النهار
جريدة النهار المصرية

اقتصاد

الحديد المصري في مواجهة المنافسة.. هل يدفع المستهلك فاتورة «الحماية»؟

محمد الأطروش -

خبراء يطالبون بمراجعة الأثر الاقتصادي من رسوم البليت ويحذرون: تهدد استثمارات 25 مليار جنيه

تحولت رسوم الوقاية المفروضة على واردات البليت من مجرد أداة لحماية الإنتاج المحلي من المنافسة الخارجية، إلى نقطة خلاف حول تأثيرها على هيكل سوق الحديد نفسه وإلي اختبار حقيقي لسياسة حماية الصناعة المصرية ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين دعم الإنتاج المحلي والحفاظ على المنافسة وعدم تحميل المستهلك تكلفة إضافية.

ففي الوقت الذي تستند فيه المصانع المتكاملة وشبه المتكاملة إلى امتلاك طاقات إنتاجية محلية كبيرة من البليت للمطالبة باستمرار الحماية، تواجه مصانع الدرفلة معادلة مختلفة، إذ تعتمد على شراء البليت كمدخل رئيسي للإنتاج من السوق المحلية أو استيراده، بينما لا تعكس الطاقة الإنتاجية الاسمية بالضرورة حجم المعروض المتاح لها فعليًا وهو ما ادي الي ارتفاع تكلفة انتاج طن الحديد بنحو 4 الاف جنيه بحسب ايمن العشري رئيس غرفة القاهرة التجارية، كما تمتد تداعياته على عدد من الصناعات، وفي مقدمتها الصناعات الهندسية، وهنا يبرد السؤال الأهم هل يجد المستهلك في النهاية نفسه من يدفع فاتورة الحماية؟

في هذا السياق طالبت جمعية خبراء الضرائب المصرية، الدكتور محمد فريد، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، بإعادة تقييم الآثار الاقتصادية لرسوم الوقاية المفروضة على واردات البليت، في ضوء تأثيرها على مصانع الدرفلة التي تتجاوز استثماراتها 25 مليار جنيه، محذرةً من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى خفض الإنتاج وإضعاف المنافسة في سوق الحديد.

وتأتي المطالبات بإعادة تقييم القرار في وقت تحتاج فيه الحكومة إلى الموازنة بين حماية المنتج المحلي من الواردات الضارة، وضمان توافر مستلزمات الإنتاج بأسعار وشروط عادلة، بما يحافظ على المنافسة واستدامة الاستثمارات القائمة إلى حين دخول الطاقات الجديدة لإنتاج البليت مرحلة التشغيل الفعلي.

وقال النائب أشرف عبد الغني، أمين سر اللجنة الاقتصادية بمجلس الشيوخ مؤسس جمعية خبراء الضرائب المصرية، إن البليت يمثل مدخلًا وسيطًا رئيسيًا في صناعة حديد التسليح ومنتجات الحديد والصلب، وتصل مساهمته إلى نحو 90% من تكلفة المنتج النهائي بالنسبة لمصانع الدرفلة، ومن ثم فإن أي زيادة كبيرة في تكلفته تنعكس مباشرة على اقتصاديات تشغيل هذه المصانع وقدرتها على المنافسة.

وأوضح "أمين سر اللجنة الاقتصادية"، أن هيكل صناعة الحديد في مصر يضم نموذجين رئيسيين؛ الأول المصانع المتكاملة وشبه المتكاملة التي تنتج البليت وتقوم بدرفلته داخل مصانعها لإنتاج الحديد النهائي، والثاني مصانع الدرفلة المستقلة التي تعتمد على شراء البليت من السوق المحلية أو استيراده ثم تحويله إلى منتج نهائي.

وأوضح النائب أشرف عبد الغني، أن المصانع المتكاملة وشبه المتكاملة استندت في مطالبتها بالحماية إلى أن الطاقة الإنتاجية المحلية للبليت تبلغ نحو 13.7 مليون طن سنويًا، مقابل احتياجات للسوق المحلية تقدر بنحو 8.8 مليون طن، إلا أن المقارنة بين الرقمين لا تعني بالضرورة وجود فائض متاح في السوق، لأن جانبًا من إنتاج البليت يتم استهلاكه داخليًا داخل خطوط الدرفلة التابعة للمصانع المتكاملة ولا يتم طرحه للبيع للمصانع المستقلة.

وأضاف أن هذه النقطة تكتسب أهمية خاصة في ظل اعتماد مصانع الدرفلة على شراء مدخل إنتاجها الرئيسي من شركات تنافسها في الوقت نفسه في سوق حديد التسليح النهائي، وهو ما يستلزم ضمان وجود مصادر توريد كافية ومتنوعة للبليت، بما يمنع تركز القوة السوقية ويحافظ على المنافسة بين مختلف المنتجين.

وقال النائب أشرف عبد الغني، إن وزير الاستثمار والتجارة الخارجية كان قد أصدر في سبتمبر من العام الماضي قرارًا بفرض رسوم وقاية بنسبة 16.2% على واردات البليت لمدة 200 يوم، قبل صدور القرار رقم 121 لسنة 2026 في أبريل الماضي بفرض رسوم وقاية لمدة ثلاث سنوات، تبدأ في السنة الأولى بنسبة 13.12% وبحد أدنى 70 دولارًا للطن، على أن تنخفض تدريجيًا حتى تصل إلى 11% وبحد أدنى 59 دولارًا للطن في السنة الثالثة.

وأشار "عبد الغني"، إلى أن الرسوم أدت إلى زيادة ملموسة في تكلفة البليت المستورد، في الوقت الذي تواجه فيه مصانع الدرفلة صعوبة في الحصول على احتياجاتها من المنتج المحلي بالكميات والأسعار المناسبة، وهو ما انعكس على معدلات التشغيل وهوامش الربحية.

وأضاف أن عددًا من مصانع الدرفلة اضطر إلى خفض طاقته الإنتاجية بنسب تتراوح بين 20% و30%، إلى جانب تخفيض العمالة في بعض الحالات، محذرًا من أن استمرار تراجع معدلات التشغيل قد يهدد استثمارات قائمة ويؤدي في الوقت نفسه إلى انخفاض عدد المنتجين الفعليين في السوق.

وحذر "عبد الغني" من أن تقييد الاستيراد، في حالة عدم توافر كميات كافية من البليت المحلي للبيع للغير بأسعار تنافسية، قد يؤدي إلى زيادة قدرة المصانع المتكاملة على التحكم في الكميات والأسعار المتاحة لمنافسيها، بما يستوجب متابعة دقيقة من الجهات المعنية بالمنافسة وتنظيم السوق.

وأوضح أن الحكومة طرحت تراخيص جديدة لإنتاج البليت، إلا أن هذه الطاقات تحتاج إلى فترة قد تصل إلى عامين قبل دخولها مرحلة الإنتاج الفعلي، وبالتالي فإنها تمثل حلًا متوسط الأجل ولا تعالج بالضرورة الفجوة الحالية التي تواجهها مصانع الدرفلة.

وطالب مؤسس جمعية خبراء الضرائب المصرية بإجراء مراجعة فنية عاجلة لقرار رسوم الوقاية تعتمد على بيانات فعلية وليس الطاقات الاسمية فقط، بحيث تشمل حجم الإنتاج الفعلي من البليت، والكميات التي تستهلكها المصانع المتكاملة داخليًا، والكميات المتاحة للبيع لمصانع الدرفلة المستقلة، والأسعار وشروط التوريد، وحجم الواردات، وتطور إنتاج وأسعار حديد التسليح منذ تطبيق الرسوم.

واقترح وضع آلية منظمة تسمح لمصانع الدرفلة باستيراد احتياجاتها الفعلية وفقًا للطاقات المرخصة لها في حالة عدم توافر البليت المحلي بالكميات والشروط التنافسية المناسبة، مع دراسة تقديم تسهيلات تمويلية وضريبية للمصانع المتوسطة لشراء المنتج المحلي.

دعا النائب أشرف عبد الغني، إلى دراسة استخدام أدوات حماية تجارية أكثر استهدافًا حال ثبوت وجود ممارسات إغراق أو زيادات ضارة في الواردات، بدلًا من تحميل مدخل وسيط رئيسي تكلفة قد تنعكس على الصناعة التحويلية والمستهلك النهائي.