرًا أن غياب إسرائيل عن المشهد العسكري المباشر قد يسهل تشكيل مثل هذا الاصطفاف.
وأشار إلى أن هذا السيناريو يمثل تحديًا مباشرًا لطهران، لأنه ينقل المواجهة من نطاق صراع ثنائي مع الولايات المتحدة إلى نطاق أوسع تتداخل فيه اعتبارات أمن الملاحة والطاقة والاقتصاد الدولي.
وخلص غنيم إلى أن نجاح إيران في استخدام أوراق الضغط لا يعني بالضرورة قدرتها على استخدامها بلا حدود، محذرًا من أن تجاوز حدود استغلال النجاح قد يحول أدوات القوة نفسها إلى عوامل تدفع الخصوم والمترددين إلى بناء تحالفات أوسع لتحييدها.

