زيارة الرئيس الصيني.. هل تصبح مصر قاعدة لتصدير الخدمات الاستشارية والمقاولات إلي المنطقة؟

تأتي زيارة الرئيس الصيني إلى مصر في توقيت تكتسب فيه العلاقات الاقتصادية بين البلدين أهمية متزايدة، ليس فقط على مستوى جذب الاستثمارات الصينية إلى السوق المصرية، وإنما باعتبار مصر منصة يمكن من خلالها بناء تحالفات أعمال تتجاوز حدود السوق المحلية إلى الأسواق العربية والأفريقية.
وفي هذا السياق، تبرز أمام القطاع الخاص فرصة لإعادة صياغة طبيعة التعاون المصري الصيني، والانتقال من نموذج يقوم بصورة أساسية على التجارة وتنفيذ المشروعات إلى نموذج أكثر تكاملًا يقوم على الاستثمار المشترك ونقل التكنولوجيا وتكوين تحالفات بين الشركات تستهدف أسواقًا إقليمية واسعة.
فمع تنامي الاستثمارات الصينية وتوسع احتياجات الأسواق العربية والأفريقية من مشروعات البنية الأساسية والطاقة والتنمية العمرانية، تبرز إمكانية بناء تحالفات مصرية صينية تتجاوز السوق المحلية إلى تنفيذ مشروعات إقليمية مشتركة.
وتكتسب شركات المقاولات والاستشارات الهندسية أهمية خاصة في هذا المسار، لما تمتلكه من خبرات تنفيذية ومعرفة بالأسواق العربية والأفريقية، يمكن أن تتكامل مع القدرات التكنولوجية والتمويلية والتنفيذية التي تتمتع بها الشركات الصينية. ومن شأن هذا التكامل أن يفتح نموذجًا جديدًا للتعاون، تتحول فيه الشركات المصرية من دور المنفذ المحلي إلى شريك في التوسع الإقليمي.
ويؤكد المهندس عمر صبور، عضو جمعية رجال الأعمال المصريين والرئيس التنفيذي لشركة المهندس الاستشاري حسين صبور، أن زيارة الرئيس الصيني تمثل فرصة مهمة لتعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين، وفتح آفاق جديدة أمام القطاع الخاص المصري والصيني لإقامة شراكات ومشروعات مشتركة تحقق قيمة مضافة للاقتصاد المصري.
يرى صبور أن المرحلة المقبلة تتطلب البناء على قوة العلاقات المصرية الصينية، والانتقال من التعاون التجاري إلى شراكات استثمارية وإنتاجية أكثر عمقًا، يقودها القطاع الخاص.
ويعني ذلك، وفق هذه الرؤية، الانتقال من نموذج تتركز فيه العلاقات على التجارة أو تنفيذ الشركات الصينية لمشروعات في مصر، إلى نموذج تشترك فيه الشركات المصرية والصينية منذ مرحلة التصميم والتمويل والتنفيذ وحتى التشغيل والتوسع الخارجي.
وتبرز هنا فرصة مهمة أمام شركات الاستشارات الهندسية والمقاولات والتشييد والتنمية العمرانية المصرية لتكوين تحالفات مع نظيراتها الصينية، بما يسمح بتجميع الخبرات والقدرات الفنية والتمويلية، ثم توظيفها في المنافسة على مشروعات كبرى في الأسواق العربية والأفريقية.
وتتمتع مصر بمقومات تؤهلها للعب دور محوري في هذا النموذج، وفي مقدمتها موقعها الجغرافي، وتطور شبكة البنية الأساسية، ووجود الموانئ والمناطق الصناعية، فضلًا عن ارتباطها بالأسواق العربية والأفريقية.
وبالتالي، فإن القيمة الحقيقية للاستثمارات الصينية في مصر يمكن أن تتضاعف إذا ارتبطت بمشروعات تستهدف منذ البداية الإنتاج والتصدير، بدلًا من التركيز على تلبية الطلب المحلي فقط.
ويشير صبور إلى أن هذه المقومات توفر فرصًا كبيرة أمام الشركات الصينية والمصرية لبناء مشروعات تستهدف السوق المحلية والتصدير في الوقت ذاته، بما يعزز قدرة مصر على التحول إلى مركز إقليمي للاستثمار والإنتاج.
أحد أبرز مكاسب تعزيز التعاون بين القطاع الخاص في البلدين يتمثل في إمكانية الجمع بين الخبرة المصرية في إدارة وتنفيذ المشروعات وفهم طبيعة الأسواق الإقليمية، وبين التكنولوجيا والخبرات الصناعية والقدرات التمويلية التي تتمتع بها الشركات الصينية.
ويؤكد صبور أن شركات الاستشارات الهندسية والتشييد والتنمية العمرانية المصرية لديها خبرات متراكمة تؤهلها للدخول في تحالفات مع الشركات الصينية، سواء لتنفيذ مشروعات داخل مصر أو للتوجه المشترك إلى الأسواق الإقليمية.
وقد يمثل هذا النموذج فرصة للشركات المصرية لزيادة حجم أعمالها خارج السوق المحلية، ورفع قدرتها على المنافسة في المشروعات الكبرى، خصوصًا في الدول التي تشهد توسعًا في الإنفاق على البنية الأساسية والنقل والطاقة والمدن الجديدة.
ولا تقتصر أهمية الشراكات المصرية الصينية على جذب رؤوس الأموال، إذ يرى صبور أن المرحلة المقبلة يجب أن تركز كذلك على نقل التكنولوجيا والمعرفة وتطوير القدرات الإنتاجية وتوطين الصناعات وزيادة المكون المحلي.
ويمثل هذا الجانب أحد الاختبارات الرئيسية لقياس العائد الحقيقي من الاستثمارات الأجنبية، إذ إن تعظيم المكون المحلي يرفع من القيمة المضافة داخل الاقتصاد المصري، ويتيح للشركات المحلية اكتساب خبرات وتكنولوجيا تساعدها على المنافسة في الأسواق الخارجية.
كما أن التحالفات بين الشركات المصرية والصينية يمكن أن تفتح المجال أمام تصدير الخدمات الهندسية والاستشارية والمقاولات، وهو قطاع يمتلك فيه الاقتصاد المصري فرصًا كبيرة للنمو الإقليمي.
وتتعدد المجالات التي يمكن أن تستفيد من هذا النموذج، وفي مقدمتها البنية الأساسية والتشييد والتنمية العمرانية والطاقة والصناعة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا.
وتعد مشروعات البنية الأساسية والتنمية العمرانية بشكل خاص مجالًا مناسبًا للتحالفات، في ظل احتياجات العديد من الأسواق العربية والأفريقية إلى تطوير شبكات النقل والطاقة والمرافق والمدن والمناطق الصناعية واللوجستية.
ومن شأن دخول الشركات المصرية والصينية في تحالفات متكاملة أن يعزز فرصهما في الحصول على مشروعات إقليمية، من خلال تقديم حزم متكاملة تشمل التصميم والاستشارات والتمويل والتنفيذ والتشغيل.
ويؤكد صبور أن القطاع الخاص يمكن أن يكون المحرك الرئيسي للمرحلة الجديدة من التعاون الاقتصادي المصري الصيني، إلا أن نجاح هذا الدور يرتبط بقدرة الشركات على تحويل الفرص المتاحة إلى مشروعات فعلية.
ولهذا، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مزيد من اللقاءات المباشرة بين الشركات المصرية والصينية، وتحديد القطاعات والمشروعات المستهدفة، وبناء تحالفات واضحة تقوم على التكامل وليس المنافسة بين الطرفين.
كما يشدد صبور على أهمية تهيئة بيئة أكثر مرونة أمام المستثمرين، وتسهيل إجراءات تأسيس وتشغيل المشروعات، بما يعزز قدرة القطاع الخاص على الاستفادة من الفرص التي تتيحها العلاقات المصرية الصينية.
في النهاية، فإن نجاح زيارة الرئيس الصيني في دفع العلاقات الاقتصادية إلى مرحلة جديدة لن يقاس فقط بعدد الاتفاقيات أو حجم الاستثمارات المعلنة، وإنما بقدرة القطاع الخاص في البلدين على تحويل الزخم السياسي إلى مشروعات إنتاجية وتحالفات استثمارية وفرص عمل وصادرات.
وتبقى الفرصة الأبرز أمام شركات الاستشارات والمقاولات المصرية في أن تصبح شريكًا استراتيجيًا للشركات الصينية في التوسع بالأسواق العربية والأفريقية، مستفيدة من الخبرات المصرية المتراكمة، ومن القدرات الصينية في التكنولوجيا والتمويل والتنفيذ.
وبذلك، يمكن أن تتحول مصر من مجرد سوق جاذبة للاستثمارات الصينية إلى قاعدة لتحالفات مصرية صينية تنطلق إلى الأسواق الإقليمية، بما يدعم تنافسية الشركات المصرية ويعزز مكانة الاقتصاد المصري كمركز إقليمي للاستثمار والإنتاج وتصدير الخدمات الهندسية والمقاولات.

