الكتان المصري.. هل تنجح استراتيجية تعميق التصنيع في استعادة مكانته العالمية؟

تحرك صناعي يستهدف تجاوز تصدير الخام إلى بناء سلسلة قيمة متكاملة تبدأ من البذرة وتنتهي بالمنتج النهائي
في وقت تتجه فيه السياسة الصناعية المصرية نحو تعظيم الاستفادة من الخامات المحلية ورفع القيمة المضافة للمنتجات الوطنية، يبرز قطاع الكتان كأحد المجالات التي تستهدف وزارة الصناعة إعادة توظيف إمكاناتها الصناعية وربطها بالأسواق العالمية، عبر الانتقال من التعامل مع الكتان باعتباره خامة قابلة للتصدير إلى تطوير منظومة تصنيع متكاملة تمتد من إنتاج وتجهيز الألياف وصولًا إلى الغزل والنسيج والمنتجات النهائية.
وفي هذا السياق، عقد المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، لقاءً مع وفد مجموعة كينجدوم الصينية لخيوط الكتان برئاسة رين ويمينغ، رئيس مجلس إدارة المجموعة، لبحث موقف المصنع الذي تعمل المجموعة على إنشائه في مصر، إلى جانب فرص التعاون في تطوير وتأهيل موردي الكتان المحليين. وحضرت اللقاء مها صالح، مساعد الوزير للسياسات الصناعية.
ويعكس مسار التعاون المطروح بين وزارة الصناعة ومجموعة كينجدوم توجهًا يتجاوز إقامة مصنع جديد لإنتاج خيوط الكتان، إذ تستهدف الوزارة البناء على الاستثمار الصيني باعتباره مدخلًا لتحفيز صناعات مترابطة على امتداد سلسلة القيمة.
وأوضح الوزير خالد هاشم أن استراتيجية وزارة الصناعة تركز على النهوض بالكتان المصري من خلال تعميق التصنيع المحلي في سلسلة القيمة، وزيادة صادراته، وتعزيز اندماجه في سلاسل الإمداد العالمية.
ويحمل هذا التوجه دلالة صناعية مهمة، إذ إن تعميق التصنيع لا يتوقف عند زيادة الطاقة الإنتاجية في مرحلة الغزل، وإنما يستهدف خلق روابط بين المراحل المختلفة للصناعة، بدءًا من تطوير وتجهيز ألياف الكتان ورفع جودة الخام المحلي، مرورًا بالغزل والنسيج والصباغة والتجهيز، وانتهاءً بإنتاج الأقمشة والملابس والمفروشات وغيرها من المنتجات الأعلى قيمة مضافة.
وبحسب الوزير، فإن الهدف هو أن يمتد أثر استثمارات مجموعة كينجدوم إلى جذب وتنمية صناعات مترابطة، بما يجعل الاستثمار نقطة ارتكاز لتوسيع قاعدة الصناعة المحلية وليس مجرد مشروع إنتاجي منفصل.
وأكد هاشم أن مصر تمتلك قاعدة صناعية كبيرة في قطاع الكتان، وهو ما تعتبره الوزارة فرصة لتعظيم الاستفادة من الخامات المحلية بدلًا من تصديرها في صورتها الأولية.
وتكمن أهمية هذا الطرح في محاولة نقل القيمة الاقتصادية للكتان إلى مراحل تصنيع أكثر تقدمًا داخل السوق المصرية؛ فكلما زادت قدرة الصناعة على تحويل الخام إلى ألياف مجهزة ثم خيوط وأقمشة ومنتجات نهائية، اتسعت مساحة القيمة المضافة التي يمكن أن تحققها الصناعة الوطنية، بالتوازي مع تعزيز قدرتها التصديرية.
ويرتبط ذلك، وفق رؤية الوزارة المطروحة خلال الاجتماع، بهدف أوسع يتمثل في استعادة المكانة العريقة للكتان المصري من خلال رفع جودة المنتجات وتعزيز قدرتها على المنافسة والاندماج في سلاسل الإمداد العالمية.
وفي الجانب الاستثماري، استعرض اللقاء موقف مصنع مجموعة كينجدوم الجاري إنشاؤه في المنطقة الصناعية بمدينة السادات، والذي بدأت المجموعة إنشاءه خلال العام الماضي على مساحة 50 ألف متر مربع، مع استهداف بدء التشغيل خلال الربع الأول من عام 2027.
ويأتي المصنع في إطار توسع المجموعة داخل السوق المصرية لإنتاج خيوط الكتان، إلا أن أهمية المشروع، وفق التصريحات الرسمية، ترتبط بما يمكن أن ينشأ حوله من روابط مع الموردين المحليين وبقية حلقات سلسلة القيمة.
وتعد المجموعة، وفق ما استعرضه الاجتماع، من أبرز المنتجين الصينيين في هذا المجال؛ إذ تأسست عام 1979، وتُعد أكبر مصدر صيني لخيوط الكتان النقية لمدة 15 عامًا متتالية، وتستحوذ على 52% من إجمالي صادرات الصين من خيوط الكتان النقية، بينما تمتد مبيعاتها إلى أكثر من 20 دولة ومنطقة، بينها أسواق كبرى في أوروبا وآسيا.
أحد أبرز محاور التعاون التي طرحتها وزارة الصناعة يتعلق بتطوير الموردين المحليين، باعتباره عنصرًا حاسمًا في بناء صناعة كتانية أكثر تكاملًا.
وقال وزير الصناعة إن الوزارة تستهدف التعاون مع مجموعة كينجدوم في رفع جودة وتنافسية الكتان المصري وتأهيل الموردين المحليين وفقًا للمواصفات الفنية العالمية، بما يسهم في زيادة الاعتماد التدريجي على ألياف الكتان المصرية في الإنتاج، إلى جانب رفع جودة خيوط الكتان المنتجة محليًا.
ويعني ذلك أن تطوير الصناعة لا يرتبط فقط بزيادة الاستثمارات في المصانع، وإنما أيضًا بقدرة المنتج المحلي على تلبية المتطلبات الفنية التي تحتاجها الشركات الصناعية والأسواق الخارجية. ومن هنا تأتي أهمية تأهيل الموردين ورفع جودة الألياف المحلية لتصبح جزءًا أكبر من مدخلات الإنتاج.
كما يستهدف التعاون، بحسب الوزير، ربط الصناعة المصرية بشبكة عملاء مجموعة كينجدوم وأسواقها العالمية، وهو ما يفتح مسارًا لربط الإنتاج المحلي بشبكات تسويق وتصدير قائمة بالفعل.
وتطرق الاجتماع إلى مقترح المجموعة الصينية لتطوير إنتاج الكتان في مصر من البذرة وحتى التصدير، وهو مقترح يعكس التوجه نحو التعامل مع القطاع كسلسلة قيمة متكاملة بدلًا من التركيز على مرحلة إنتاجية واحدة.
وفي هذا الإطار، أكد رين ويمينغ، رئيس مجلس إدارة مجموعة كينجدوم، استعداد المجموعة للتعاون مع منتجي الكتان المصريين لتطوير القطاع واستعادة مكانته العالمية، مشيرًا إلى أن ذلك يمكن أن يسهم في جذب استثمارات جديدة في المراحل السابقة واللاحقة لعملية الغزل، وتعميق الصناعة المحلية وزيادة القيمة المضافة ونقل التكنولوجيا وتوفير فرص عمل متخصصة.
كما أكد استعداد الشركة للعمل على تطوير الموردين المحليين ورفع كفاءاتهم لتوفير ألياف كتان مطابقة للمواصفات المطلوبة للدخول في العملية التصنيعية.
وتكشف التصريحات المتبادلة خلال الاجتماع أن الرهان الأساسي لا يقتصر على إنشاء طاقة جديدة لإنتاج خيوط الكتان، وإنما على تحويل الاستثمار إلى محفز لتطوير منظومة أوسع للصناعة.
فالاستراتيجية التي طرحتها وزارة الصناعة تقوم على ثلاثة مسارات مترابطة: رفع جودة الخام المحلي، تعميق التصنيع داخل مصر، وربط المنتجات المصرية بالأسواق العالمية.
وفي حال نجاح هذه المسارات، يمكن أن يتحول الاستثمار في صناعة الخيوط إلى مدخل لتوسيع النشاط في مراحل أخرى، بما يعزز القيمة المضافة للكتان المصري ويدعم صادرات المنتجات الأعلى تصنيعًا.
ومن ثم، فإن التعاون مع مجموعة كينجدوم، كما طرحه الاجتماع، يمثل محاولة لبناء نموذج يقوم على تكامل الاستثمار الأجنبي مع الموردين المحليين والصناعات المرتبطة، بما يضع تطوير الكتان المصري داخل إطار أوسع لتعميق التصنيع المحلي وتعزيز تنافسية الصناعة المصرية في سلاسل الإمداد العالمية.

