باحث في شؤون الشرق الأوسط لـ«النهار»: واشنطن لا تغير استراتيجيتها تجاه إيران بل أدوات مواجهتها

قال الباحث التركي والخبير في شؤون الشرق الأوسط، الدكتور بكير أتاجان، إن اقتراب الانتخابات الأمريكية يعيد طرح التساؤلات بشأن مستقبل السياسة الأمريكية تجاه إيران، مشيرًا إلى أن الرهان الإيراني على احتمال عودة الديمقراطيين إلى نهج باراك أوباما وجو بايدن، بما يتضمنه من مفاوضات وتخفيف للضغوط، قد يستند إلى قراءة تخلط بين الاستراتيجية الأمريكية الثابتة والتكتيكات المتغيرة.
وأوضح أتاجان، في تصريحات لـ"النهار"، أن المواقف الأخيرة لوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون تجاه إيران والحرس الثوري الإيراني تحمل دلالات تتجاوز الخلافات الحزبية التقليدية، خصوصًا مع تحذيرها من تنامي نفوذ الحرس الثوري واعتبارها أن هذا النفوذ يدفع إيران باتجاه نموذج أكثر عسكرية، معتبرًا أن هذه المواقف تعكس جانبًا من طبيعة النقاش داخل الولايات المتحدة بشأن أفضل طريقة لإدارة المواجهة مع طهران.
الاستراتيجية تتجاوز الرئاسة
وأشار أتاجان إلى أن السياسة الأمريكية لا تتغير بصورة كاملة بتغير الرئيس أو الحزب الحاكم، موضحًا أن الوجوه والخطابات والأدوات قد تتبدل، بينما تبقى المصالح الاستراتيجية الكبرى أكثر استقرارًا من الأشخاص الذين يديرون البيت الأبيض.
وأضاف أن الولايات المتحدة تحتاج، وفق هذه القراءة، إلى خصوم أو تهديدات استراتيجية تبرر جزءًا من منظومتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، التي تشمل صناعة السلاح والتحالفات العسكرية وأنظمة الحماية الأمنية والقواعد العسكرية وأسواق الطاقة وشبكات النفوذ الممتدة حول العالم.
ورأى أن إيران أصبحت، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، واحدة من أبرز الخصوم الاستراتيجيين في الحسابات الأمريكية، بالنظر إلى ثقلها الجغرافي والسكاني والعسكري، وموقعها بالقرب من مناطق الطاقة الرئيسية، إلى جانب نفوذها الإقليمي وعلاقتها الصراعية مع إسرائيل وتأثيرها في حسابات دول الخليج والمصالح الأمريكية في المنطقة.
خلاف على أدوات المواجهة
وأكد أتاجان أن الخلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين لا يتمحور، وفق رؤيته، حول ما إذا كانت إيران تمثل تحديًا استراتيجيًا للولايات المتحدة، وإنما حول كيفية إدارة هذا التحدي والأدوات التي ينبغي استخدامها في مواجهته.
وأوضح أن الجمهوريين يميلون إلى اعتماد سياسة أكثر مباشرة تقوم على الضغط والعقوبات والتهديد باستخدام القوة، بينما يميل الديمقراطيون في مراحل مختلفة إلى الجمع بين الضغط والمفاوضات، من خلال إبقاء العقوبات والضغوط بالتوازي مع فتح قنوات للتفاوض وإدارة الأزمة دبلوماسيًا.
وأضاف أن اختلاف الأدوات لا يعني بالضرورة اختلافًا جذريًا في النتائج الاستراتيجية، إذ يمكن أن تستمر العقوبات والضغوط السياسية، وتبقى الملفات المرتبطة بالحرس الثوري والبرنامج النووي الإيراني حاضرة في الحسابات الأمريكية، حتى مع اختلاف الخطاب السياسي بين الإدارات المتعاقبة.
رسائل كلينتون لطهران
وقال أتاجان إن مواقف هيلاري كلينتون تجاه إيران يمكن قراءتها من زاويتين، الأولى تتعلق بالرسالة الداخلية إلى الناخب الأمريكي، والثانية ترتبط بالرسالة الموجهة إلى طهران، مشيرًا إلى أن الشخصيات الديمقراطية البارزة تواجه باستمرار اتهامات من الجمهوريين بالتساهل مع إيران.
وأوضح أن الشخصيات الديمقراطية قد تحتاج، خصوصًا خلال المراحل الانتخابية الحساسة، إلى التأكيد على أن الخلاف مع الجمهوريين لا يعني التخلي عن أدوات مواجهة طهران، لافتًا إلى أن الملف الإيراني يرتبط بحسابات متعددة تشمل إسرائيل ودول الخليج والملف النووي والرأي العام الأمريكي والكتل السياسية المؤثرة.
وأضاف أن انتقاد كلينتون لطريقة إدارة السياسة تجاه إيران لا يعني بالضرورة دفاعًا عن طهران، وإنما يمكن فهمه باعتباره اعتراضًا على طريقة إدارة الخصم، أي أن الرسالة، بحسب تحليله، لا تتمثل في اعتبار إيران غير خطرة، وإنما في أن الولايات المتحدة ربما لم تستخدم أدوات الضغط بالشكل الذي يحقق أهدافها.
الحرس الثوري في الحسابات
وأشار أتاجان إلى أن كلينتون سبق أن ركزت على الدور الواسع للحرس الثوري داخل إيران، معتبرًا أن المؤسسة لا تقتصر على الجانب العسكري، وإنما تمتلك نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا داخل الدولة.
ويرى أن هذه القراءة تجعل فهم مراكز القوة داخل النظام الإيراني عنصرًا أساسيًا في صياغة السياسة الأمريكية تجاه طهران، بدل الاكتفاء بالتعامل مع المؤسسات السياسية الرسمية باعتبارها صاحبة القرار الوحيد.
وأضاف أن التحذير من تنامي نفوذ الحرس الثوري يأتي، وفق هذا المنظور، باعتباره تحذيرًا من تحول أكبر في طبيعة بنية السلطة الإيرانية باتجاه نموذج أكثر عسكرية، وهو ما يمكن أن ينعكس على حسابات واشنطن تجاه إيران.
الرهان على الديمقراطيين
واعتبر أتاجان أن الرهان داخل إيران على عودة الديمقراطيين إلى السلطة وإحياء نهج أوباما وبايدن ينطوي على مخاطرة إذا جرى تفسيره باعتباره تحولًا جذريًا في الاستراتيجية الأمريكية.
وأوضح أن عودة المفاوضات أو التوصل إلى اتفاقات جديدة أو تخفيف بعض العقوبات لا تعني بالضرورة انتهاء الصراع الاستراتيجي بين واشنطن وطهران، لأن الخلاف الأساسي يرتبط، بحسب رؤيته، بموقع إيران في التوازن الإقليمي وقدرتها على التحول إلى قوة مهيمنة في الخليج.
وأضاف أن الولايات المتحدة تسعى منذ عقود إلى منع ظهور قوة إقليمية واحدة تسيطر بصورة منفردة على الخليج أو تتحكم في توازناته الاستراتيجية، معتبرًا أن هذا المبدأ يتجاوز طبيعة النظام السياسي الحاكم في طهران.
الجمهوري يضغط والديمقراطي يفاوض
ولخص أتاجان الفارق بين المدرستين الأمريكية في التعامل مع إيران بالقول إن الجمهوريين يميلون إلى الضغط المباشر والردع، بينما يفضل الديمقراطيون الجمع بين الضغوط الاقتصادية والمفاوضات والدبلوماسية وإدارة الأزمة على مدى أطول.
وأشار إلى أن ذلك لا يعني أن الديمقراطيين سيتخلون عن أدوات الضغط الأساسية في حال وصولهم إلى السلطة، وإنما قد يعيدون ترتيب استخدامها ضمن مسار تفاوضي أكثر اتساعًا.
وحذر من اعتبار فوز الديمقراطيين تلقائيًا نهاية للعقوبات أو بداية لعلاقات طبيعية ومستقرة بين واشنطن وطهران، موضحًا أن ما قد يتغير هو الخطاب وطريقة إدارة الملف ومساحة التفاوض، بينما تبقى المصالح الاستراتيجية الأمريكية حاضرة في تحديد سقف أي تفاهم مستقبلي.
اتفاق استراتيجي أوسع
وأكد أتاجان أن الاختلاف بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي بشأن إيران حقيقي على مستوى الأدوات والخطاب والدبلوماسية واستخدام القوة، لكنه يرى في المقابل مساحة واسعة من التوافق حول المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الخليج والشرق الأوسط.
وأوضح أن كلا الحزبين، وفق قراءته، يسعى إلى حماية المصالح الأمريكية ومنع أي قوة إقليمية من تهديد التوازنات التي بنتها واشنطن في الخليج، كما يتعاملان مع البرنامج النووي الإيراني ونفوذ الحرس الثوري باعتبارهما ملفين استراتيجيين.
وأشار إلى أن جوهر الخلاف بين الحزبين يتمثل في كيفية مواجهة إيران بأقل تكلفة سياسية وعسكرية، وبأكبر قدر ممكن من المكاسب، وليس في التخلي عن هدف احتواء النفوذ الإيراني ومنع تحوله إلى قوة إقليمية مهيمنة.
واشنطن تغير أسلوبها
واستخدم أتاجان استعارة «أمريكا شركة وليست وطنًا» لتوضيح رؤيته لطبيعة التغيير في السياسة الأمريكية، معتبرًا أن الرهان الإيراني على تغيير الإدارة يشبه الاعتقاد بأن تغيير مدير الشركة سيؤدي بالضرورة إلى وقف بيع المنتج الذي يمثل جزءًا أساسيًا من مصالحها.
وأوضح أن تغيير الإدارة قد يعني مديرًا جديدًا وطريقة جديدة في التعامل ولغة سياسية مختلفة، وربما عروضًا وتفاهمات جديدة، لكنه لا يعني بالضرورة التخلي عن المصالح الأساسية التي تحكم عمل المؤسسة.
وبالمعنى نفسه، يرى أتاجان أن وصول الديمقراطيين قد يفتح الباب أمام مفاوضات واتفاقات جديدة وربما تخفيفًا محدودًا لبعض العقوبات مقابل تنازلات محددة، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية الصراع الاستراتيجي بين واشنطن وطهران.
المواجهة تتغير لا الهدف
وخلص أتاجان إلى أن الجمهوريين والديمقراطيين ليسوا متطابقين في سياساتهم تجاه إيران، إذ توجد اختلافات حقيقية في الأدوات واللغة السياسية والدبلوماسية ومدى الاعتماد على القوة، إلا أن هذه الاختلافات لا تلغي وجود مصالح استراتيجية مشتركة.
وأكد أن السؤال الأساسي، وفق رؤيته، لا يتعلق بما إذا كانت واشنطن ستواجه إيران أم لا، وإنما بالطريقة التي ستدير بها هذه المواجهة، موضحًا أن الجمهوريين يفضلون الضغط الأقصى والردع بالقوة، بينما يميل الديمقراطيون إلى الجمع بين العقوبات والمفاوضات وإدارة الأزمة على المدى الطويل.
ورأى أن المصلحة الأمريكية العليا ستظل مرتبطة بمنع إيران من التحول إلى قوة مهيمنة على الخليج، والحفاظ على توازن القوى الذي يخدم المصالح الأمريكية وحلفاء واشنطن في المنطقة، حتى مع تغير الإدارات والأدوات المستخدمة في إدارة الصراع.

