النهار
جريدة النهار المصرية

ثقافة

من «الكاتب» إلى «الخبير».. محمد عبدالعال يكشف معايير الورشة الأدبية الحقيقية

خاص| محمد عبدالعال: لا تسألوا كم جائزة حصل عليها المدرب.. اسألوا ماذا يعرف وماذا يستطيع أن يعلّم

الدكتور محمد عبدالعال - الورش الأدبية
محمد هلوان -

الورش الأدبية بين «صناعة المعرفة» و«تجارة الشهرة».. د. محمد عبدالعال: الجائزة لا تصنع مدربًا.. والمعيار الحقيقي هو ما يعرفه وما يستطيع تعليمه

في ظل الانتشار اللافت للورش الأدبية خلال الفترة الأخيرة، أصبح هذا النشاط محل اهتمام وتساؤل، خاصة أن كثرتها لا تعني بالضرورة وجود صحوة أدبية أو ثقافية، بقدر ما تفتح الباب أمام أسئلة أخرى تتعلق بطبيعة هذه الورش، وجدواها، ومعايير اختيار القائمين عليها، والحد الفاصل بين الورشة التي تقدم معرفة حقيقية والنشاط الذي يعتمد على التسويق والشهرة.

وفي محاولة لرصد الظاهرة وتحليل أسباب انتشارها والوقوف على جدواها الفعلية، كان لنا هذا الحوار مع الدكتور محمد عبدالعال، دكتور التاريخ والكاتب الروائي، والحاصل على جائزة الشيخ محمد بن صالح باشراحيل وحرمه، بالإضافة إلى جائزة ساويرس الثقافية لأفضل عمل روائي فرع شباب الأدباء.

الدكتور محمد عبدالعال

س: هل تحول الورش الأدبية إلى نشاط تجاري يمثل مشكلة في حد ذاته؟

ج: لا أعتقد أن تحول الورش الأدبية من فضاء للتعلم وتبادل الخبرة إلى نشاط تجاري واسع الانتشار يمثل مشكلة في ذاته؛ فالجانب التجاري ليس عيبًا. وانتقال الكتابة الإبداعية والتحرير الأدبي إلى مجال التدريب المنظم أمر طبيعي مع اتساع سوق صناعة الكتاب، وزيادة أعداد الكتاب الراغبين في تطوير أدواتهم، وظهور منصات ثقافية وجامعات ومؤسسات تقدم برامج تدريبية مدفوعة.

بل يمكن أن يكون ذلك مفيدًا إذا أدى إلى إتاحة المعرفة الأدبية لعدد أكبر من الراغبين فيها. فالكاتب أو الناقد أو المحرر الذي يمتلك معرفة حقيقية، ويستثمر وقتًا طويلًا في إعداد المادة التدريبية وقراءة نصوص المشاركين ومناقشتها وتقديم ملاحظات فردية، من حقه أن يتقاضى مقابلًا لعمله؛ فالثقافة ليست نشاطًا خارج الاقتصاد، والكاتب يعيش من وقته وخبرته، وإعداد ورشة جيدة يستهلك وقتًا وجهدًا كبيرين.

المشكلة تبدأ عندما يتحول التدريب من ممارسة معرفية لها شروطها المهنية إلى منتج تسويقي، ويصبح اسم المدرب وصورته وشهاداته أهم من مادته العلمية وكفاءته الفعلية. وكذلك عندما تصبح قدرة الشخص على جذب المتدربين أهم من قدرته على تعليمهم، أو عندما تُسوّق الورشة باعتبارها «خبرة» قبل أن تكون وراءها خبرة حقيقية.

بكلمات أدق، المشكلة ليست في «تجارية» الورشة، وإنما في غياب المعايير المهنية التي تحكمها.

س: كثيرًا ما تختلط صفات الكاتب والمدرب والمحرر والناقد.. كيف يمكن الفصل بينها؟

ج: ينبغي التمييز بين أربعة أشياء كثيرًا ما تختلط في المشهد الثقافي العربي: الكاتب، والمدرب في الكتابة الإبداعية، والمحرر، والناقد. قد تجتمع هذه الصفات في شخص واحد، لكنها ليست مترادفة، ولا تمنح إحداها صاحبها تلقائيًا صلاحية ممارسة الأخرى.

فالكاتب الجيد ليس بالضرورة مدربًا جيدًا، كما أن الروائي الناجح قد يعجز عن شرح آليات صناعته بصورة منهجية. الكتابة الإبداعية تقوم في جانب كبير منها على الحدس والخبرة المتراكمة والممارسة الطويلة، بينما تحتاج الورشة الجادة إلى قدرة على تحويل الخبرة الضمنية إلى معرفة قابلة للنقل.

يجب أن يعرف مقدم الورشة لماذا ينجح مشهد معين، وما الذي يجعله مترهلًا، وكيف تُبنى الشخصية، وكيف يعمل المنظور السردي، وكيف يتشكل الإيقاع، وما الفرق بين الخطأ اللغوي والمشكلة الأسلوبية، وبين ضعف الفكرة وضعف تنفيذها، وبين الملاحظات الذوقية والحكم النقدي القابل للتبرير.

والخبرة هنا لا تعني فقط كثرة الكتب المنشورة، وإنما المعرفة الفعلية بتقنيات الكتابة: بنية النص، والشخصية، والحبكة، والمنظور السردي، والإيقاع، واللغة، وبناء المشهد، والحوار، والزمن، والصوت، والاقتصاد السردي، إلى جانب القدرة على قراءة نصوص الآخرين قراءة تحليلية لا انطباعية.

كذلك فالناقد الممتاز ليس بالضرورة مدربًا ممتازًا، لأن النقد يشتغل غالبًا على تفسير النصوص وتحليلها وتقويمها، بينما يحتاج التدريب إلى بناء تدريجي للمهارة، وملاحظة أخطاء المتدرب، وتقديم تغذية راجعة قابلة للتطبيق. والمحرر البارع قد لا يمتلك القدرة على تشخيص أخطاء المتدربين وشرح أسبابها واقتراح البدائل المناسبة.

لذلك لا يصح الخلط بين الإنجاز الأدبي والخبرة النقدية أو التحريرية والقدرة التدريبية؛ فهذه وظائف مختلفة، حتى لو اجتمعت في شخص واحد.

الدكتور محمد عبدالعال

س: ما الذي يجعل الورشة الأدبية ورشة حقيقية وليست مجرد محاضرة أو جلسة تحفيزية؟

ج: الورشة الأدبية الجادة ليست محاضرة عن الكتابة، وليست جلسة تحفيزية، وليست مساحة لعرض تجربة المدرب الشخصية. إنها ممارسة تعليمية لها بنية واضحة: مفهوم أو معرفة نقدية، وأدوات، ونصوص تطبيقية، وتمارين، وقراءة نقدية، ومناقشة، ومتابعة، وقدرة على تشخيص مشكلات النص واقتراح وسائل لمعالجتها.

ولهذا فإن قيمة المدرب لا تُقاس فقط بما كتبه، وإنما بقدرته على تحويل خبرته إلى معرفة قابلة للتعليم. والتعليم نفسه مهارة مستقلة.

س: ما المعايير التي يمكن من خلالها التمييز بين الورشة الحقيقية والنشاط التجاري المقنّع؟

ج: هناك مجموعة من المعايير العملية. أولها: ماذا سيُدرَّس تحديدًا؟ المحاضر الجاد يستطيع تقديم منهج واضح، حتى لو كان مرنًا؛ فيحدد للمشارك ما سيدرسه، سواء بناء الشخصية أو المنظور أو إدارة الزمن أو المشهد أو الحوار أو الوصف أو الإيقاع أو الحبكة أو تحرير النص، ثم ينتقل إلى التطبيقات العملية والقراءات الجماعية.

كما ينبغي أن يحدد المراجع التي يستند إليها، والنصوص التي سيحللها، وطريقة تقييم أعمال المشاركين. وعندما يُقال للمتدرب «ورشة في الكتابة الإبداعية»، فمن حقه أن يعرف ما الذي سيتعلمه تحديدًا: هل هي ورشة في بناء الرواية، أم السرد وتقنياته، أم تطوير الشخصيات، أم كتابة القصة القصيرة، أم التحرير الأدبي، أم مراجعة المسودات، أم تطوير مشروع روائي كامل؟

الورشة المهنية لا تبيع عنوانًا عامًا، وإنما تقدم برنامجًا له محتوى وتسلسل وتمارين وقراءات وتطبيقات ومراجعة.

أما الورشة التي تدور حول وعود عامة من نوع «اكتشف الكاتب الذي بداخلك» أو «اكتشف صوتك» أو «حرر الكاتب الذي بداخلك»، من دون مادة معرفية محددة، فهي تستحق قدرًا أكبر من التحفظ. فالإعلان أصبح أحيانًا يبيع «النتيجة» بدلًا من أن يشرح «المعرفة»، وتصبح عبارات مثل «اكتب روايتك الأولى» و«احترف الكتابة في أسابيع» و«اكتشف أسرار الروائيين» أكثر قابلية للتسويق من الحديث عن السرد وبناء الشخصية وإدارة الزمن والمنظور والحوار والإيقاع والتحرير والنقد التطبيقي.

الدكتور محمد عبدالعال

س: وماذا عن السيرة الأدبية للمدرب؟

ج: ينبغي النظر إلى السجل الفعلي للشخص: ماذا كتب؟ أين نشر؟ هل لديه أعمال أدبية منشورة يمكن قراءتها؟ هل لديه دراسات أو مقالات نقدية؟ هل مارس التحرير؟ هل شارك في لجان قراءة أو تحكيم؟ هل سبق له تدريس الكتابة فعلًا؟ وهل يمكن رؤية أثر تدريسه في أعمال من تلقوا التدريب منه؟

المقصود ليس أن تكون الجوائز شرطًا، وإنما أن تكون هناك آثار فعلية للنشاط الأدبي يمكن الرجوع إليها.

كما أن التخصص مهم للغاية. يجب أن نعرف ماذا يدرس بالضبط: هل يقدم ورشة في بناء الرواية؟ القصة القصيرة؟ السرد؟ الحوار؟ الشعر؟ التحرير الأدبي؟ النقد؟

فالنجاح في كتابة الرواية مثلًا لا يعني تلقائيًا القدرة على تدريس كل فنون الكتابة، فضلًا عن التحرير والنقد والنشر. والتأهيل لتقديم الورشة يجب أن يتناسب مع موضوعها.

س: هل القدرة على تفسير تجربة الكاتب وتحويلها إلى قواعد فنية معيار أساسي؟

ج: هذا من أهم المعايير. قد يكون لدينا كاتب ممتاز كتب رواية عظيمة، لكنه عندما يُسأل: لماذا اخترت هذا الراوي؟ ولماذا بدأت الرواية من هذه اللحظة؟ وما الوظيفة الدرامية لهذا الاسترجاع؟ ولماذا حذفت هذا المشهد؟ وكيف ميزت بين صوت الشخصية وصوت السارد؟ قد لا يستطيع الإجابة إلا بعبارات عامة من قبيل «هذا إحساسي» أو «هكذا جاءتني الكتابة».

هذا لا ينتقص من قيمته ككاتب، لكنه يعني أن أهليته الأدبية لا تكفي وحدها لإثبات أهليته التدريبية.

المدرب الحقيقي قادر على الانتقال من النص إلى القاعدة، ومن القاعدة إلى النص مرة أخرى؛ يستطيع أن يري المتدرب موضع الخلل، ثم يشرح سببه، ويقترح أكثر من طريقة لمعالجته، ويبين أثر كل معالجة في بنية النص.

وهذه القدرة تختلف جذريًا عن مجرد إبداء الإعجاب أو عدم الإعجاب بنص ما. فالمدرب الحقيقي يستطيع الانتقال من تجربته الخاصة إلى قاعدة أو مفهوم أو تقنية يمكن للمتدرب فهمها وتجربتها وتطبيقها على نصه، سواء وافق أسلوب المدرب أم اختلف عنه.

س: وماذا عن القراءة النقدية والتمييز بين الذوق الشخصي والقاعدة الفنية؟

ج: المدرب الحقيقي يستطيع أن يمسك بنص ضعيف ويشرح لماذا هو ضعيف، ويحدد موطن الخلل في البناء أو اللغة أو وجهة النظر أو الإيقاع أو الشخصية أو الحبكة، ثم يقترح بدائل ممكنة، ولا يكتفي بعبارات عامة مثل «النص يحتاج إلى شغل أكثر» أو «حاول أن تعمق الشخصية».

فالفرق بين الجملتين هو في الحقيقة الفرق بين الخبرة والانطباع.

كما أن ليست كل ملاحظة نقدية قانونًا أدبيًا، وليس من حق المدرب أن يحول أسلوبه الشخصي إلى معيار مطلق. بعض الورش الرديئة تنتج نسخًا متشابهة من الكتاب لأن المدرب يفرض ذائقته الخاصة على المتدربين.

المدرب الحقيقي يساعد الكاتب على اكتشاف منطقه الفني وصوته، لا على تقليده. وهو يعرف أن في الكتابة الإبداعية مدارس واتجاهات وتقنيات متعددة، ولذلك يقول للمتدرب: «هذه إحدى الطرق»، لا «هذه هي الطريقة الوحيدة».

س: هل يكفي أن يعمل المدرب على نصوص فعلية ويترك أثرًا في المتدربين؟

ج: الشخص الذي يقدم ورشة في الكتابة الإبداعية ينبغي أن يكون قادرًا على التعامل مع النصوص الفعلية، لا أن يكتفي بالمحاضرة النظرية. فإذا انتهت الورشة وظل النص كما هو، ولم يتعلم صاحبه كيف يقرأه بعين مختلفة، يصبح السؤال مشروعًا حول القيمة التدريبية التي حصل عليها.

والأثر الفعلي في المتدربين معيار مهم أيضًا. يمكن لشخص أن يمتلك جوائز كثيرة، لكنه لا يملك تجربة تعليمية حقيقية، وفي المقابل قد لا يكون شخص آخر صاحب جوائز كبيرة، لكنه يمتلك خبرة طويلة في التحرير والقراءة والتدريس ويترك أثرًا واضحًا في أعمال المتدربين.

لذلك ينبغي النظر إلى نتاج الورش السابقة وتجارب المشاركين، لا إلى الصورة الإعلانية وحدها.

س: هل الجوائز والنشر يكفيان لتأهيل الشخص لتقديم ورشة في الكتابة الإبداعية؟

ج: الجوائز والنشر مهمان، لكنهما لا يكفيان وحدهما. الحصول على جائزة أدبية يمثل اعترافًا مهمًا بقيمة عمل معين في سياق تحكيمي محدد، لكنه لا يمنح صاحبه شهادة أكاديمية أو مهنية في «تدريس الكتابة».

قد يفوز شاعر بجائزة كبرى ولا يكون قادرًا على تدريس تقنيات الشعر، وقد يفوز روائي بجائزة مرموقة ولا يمتلك القدرة على تحرير رواية شخص آخر، وقد يكون ناقدًا ممتازًا لكنه لا يستطيع تعليم الكتابة الإبداعية بالمعنى التطبيقي.

وكذلك النشر دليل مهم على وجود تجربة إنتاجية واحتكاك بصناعة الكتاب، لكنه لا يعني تلقائيًا امتلاك القدرة على تفكيك عملية الكتابة إلى أدوات قابلة للتعليم.

وفي المقابل، لا ينبغي أن نطالب كل مدرب في الكتابة الإبداعية بأن يكون حاصلًا على دكتوراه في الأدب أو أن يكون قد فاز بجائزة كبرى. الكتابة الإبداعية ليست مهنة أكاديمية بالمعنى الصارم، والخبرة الإبداعية الفعلية لها وزنها.

المطلوب هو تركيب الخبرة المناسبة بالمجال المطلوب تدريسه.

س: إذن، كيف يمكن تحديد أهلية مدرب الكتابة؟

ج: الأدق أن نتعامل مع أهلية مدرب الكتابة وفق أربعة محاور متكاملة: الخبرة الأدبية، والخبرة النقدية أو التحريرية، والقدرة التعليمية، وسجل الممارسة.

وكلما اجتمعت هذه العناصر كان من المنطقي النظر إلى صاحب الورشة بوصفه متخصصًا، لا مجرد كاتب قرر أن يبيع دورة.

وبصيغة أخرى، المدرب الأدبي الجيد يجمع بين أربعة مستويات: أن يكون قد مارس الكتابة أو النقد أو التحرير ممارسة حقيقية، وأن يمتلك معرفة نظرية ومصطلحية سليمة، وأن يستطيع تحويل هذه المعرفة إلى منهج تدريبي، وأن يقدم للمتدرب ملاحظات عملية قابلة للتطبيق.

وهناك تفريق مهم أيضًا: «التدقيق اللغوي» ليس هو «التحرير الأدبي»، و«التحرير الأدبي» ليس هو «النقد الأدبي»، و«الكتابة الإبداعية» ليست هي «صناعة المحتوى». كثير من الالتباس التجاري في سوق الورش ينشأ من جمع هذه المجالات كلها تحت عنوان واحد هو «الكتابة».

كما أن هناك فرقًا بين «تقديم تجربة الكاتب» و«تقديم ورشة تدريبية». الأول قد يكون لقاءً ثقافيًا أو «ماستر كلاس» ناجحًا يتحدث فيه كاتب عن تجربته في الكتابة والنشر، وهذا مشروع ومفيد. أما الورشة فتعني شيئًا أكثر تركيبًا: تشخيصًا وتدريبًا وتمارين وتطبيقًا ومراجعة وتغذية راجعة.

لذلك من الأفضل للمؤسسات أن تميز في الإعلان بين «ندوة» و«محاضرة» و«لقاء مع كاتب» و«ماستر كلاس» و«ورشة تدريبية»؛ فاستخدام كلمة «ورشة» على كل نشاط أدبي نوع من التضليل المهني.

س: ما مسؤولية المؤسسات الثقافية ودور النشر والمنصات تجاه هذه الظاهرة؟

ج: المؤسسات الثقافية ودور النشر والمنصات الأدبية تتحمل مسؤولية حقيقية؛ فالمؤسسة التي تعلن عن ورشة لا تقدم مجرد قاعة وساعة تدريب، وإنما تمنح مقدم الورشة قدرًا من الشرعية الثقافية أمام الجمهور.

لذلك عليها أن تتحقق من سيرته وأعماله المنشورة وخبرته في المجال الذي سيدرسه ومحتوى الورشة وطبيعة المادة المقدمة، وألا تستخدم اسم المؤسسة لتسويق شخص لا تتوافر لديه الحد الأدنى من المؤهلات.

كما ينبغي أن تراجع السيرة الأدبية والمهنية للمدرب، وتطلب خطة تفصيلية للورشة، وطبيعة التمارين، وآلية التقييم، وسجلًا سابقًا في التدريب إن كان موجودًا، وأن تميز بوضوح بين «كاتب» و«ناقد» و«محرر» و«مدرب».

ولا ينبغي أن تجعل عدد المتابعين معيارًا للكفاءة، ولا أن تنجرف وراء منطق «الاسم اللامع». فجمهور واسع على وسائل التواصل لا يساوي معرفة أدبية، والحضور الإعلامي لا يساوي القدرة النقدية.

وهناك مسؤولية أخلاقية أيضًا في الإعلان؛ فمن حق المتدرب أن يعرف بدقة ما الذي يشتريه، فلا يقدم شخص باعتباره «ناقدًا كبيرًا» إذا كانت صفته الأدبية الأساسية كاتبًا، ولا يقدم صاحب تجربة محدودة باعتباره «خبيرًا في صناعة الرواية».

ولا توجد ورشة جادة تستطيع أن تضمن للكاتب النجاح الأدبي أو الجائزة أو النشر. ما يمكن للمدرب أن يضمنه هو جودة العملية التدريبية، وليس النتيجة المستقبلية التي تعتمد على موهبة المتدرب واجتهاده ومشروعه وسياق النشر.

س: هل انتشار الورش التجارية يكشف عن أزمة أكبر في المجال الأدبي؟

ج: انتشار الورش التجارية يكشف عن مشكلة أوسع في المجال الأدبي العربي، وهي تضخم سوق «الخبراء» مع ضعف آليات التقييم المهني. ففي مجالات أخرى، لا يكفي أن يقول شخص إنه متخصص في التحرير أو التدريب حتى يُمنح المنصة مباشرة، أما في المجال الأدبي فغالبًا ما تكون الحدود أكثر رخاوة، ويصبح النجاح الشخصي كافيًا في نظر البعض لإنتاج سلطة تدريبية.

وهذا يؤدي أحيانًا إلى ما يمكن تسميته «تسويق الشهرة بوصفها معرفة».

أما دور النشر، فمسؤوليتها أكبر قليلًا عندما تقدم ورشًا مرتبطة باسمها؛ لأن دار النشر ليست منصة شخصية، وإنما مؤسسة تمتلك رأسمالًا رمزيًا في المجال الأدبي، وحين تضع اسمها خلف ورشة يفترض الجمهور أن هناك حدًا أدنى من المراجعة المهنية سبق الإعلان عنها.

لكن المسؤولية لا تقع على المؤسسات وحدها، فهناك مسؤولية على الجمهور أيضًا. المتدرب الذي يدفع مقابل حضور ورشة ينبغي أن يتعامل معها كأي خدمة معرفية، فيسأل عن المنهج والمراجع وعدد الساعات وطبيعة التطبيق وطريقة التعامل مع النصوص وخبرة المدرب.

وليس منطقيًا أن يشتري الإنسان جهازًا إلكترونيًا بعد مقارنة مواصفاته ومراجعاته، ثم يدفع آلاف الجنيهات في ورشة أدبية اعتمادًا على صورة دعائية وعبارة «الأماكن محدودة».

والخطأ هو اختزال المسألة في اتهام كل ورشة مدفوعة بأنها «تجارة»؛ فالمشكلة ليست في أن يدفع المتدرب، وإنما في أن يدفع مقابل شيء لا يحصل عليه.

س: وماذا عن ورش التحرير الأدبي؟ وهل تحتاج إلى معايير أكثر صرامة؟

ج: بالتأكيد، في حالة ورشة التحرير الأدبي تحديدًا ينبغي أن تكون معايير مقدمها أكثر صرامة؛ لأن المحرر يتعامل مع نصوص الآخرين، أي إنه يمارس سلطة نقدية وفنية على عمل لم يكتبه.

لذلك لا يكفي أن يكون روائيًا منشورًا، وإنما ينبغي أن يمتلك عينًا تحريرية، ومعرفة باللغة، وإدراكًا للبنية والأسلوب والإيقاع، وأن يعرف حدود التدخل: متى يصلح الخطأ، ومتى يقترح، ومتى يترك الاختيار للكاتب، ومتى يتحول «التحرير» إلى إعادة كتابة للنص بصوت المحرر نفسه.

فالتحرير الأدبي ليس مجرد مراجعة لغوية، وليس إعادة كتابة للنص وفق ذوق المحرر، وليس تصحيحًا للأخطاء الإملائية. إنه يتطلب فهمًا لبنية النص ووظيفته السردية وإيقاعه ومنظور الراوي وبناء الشخصيات وتماسك المشاهد والاقتصاد اللغوي، والتمييز بين ما ينبغي حذفه وما ينبغي الإبقاء عليه، وبين الخطأ الفني والخيار الأسلوبي.

وإذا كنت تقدم «ورشة في التحرير الأدبي»، فإن قوة ملفك لا تأتي فقط من الجوائز، وإنما من اجتماع عدة عناصر: خبرتك كروائي، وخبرتك البحثية والأكاديمية في الأدب والتراث، والممارسة الفعلية للقراءة والتحليل والتحرير، وقدرتك على تفكيك النصوص، وامتلاكك منهجًا واضحًا في التعامل مع النص الأدبي.

هنا تصبح الجوائز قرينة على التجربة الأدبية، بينما يصبح المنهج والخبرة التحريرية دليلًا على القدرة على التدريب.

س: في النهاية، ما المعيار الحقيقي الذي يجب أن نبحث عنه عند اختيار مدرب للورش الأدبية؟

ج: في تقديري، يمكن وضع قاعدة بسيطة وحاسمة: لا ينبغي أن يكون السؤال: كم جائزة حصل عليها المدرب؟ وإنما: ماذا يعرف، وماذا مارس، وماذا يستطيع أن يعلّم، وما الدليل على ذلك؟

قد يكون شخص حاصلًا على خمس جوائز غير مؤهل لتقديم ورشة في التحرير الأدبي، بينما يكون محرر متمرس لم يحصل على أي جائزة روائية أكثر تأهيلًا منه؛ لأن الجائزة تقيس قيمة عمل أدبي معين في سياق تحكيمي محدد، أما التدريب فيقيس القدرة على نقل المعرفة والخبرة إلى الآخرين.

وبالمقابل، فإن الشخص الذي يجمع بين التجربة الإبداعية الموثقة، والمعرفة النقدية أو الأكاديمية، والممارسة التحريرية، والمنهج التدريبي الواضح، يمتلك أساسًا أقوى بكثير لتقديم الورشة. وهذا هو النوع الذي ينبغي للمؤسسات أن تبحث عنه.

المشكلة الحقيقية إذن ليست في «تجارية الورش»، بقدر ما هي في غياب المعايير المهنية والشفافية. حين يعرف المتدرب ما الذي يشتريه، ويعرف من يقدمه، ويستطيع تقييم مؤهلاته، وتلتزم المؤسسة بحد أدنى من التحقق، يصبح المقابل المالي جزءًا طبيعيًا من العملية الثقافية.

أما حين تُباع الشهرة الشخصية أو عدد المتابعين أو الجوائز باعتبارها بديلًا عن المعرفة والمنهج، تتحول الورشة إلى سوق للانطباعات.

وأفضل طريقة لمواجهة ظاهرة «مدربي الورش» غير المؤهلين ليست مهاجمة الورش نفسها، وإنما رفع معاييرها المهنية؛ فالورشة الأدبية تستحق أن تُعامل باعتبارها نشاطًا معرفيًا له أخلاقيات ومناهج ومخرجات، لا باعتبارها منتجًا تسويقيًا يحمل اسمًا أدبيًا.

وعندما تصبح هذه المعايير معلنة، سيكون من السهل على المتدرب أن يميز بين صاحب خبرة حقيقية، وبين شخص يملك فقط قدرة جيدة على تقديم نفسه بوصفه خبيرًا.

وينبغي أن تنتقل الورش الأدبية من منطق «احضر لأن المدرب مشهور» إلى منطق أكثر مهنية: «احضر لأن البرنامج واضح، والمدرب مؤهل، والمنهج محدد، والمخرجات قابلة للقياس».

وفي النهاية، الكاتب الحقيقي لا يحتاج إلى احتكار صفة «المعلم»، والمدرب الحقيقي لا يحتاج إلى اختلاق هالة حول نفسه. ما يثبت الاثنين هو النص، والمنهج، والقدرة على القراءة، والقدرة على التفسير، والقدرة على رؤية ما لا يراه صاحب النص في نصه.

وفي ورشة التحرير الأدبي تحديدًا، فإن أفضل معيار ليس عدد الحضور ولا بريق الاسم، وإنما قدرة المدرب على أن يجعل النص، في نهاية الورشة، أكثر دقة واتساقًا ووضوحًا وفاعلية، من دون أن ينتزع منه صوت صاحبه. وهذه هي المسافة التي تفصل الورشة الأدبية عن مجرد جلسة مدفوعة يتحدث فيها شخص عن تجربته الشخصية في الكتابة.