النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

باحث سياسي لـ”النهار”: فشل العقوبات والدبلوماسية يهدد بتوسيع الحرب على إيران

أكد المالكي أن إدارة ترامب تراهن على العقوبات الاقتصادية والحصار إلى جانب الخيارات العسكرية
عبدالرحمن كمال -

قال الباحث والكاتب السياسي أحمد المالكي، رئيس مركز شؤون دولية باللغة العربية للدراسات السياسية والإعلامية، إن استمرار الضربات الأمريكية المحدودة على إيران، بالتزامن مع تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتوسيع نطاق التصعيد، يطرح تساؤلات جدية حول مدى فاعلية العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية في احتواء المواجهة ومنع تحولها إلى حرب أوسع.

وأوضح المالكي، في تصريحات لـ"النهار"، أن إيران لا تزال متمسكة بمطالبها وترفض التهديدات الأمريكية، بالتوازي مع استمرار ردها على الهجمات التي تستهدفها، مشيرًا إلى أن التصعيد المتبادل يعكس تمسك كل طرف بشروطه ومحاولته إظهار قدرته على الصمود وعدم التأثر بما جرى منذ اندلاع الحرب في فبراير الماضي.

وأشار إلى أن المسار الدبلوماسي المطروح حاليًا لم يعد يلبي المطالب الإيرانية، التي يراها بعض المراقبين مرتفعة، فضلًا عن تراجع مستوى الثقة بين طهران وواشنطن، لافتًا إلى إعلان الولايات المتحدة عدم رغبتها في العودة إلى التفاوض المباشر مع إيران، رغم استمرار تبادل الرسائل عبر الوسطاء.

العقوبات تحت الاختبار

وأكد المالكي أن إدارة ترامب تراهن على العقوبات الاقتصادية والحصار إلى جانب الخيارات العسكرية، مع التركيز على السيطرة على مضيق هرمز، في وقت تحاول فيه إيران مواجهة تداعيات العقوبات رغم ارتفاع معدلات التضخم وتضرر الاقتصاد الإيراني وتزايد الضغوط المعيشية على المواطنين.

وأوضح أن ترامب يعتقد أن العقوبات أضعفت إيران وجعلتها أقل قدرة على الاستمرار لفترة طويلة، بينما تظهر داخل إيران، بحسب المالكي، خلافات بشأن كيفية التعامل مع الحرب، بين تيار يدفع باتجاه العودة إلى التفاوض وتيار يرى ضرورة مواصلة المواجهة وإجبار الولايات المتحدة على دفع ثمن الحرب.

وأضاف أن الانقسام لا يقتصر على إيران، وإنما يمتد إلى الداخل الأمريكي أيضًا، مشيرًا إلى أن ترامب يسعى إلى استمرار الحرب وتحقيق أهداف سياسية منها، في ظل اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، ورغبته في تعزيز موقع حزبه داخل المشهد الانتخابي.

لا رابح من الحرب

ورأى المالكي أن الحرب الحالية ألحقت خسائر بالولايات المتحدة وإيران معًا، معتبرًا أن استمرارها حتى الآن لم يفرز منتصرًا حقيقيًا، بينما تتحمل دول المنطقة والاقتصاد العالمي الجزء الأكبر من تداعيات التصعيد.

وحذر من أن إصرار ترامب على مواصلة الحرب وتحقيق أهداف إضافية قد يدفع نحو توسيع رقعة الصراع، خصوصًا مع وجود جبهات ساخنة في اليمن ولبنان، وتحركات لقوى مرتبطة بإيران على الأرض بهدف تخفيف الضغوط عن النظام الإيراني الذي يواجه، بحسب وصفه، حصارًا اقتصاديًا وعسكريًا واسعًا.

وأشار إلى أن إيران لا تمتلك ورقة مضيق هرمز وحدها، وإنما لديها أوراق ضغط أخرى يمكن استخدامها في حال توسعت الضربات الأمريكية، محذرًا من أن استهداف البنية التحتية الإيرانية قد يدفع طهران إلى توسيع ضرباتها لتشمل منشآت اقتصادية وتجارية في دول الخليج، وربما أهدافًا مرتبطة بالقوات والقواعد الأمريكية في مناطق أخرى.

خطر يمتد إلى العالم

وحذر المالكي من أن توسع الحرب قد لا يبقى محصورًا في الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أن التهديدات المتبادلة يمكن أن تطال دولًا ومصالح خارج المنطقة، في ظل وجود قواعد عسكرية أمريكية في دول أوروبية، واحتمال تحول بعض هذه المنشآت إلى أهداف في حال اتساع نطاق المواجهة.

وأضاف أن استمرار الضغوط الاقتصادية على إيران قد يدفعها إلى حالة أعلى من الجاهزية الهجومية، مشيرًا إلى تصريحات الحرس الثوري الإيراني التي تؤكد الاستعداد للهجوم وليس الدفاع فقط.

وأكد أن هذا السيناريو يرفع كلفة الحرب سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، ويجعل احتواء التصعيد أولوية إقليمية ودولية، خصوصًا في ظل إمكانية دخول أطراف جديدة إلى دائرة الصراع.

انتقادات لسياسة ترامب

وانتقد المالكي ما وصفه بعدم عقلانية التعامل الأمريكي مع التصعيد، معتبرًا أن واشنطن لا تبذل جهودًا كافية لاحتواء التوتر، مشيرًا إلى تصريحات ترامب الساخرة بشأن مضيق هرمز، وما رافقها من حديث عن تغيير اسمه، باعتبار ذلك مؤشرًا على طبيعة الخطاب الأمريكي في إدارة الأزمة.

وأوضح أن مثل هذه التصريحات لا تساعد على تهدئة الموقف، وإنما تزيد من حدة الاستقطاب، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى خطوات سياسية ودبلوماسية تمنع تحول المواجهة المحدودة إلى صراع مفتوح.

وسطاء يبحثون عن الحوار

وقال المالكي إن عددًا من دول المنطقة يحاول الضغط من أجل إعادة الولايات المتحدة وإيران إلى مسار الحوار والدبلوماسية، والعودة إلى التفاهمات السابقة أو صياغة تفاهمات جديدة، معتبرًا أن تقديم تنازلات متبادلة سيكون أقل كلفة من توسيع الحرب.

وأشار إلى أن باكستان وقطر وسلطنة عُمان تعمل على الدفع باتجاه استئناف الحوار بين الطرفين، مؤكدًا أن نجاح هذه الجهود يتطلب مزيدًا من التحرك الإقليمي والدولي لإعادة واشنطن وطهران إلى طاولة المفاوضات.

وأضاف أن الموقف الصيني الرافض للعقوبات والداعي إلى الحوار يمثل عاملًا آخر يحد من قدرة واشنطن على تنفيذ سياسة الحصار الاقتصادي على إيران بالشكل الذي تريده، خصوصًا مع استمرار تعامل دول أخرى مع الاقتصاد الإيراني وعدم اعترافها الكامل بمنظومة العقوبات الأمريكية.

طهران تبحث عن مكاسب

وأوضح المالكي أن إيران تسعى إلى استثمار ظروف الحرب لتحقيق مجموعة من المطالب، في مقدمتها رفع العقوبات المفروضة عليها، وإنهاء تجميد أموالها وأصولها، ودفع الولايات المتحدة إلى الانسحاب من مضيق هرمز والمنطقة، إلى جانب فرض ترتيبات جديدة للتعامل مع حركة السفن العابرة للمضيق.

وفي المقابل، تعتمد الولايات المتحدة على العقوبات الاقتصادية والحصار البحري، إلى جانب تنفيذ ضربات محدودة ضد أهداف إيرانية في حال رصد تحركات عسكرية تعتبرها واشنطن تهديدًا لقواتها، بما في ذلك أي محاولة لزرع ألغام في مضيق هرمز.

ورأى أن استمرار تمسك الطرفين بهذه المواقف يجعل فرص التسوية أكثر صعوبة، ويزيد الحاجة إلى تدخلات إقليمية ودولية تدفع باتجاه خفض التصعيد بدلًا من توسيع نطاق العمليات العسكرية.

انقسام داخل طهران

وأشار المالكي إلى وجود انقسام داخل مؤسسات صنع القرار الإيرانية بشأن كيفية إدارة المرحلة الحالية، موضحًا أن هناك تيارًا يضم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، إلى جانب رئيس هيئة التفاوض الإيرانية، ويدفع باتجاه الاستفادة من القوة العسكرية والدبلوماسية والعودة إلى التفاوض.

في المقابل، تحدث عن تيار آخر يضم محسن رضائي وأحمد وحيدي وشخصيات من التيار المتشدد، يرى أن استمرار الحرب والمواجهة هو الخيار الأفضل، وأن العودة إلى الدبلوماسية أضعفت الموقف الإيراني ولم تحقق النتائج المطلوبة.

وأضاف أن هذا الانقسام داخل مؤسسات صنع القرار لا يخدم إيران في ظل الحرب، خصوصًا مع معاناة الشعب الإيراني من الظروف الاقتصادية الصعبة وغياب أفق واضح لإنهاء الأزمة.

خلاف حول جدوى التفاوض

وأوضح المالكي أن التيار المتشدد داخل إيران يواصل التأكيد على أن الدبلوماسية لم تحقق النتائج المطلوبة، وأن الولايات المتحدة لم تلتزم بتعهداتها السابقة، مستندًا إلى تجربة الاتفاق النووي لعام 2015 وما تبعها من تطورات.

في المقابل، يرى معسكر بزشكيان أن إيران حققت مكاسب عسكرية ودبلوماسية، وأن العودة إلى التفاوض يمكن أن تتم من موقع قوة، معتبرًا أن التفاوض في الوقت الحالي قد يكون أفضل من تأجيله إلى مرحلة قد تكون أكثر غموضًا وخطورة.

وأشار إلى أن هذا التباين يعكس صعوبة اتخاذ قرار موحد داخل طهران بشأن مستقبل الحرب، في وقت تواجه فيه إيران ضغوطًا عسكرية واقتصادية متزامنة.

إيران أضعف ومخالبها باقية

وأكد المالكي أن إيران الحالية ليست إيران التي كانت في عهد المرشد السابق علي خامنئي، معتبرًا أنها أصبحت أكثر ضعفًا وانقسامًا، لكنها لا تزال تمتلك أدوات يمكن أن تؤدي إلى مزيد من الفوضى والتدمير في المنطقة إذا توسعت الحرب.

وحذر من خطورة التهديدات الأمريكية بتدمير إيران، بالتزامن مع التهديدات الإيرانية لدول المنطقة، معتبرًا أن استمرار التصعيد بهذه الصورة ينذر بكارثة إقليمية ودولية، ويجعل ضبط النفس ومنع توسيع دائرة الاستهداف ضرورة ملحة.

وأضاف أن العمليات العسكرية المحدودة يمكن أن تبقى في إطار إظهار القوة وتبادل الضربات، لكن انتقال الطرفين إلى استهداف أوسع للبنية التحتية والمنشآت الاقتصادية والعسكرية سيجر مزيدًا من الأطراف الإقليمية والدولية إلى الصراع، ويرفع الكلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية على الجميع.

اتفاق إقليمي للحل

وخلص المالكي إلى أن الخروج من الأزمة يتطلب تعاونًا إقليميًا وتنسيقًا مع إيران، والعمل على صياغة اتفاق جديد بين إيران ودول المنطقة يضمن أمن جميع الأطراف، بالتوازي مع ممارسة ضغوط على الولايات المتحدة لمنع توسيع دائرة الصراع.

وأكد أن العودة إلى الحوار والدبلوماسية تمثل المسار الأقل كلفة للتوصل إلى تفاهمات جديدة، معتبرًا أن استمرار الحرب والعقوبات والحصار لن يؤدي بالضرورة إلى تحقيق الأهداف التي تسعى إليها واشنطن وطهران.

وشدد على أن الحل النهائي للأزمة يتطلب إرادة سياسية إقليمية ودولية لمنع توسع الحرب، وإعادة الطرفين إلى طاولة التفاوض، بما يفتح الطريق أمام تسوية تضمن أمن واستقرار المنطقة، وتحد من التداعيات التي بدأت تمتد إلى الاقتصاد العالمي والأمن الإقليمي والدولي.