النهار
جريدة النهار المصرية

اقتصاد

من مستورد للتكنولوجيا إلى صانع ومُصدّر لها.. كيف تستفيد مصر من التعاون مع الصين في بناء اقتصاد المعرفة والقدرات التكنولوجية؟

محمد الأطروش -

الزيات: زيارة الرئيس الصيني فرصة لتعميق التعاون في توطين التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتحويل مصر إلى مركز إقليمي لتصنيع وتصدير التكنولوجيا

في وقت تتسارع فيه المنافسة العالمية على امتلاك التكنولوجيا وبناء اقتصاد قائم على المعرفة، لم تعد الشراكات الاقتصادية تقاس فقط بحجم التجارة والاستثمارات، وإنما بقدرة الدول على نقل التكنولوجيا وتوطينها وتطوير كوادرها البشرية وتحويل المعرفة إلى قيمة مضافة وإنتاج قابل للتصدير.

 وفي هذا السياق، تبرز الشراكة المصرية الصينية كإحدى الفرص المهمة أمام مصر للانتقال من نموذج يعتمد بصورة كبيرة على استيراد المنتجات والحلول التكنولوجية إلى نموذج أكثر تقدماً يقوم على التصنيع التكنولوجي، ونقل المعرفة، وبناء القدرات، وتطوير حلول محلية قادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً.

ويرى المهندس أحمد الزيات، عضو جمعية رجال الأعمال المصريين، أن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر تمثل فرصة مهمة لإعادة صياغة أولويات التعاون الاقتصادي بين البلدين، بحيث تتجه إلى صناعة المعرفة وبناء القدرات التكنولوجية، خاصة في مجالات توطين التكنولوجيا والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، بما يعزز تنافسية الصناعة المصرية ويدعم قطاعات الإنتاج والبناء والتشييد.

ويؤكد الزيات أن المرحلة المقبلة يجب ألا تقتصر على زيادة حجم التجارة أو جذب الاستثمارات الصينية، وإنما تستهدف تغيير طبيعة التعاون الاقتصادي، بحيث تنتقل مصر تدريجياً من استيراد المنتجات والتكنولوجيا إلى نقل التكنولوجيا وتوطينها وبناء قدرات إنتاجية مشتركة يمكنها تلبية احتياجات السوق المحلية والتوسع في التصدير إلى الأسواق الخارجية.

وتكمن أهمية هذا التحول في أن القيمة الاقتصادية الأكبر لا تتحقق بمجرد استخدام التكنولوجيا المستوردة، وإنما في امتلاك المعرفة والمهارات والقدرات اللازمة لتطويرها وإعادة إنتاجها وتكييفها مع احتياجات الأسواق المختلفة.

ومن هذا المنطلق، يمكن أن تمثل الشركات الصينية العاملة في مصر قاعدة لتدريب الكوادر المصرية، وإنشاء مراكز للبحث والتطوير، وتطوير سلاسل توريد محلية، بما يزيد من نسبة المكون المحلي ويرفع قدرة الشركات المصرية على الدخول في سلاسل القيمة العالمية.

ويشير الزيات إلى أن الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي يمثلان أحد أهم مسارات التعاون الجديدة بين مصر والصين، في ظل التوسع السريع في استخدام التقنيات الرقمية في الصناعة والتصنيع والبناء وإدارة المشروعات وسلاسل الإمداد.

ويمكن لمصر الاستفادة من الخبرات الصينية في تطوير تطبيقات وحلول تقنية تتلاءم مع طبيعة السوق المصرية، بدلاً من الاكتفاء باستيراد الحلول الجاهزة. ويشمل ذلك تطوير البرمجيات والأنظمة الرقمية، وتحليل البيانات، والأتمتة الصناعية، وإدارة سلاسل الإمداد، والمدن الذكية، وحلول الطاقة والنقل.

ويفتح هذا المسار المجال أمام بناء شركات مصرية قادرة على تقديم خدمات ومنتجات تكنولوجية للأسواق العربية والإفريقية، مستفيدة من الخبرة الصينية ومن المزايا التي تتمتع بها مصر من حيث الموقع الجغرافي والكوادر البشرية والأسواق التي ترتبط بها.

ويمثل قطاع البناء والتشييد، بحسب الزيات، مجالاً واسعاً لتطبيق التكنولوجيا الحديثة، خاصة في ظل ضخامة المشروعات العمرانية والبنية التحتية التي تشهدها مصر.

ويمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في التصميم والتخطيط وإدارة المشروعات، إلى جانب تقنيات البناء الذكي والروبوتات وتحليل البيانات، بما يسهم في رفع الإنتاجية وتقليل التكلفة والهدر وتحسين جودة التنفيذ.

ولا تقتصر أهمية هذه التطبيقات على تطوير قطاع البناء ذاته، وإنما يمكن أن تمتد إلى خلق سوق محلية للشركات التكنولوجية المصرية التي تطور حلولاً متخصصة في الهندسة والتصميم وإدارة المشروعات والمراقبة الرقمية، بما يحول الطلب المحلي على التكنولوجيا إلى نقطة انطلاق نحو التصدير.

ولا ينبغي أن يقتصر التعاون المصري الصيني على الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، إذ يرى الزيات إمكانية توسيع الشراكة لتشمل عدداً من القطاعات التكنولوجية والصناعية المتقدمة، من بينها الاتصالات، ومراكز البيانات، والروبوتات، والمركبات الكهربائية، والبطاريات، والطاقة الجديدة والمتجددة، والصناعات الإلكترونية.

وتتيح هذه القطاعات فرصة لبناء منظومة إنتاج متكاملة بدلاً من الاقتصار على تجميع المنتجات أو استيرادها، من خلال جذب استثمارات صينية مرتبطة بالتدريب والبحث والتطوير ونقل المعرفة، وتشجيع الشركات المحلية على الاندماج في سلاسل الإنتاج والتوريد.

وهنا تصبح مصر أمام فرصة لتحويل الاستثمارات الأجنبية من مجرد مصدر للتمويل إلى أداة لبناء القدرات التكنولوجية والصناعية.

ويؤكد الزيات أن مصر تمتلك مقومات تؤهلها لتصبح مركزاً إقليمياً للتصنيع والتكنولوجيا، مستفيدة من موقعها الجغرافي واتساع السوق المحلية وارتباطها بالأسواق العربية والإفريقية والأوروبية.

ومن شأن توطين التكنولوجيا الصينية داخل مصر أن يخدم هدفين متوازيين: تلبية الطلب المحلي، وإنتاج سلع وخدمات تكنولوجية تستهدف التصدير إلى دول ثالثة.

وتزداد أهمية هذا النموذج في ظل حاجة العديد من الأسواق الإفريقية والعربية إلى حلول رقمية وصناعية بتكلفة تنافسية، وهو ما يمكن أن يمنح المنتجات والخدمات التي يتم تطويرها في مصر ميزة نسبية إذا ما ارتبطت بجودة التكنولوجيا الصينية وقدرات التصنيع والكوادر المصرية.

ولفت الزيات إلى أهمية الاستفادة من عضوية مصر والصين في مجموعة «بريكس» لتوسيع نطاق التعاون في مجالات التكنولوجيا والتمويل والاستثمار، وتنويع قنوات التواصل مع الأسواق الآسيوية والإفريقية واللاتينية.

ويمكن أن تمثل «بريكس» إطاراً أوسع لتبادل الخبرات والتمويل والتعاون بين الشركات ومؤسسات البحث والتطوير، بما يساعد مصر على بناء شراكات تتجاوز العلاقة الثنائية مع الصين إلى الوصول إلى أسواق ومؤسسات وشركات في دول أخرى.

ويشدد الزيات على أن القيمة الحقيقية للتواجد الصيني القوي في مصر يجب أن تظهر في مشروعات وبرامج عملية لنقل التكنولوجيا وبناء القدرات، وليس فقط في حجم الاستثمارات أو الواردات.

ويأتي في مقدمة هذه الأولويات إنشاء وتطوير مراكز البيانات، وبرامج التدريب المتخصص، وتوطين تطبيقات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في القطاعات الإنتاجية، إلى جانب دعم مراكز البحث والتطوير والشراكات بين الشركات والجامعات والمؤسسات الصناعية.

ويعني ذلك أن أي شراكة تكنولوجية ناجحة ينبغي أن تتضمن منذ البداية مؤشرات واضحة لنقل المعرفة، مثل تدريب المهندسين والمبرمجين والفنيين، وتطوير الكوادر البحثية، وزيادة المكون المحلي، وإنشاء وحدات للبحث والتطوير، وتطوير منتجات وحلول يمكن تسويقها خارج السوق المصرية.

وتظل القضية الأساسية أمام مصر هي كيفية تحويل التدفقات الاستثمارية والتكنولوجية الصينية إلى قدرات مصرية مستدامة اذ ان شراء المعدات والبرمجيات أو إنشاء مصانع تعتمد على التكنولوجيا الأجنبية لا يعني بالضرورة توطين التكنولوجيا ما لم يصاحبه بناء للمعرفة والمهارات والقدرة على التطوير.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب ربط الاستثمار الأجنبي بسياسات واضحة للتدريب ونقل المعرفة والبحث والتطوير، وتشجيع الشركات المصرية والجامعات ومراكز الأبحاث على المشاركة في المشروعات التكنولوجية، بما يضمن تراكم الخبرة داخل الاقتصاد المصري.

ولفت الزيات الي أن الشراكة المصرية الصينية تقف أمام فرصة للانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على صناعة المعرفة وبناء القدرات التكنولوجية، بحيث يصبح التعاون في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والتكنولوجيا المتقدمة أحد المحركات الرئيسية للنمو الصناعي والعمراني في مصر.

وبذلك، فإن الهدف الأكبر لا يتمثل فقط في أن تصبح مصر سوقاً للتكنولوجيا الصينية، وإنما أن تتحول إلى قاعدة لإنتاج وتطوير وتصدير التكنولوجيا، من خلال الجمع بين الخبرة والاستثمار الصيني، والكوادر والموقع والأسواق التي تتمتع بها مصر.

فالانتقال من «مستهلك للتكنولوجيا» إلى «منتج ومصدر لها» يتطلب شراكة تقوم على المعرفة بقدر ما تقوم على الاستثمار، وعلى بناء الإنسان والمؤسسات بقدر ما تقوم على إنشاء المصانع والمشروعات. وهذه هي المعادلة التي يمكن أن تجعل التعاون المصري الصيني رافعة حقيقية لتحول مصر إلى مركز إقليمي لصناعة وتصدير التكنولوجيا.